تجاوز إلى المحتوى

من «المحاسن والمساوئ» لإبراهيم بن محمد البيهقي (ت نحو ٣٢٠هـ)

مساوئ الحجبة

قال ثمامة: جلس المأمون يوماً وقد حضر الناس فأمر عليّ بن صالح بإدخال إسماعيل بن موسى فغلط وأدخل إسماعيل بن جعفر، وكان المأمون من أشدّ الناس له بغضاً فرفع يده إلى السماء فقال: اللهم ابدلني بعليّ بن صالح مطيعاً ناصحاً فإنه بصداقته لهذا آثر هواه على هواي، فلما دنا قبّل يده، فقال: هات حوائجك، فقال: ضيعتي بالفتنة قُهرتها وغُصبت عليها، فأمر بردها عليه ثم قال: اذكر حاجتك، فقال: دينٌ كثير قد لحقني في جفوة أمير المؤمنين إياي، فأمر بقضاء دينه، وقال: حاجتك؟ قال: يأذن لي أمير المؤمنين في الحج؟ قال: قد أذنّا لك، وحاجتك أيضاً؟ قال: وقف أبي كان في يدي فأُخرج عني، قال: يردّ عليك إن رضي ورثة أبيك، ثم قال: الذي أمكننا في أمرك قد جدنا به ووقف أبيك إلى ورثته، ثم قال لعلي بن صالح: يا عبد الله ما لي ولك! متى رأيتني أنشط لإسماعيل بن جعفر وهو صاحبي بالأمس بالبصرة؟ قال: يا أمير المؤمنين ذهب عني إسماعيل بن موسى، قال: ذهب عنك ما كان يجب عليك حفظه وحفظت ما كان يجب أن لا تحفظه، فأما إذ أخطأت فلا تُعلم إسماعيل بن جعفر القصة، فظن أنه عنى إسماعيل بن موسى فأخبر إسماعيل بن جعفر حرفاً حرفاً فأذاعها إسماعيل وبلغ المأمون فقال: الحمد لله الذي وهب لي هذه الأخلاق التي أحتمل عليها علي بن صالح وأبا عمران الطوسيّ وحميد بن عبد الحميد ومنصور بن النعمان.

وحدثنا مسعود بن بشر عن ابن داحة قال: خرج إلينا يعقوب بن داود من عند المهدي ونحن على بابه فقال: ما صدر هذا البيت:

ومحترسٍ من مثله وهو حارس

فإن أمير المؤمنين سأل عنه فلم يكن عند أحد منهم جواب. فقلت: أنا أخبرك، قال البردخت الشاعر، والبردخت الفارغ بالفارسية:

أقلي عليك يا اللوم يا أم مالكوذمي زماناً ساد فيه الفلافس
كساعٍ إلى السلطان ليس بناصحومحترس من مثله وهو حارس

الفلافس من بني نهشل بن دارم كوفيّ وكان على شرطة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، وقال الأشهب بن رميلة النهشلي:

يا حار يا ابن أبي ربيعة إنهيزني إذا اختلط الظلام ويشرب
جعل الفلافس حاجبين لبابهسبحان من جعل الفلافس يحجب

فدعا به الحارث وقال: قد علمت أنه كذّب عليك ولكن لا حاجة لي فيك فاخرج عني، وقال الشاعر في مثله:

سأترك هذا الباب ما دام إذنهعلى ما أرى حتى تلين قليلا
إذا لم نجد للإذن عندك موضعاًوجدنا إلى ترك المجيء سبيلا

وقال آخر:

سأترك باباً أنت تملك إذنهوإن كنت أعمى عن جميع المسالك
فلولا كنت بوّاب الجنان تركتهاوحوّلت رجلي مسرعاً نحو مالك

وكتب أبو العتاهية إلى أحمد بن يوسف:

لئن عدت بعد اليوم إني لظالمسأصرف وجهي حيث تبغي المكارم
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «لئن عدت بعد اليوم إني لظالم»
متى ينجح الغادي لديك بحاجةٍونصفك محجوب ونصفك نائم

وكتب رجل إلى عبد الله بن طاهر:

إذا كان الجواد له حجابٌفما فضل الجواد على البخيل

فأجابه:

إذا كان الجواد قليل مالٍولم يقدر تعلّل بالحجاب
للشاعر عبد الله بن طاهر، اقرأ القصيدة

وكتب عبد الله بن محمد بن أبي عيينة إلى صديق له:

أتيتك زائراً لقضاء حقٍّفحال الستر دونك والحجاب
للشاعر عبد الله بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة
ولست بساقطٍ في قدر قومٍوإن كرهوا كما يقع الذباب
للشاعر عبد الله بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

وأحضر باب إبراهيم جهلاًبما فيه وأرشو الحاجبين
فأخرج إن خرجت بغير شيءٍوأدخل إن دخلت بدرهمين

وقال آخر:

يدلّ على أنه كاتبسوادٌ بأظفاره راتب
فإن كان هذا دليلاً لهفإسكافنا كاتبٌ حاسب

حجابٌ شديدٌ لأبوابه وليس لباب استه حاجب

وقال آخر:

لقلع ضرسٍ وضنك حبسٍونزع نفسٍ وردُّ أمس
وأكل كفٍّ وضيق خفٍّوفقد إلفٍ وإلف فلس
وقود قردٍ ونسج بردٍودبغ جلدٍ بغير شمس
للشاعر عبد المحسن الصوري، من قصيدة «لقلع ضرس ومضغ كلس»
وشرب سمٍ وقتل عمٍوكلُّ غمٍ ويوم نحس
ونفخ نارٍ وحمل عارٍوبيع جارٍ بربع فلس
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «لقلع ضرس وضرب حبس»
أيسر من وقفةٍ ببابٍيلقاك بوّابه بعبس

وقال:

لما رأيتك ذاهباًورأيتني أُجفى ببابك
عدّيت رأس مطيتيوحجبت نفسي عن حجابك
للشاعر البلاذري، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

لئن كان التشرف في الحجابلقد أصبحت في الشرف اللباب
لقد عاتبت نفسي في وقوفيفقلت لها: وقفت بأيّ باب
ببابٍ تُسلب الموتى عليهويُستلب العراق من الكلاب؟

منصور بن باذان:

أما وزمر ابن شيبهوقبح لحية عقبه
كأنما شعر قردٍملصَّقٌ حول ذنبه
ووجهه حين يبدوكقبح أول شربه
لئن أطلت حجابيما أنت إلا ابن قحبه
وكيف تبني المعالييا نجل كلبٍ لكلبه
وهل يكون كريماًيا قوم حمّال قربه!

وله:

يا ذا الذي قصّر في مجدهوزاد في عدّة حجّابه
أقسمت لا أقرب باب امريءٍيحجبني البوّاب عن بابه
فأدخل الله رؤيس امريءٍيحجب مثلي في است بوّابه

ولأبي عبد الله مريقة في علي بن أحمد المعروف بابن الحواري شاعر وكان حجبه فتعرض له وقد ركب فقال:

أسَلُ الذي صرف الأعنّة بالمواكب نحو بابك
وأراك نفسك دائماًما لم يكن لك في حسابك
وأذل موقفي العزيز عليّ في أقصى رجائك
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أسل الذي عطف الأعنة»
ألا يطيل تجرّعيغصص المنية من حجابك
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أسل الذي عطف الأعنة»

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاسن والمساوئ»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.