تجاوز إلى المحتوى

من «المحاسن والمساوئ» لإبراهيم بن محمد البيهقي (ت نحو ٣٢٠هـ)

محاسن الحجاب

يقال إن ملوك العجم كانت تأخذ أبناءها بأن يعاملوها بما تعامل به عبيدها، وأن لا يدخل أحد من الولد عليها إلا عن إذنها، وأن يكون الحجاب عليهم أغلظ منهم على من دونهم من بطانتها وخدمها لئلا تحملهم الدّالة على تعدّي ميزان الحق، فإنه يقال إن يزدجرد رأى بهرام بموضع لم يكن له فقال له: مررت بالحاجب؟ قال: نعم، قال: وعلم بدخولك؟ قال: نعم، قال: فاخرج إليه فاضربه ثلاثين سوطاً ونحّه عن الستر ووكّل بالحجاب أزاذمرد، ففعل بهرام ذلك وهو إذ ذاك ابن ثلاث عشرة سنة، ولم يعلم الحاجب فيم غضب عليه الملك، فلما جاء بهرام بعد ذلك ليدخل دفع أزاذمرد في صدره دفعة أوقذه منها وقال له: إن رأيتك بهذا الموضع ضربتك ستين سوطاً لجنايتك على الحاجب الأول وثلاثين لئلا تطمع في الجناية عليّ، فبلغ ذلك يزدجرد فدعا بازاذمرد فخلع عليه ووصله.

ويقال: إن يزيد بن معاوية كان بينه وبين أبيه باب، فكان إذا أراد الدخول عليه قال لبعض جواريه: انظري هل تحرك أمير المؤمنين، فجاءت الجارية حتى فتحت الباب ومعاوية قاعد في حجره مصحف وبين يديه جارية تصفّح عليه، فأخبرت يزيد بذلك، فجاء يزيد حتى دخل على معاوية، فقال: يا بني إنما جعلت بيني وبينك باباً كما بيني وبين العامة لتدخل عليّ وقت إذنك فهل ترى أحداً يدخل عليّ من ذلك الباب؟ قال: لا، قال: فكذلك إذنك.

وذكروا أن موسى الهادي دخل على المهدي وهو خليفة فزبره الحاجب وقال: إياك أن تعود إلى مثلها إلا بإذن أمير المؤمنين لخاصته.

وذكروا أن المأمون لما اشتد به الوجع سأل بعض بنيه الحاجب أن يدخله عليه ليراه، فقال: لا والله ما لي إلى ذلك سبيل ولكن إن شئت أن تراه من حيث لا يراك فاطّلع عليه من ثقب في ذلك الباب، فجاء حتى اطّلع عليه وتأمله وانصرف.

وحكي عن إيتاخ أنه بصر بالواثق في حياة المعتصم واقفاً في موضع لم يكن له أن يقرب منه ولا أن يقف به فزبره وقال: تنحّ فوالله لولا أني لم أتقدم إليك لضربتك مائة سوط.

وكانت الأعاجم تقول: ما شيء بأضيع للملكة ولا أضيع للرعية من صعوبة الحجاب، ولا شيء أهيب للرعية من سهولة الحجاب، لأن الرعية إذا وثقت من الوالي بسهولة الحجاب أحجمت عن الظلم، وإذا وثقت منه بصعوبة الحجاب هجمت على الظلم وركب القويّ منهم الضعيف، فخير خلال السلطان سهولة الحجاب.

قال: وقال خالد بن عبد الله القسريّ: لا يحجب الوالي إلا لثلاث خصال: إما رجل عيّ فهو يكره أن يعرف الناس منه ذلك، وإما رجل مشتمل على سوءة فهو يكره أن يطّلع الناس على ذلك فيه، وإما رجل يكره مسألة الناس إياه.

قيل: واستأذن أبو سفيان بن حرب على عثمان بن عفان، ﵀، فحجبه، فقيل له: حجبك أمير المؤمنين، فقال: لا عدمت من قومي من إذا شاء حجبني.

قال: وقال الرشيد لبشر بن ميمون لما ولاه الحجبة: يا بشر صن طلاقة اسمك بحسن فعلك واحجب عني من إذا قعد أطال وإذا طلب أجال فِكره، ولا تستخفنّ بذوي المروءة والحرمة فإنهم إن مدحوا تلبّوا وإن ذُمّوا أزالوا.

وذكروا عن الربيع الحاجب أن المنصور دعا محمد بن عيسى بن علي إلى الغذاء فقال: يا أمير المؤمنين قد أكلت، فلما خرج أخذه الربيع وحمله على ظهر رجل وضربه كما يضرب الصبيان، فظن أهل بيته أن المنصور أمره بذلك، فخرج يبكي إلى أبيه، فجاء أبوه عيسى بن علي فخلع سيفه بين يدي المنصور وصاح، فقال: ما أمرت بذلك ولم يفعل الربيع ذلك إلا لأمر، فلما سئل الربيع عن ذلك قال: أمرته أن يتغدّى معك فقال قد أكلت، وإنما دعوته لتشرّفه وترفع منه ولم تدعه لتشبعه، فأدّبته إذ لم يؤدّبه أبوه، فقال المنصور: أحسنت! قد علمت أنك لا تخطيء.

قال: وقال المهدي للفضل بن الربيع حين ولاه الحجبة: إني موليك ستر وجهي وكشفه فلا تجعل الستر بيني وبين الناس سبب إراقة دمائهم بعبوس وجهك في وجوههم فإن لهم دالة الحرمة وحرمة الاتصال وقدّم أبناء الدعوة وثنّ بالأولياء واجعل للعامة وقتاً إذا وصلوا أعجلهم ضيقه عن التلبث والتمكّث، وكان أول من حجبه الحسن بن عثمان ثم الفضل بن الربيع، وكان الهادي ولّى حجبته الفضل بن الربيع بعد الربيع وقال له: لا تحجب عني الناس فإن ذلك يزيل عني التزكية، ولا تلق إليّ أمراً إذا كشفته وجدته باطلاً فإن ذلك يوهن الملك ويضرّ بالرعية.

قيل: وقال الواثق لابن أبي دؤاد: من أولى الناس بالحجبة؟ فقال: مولّى شفيق يصون بطلاقة وجهه من ولاه ويستعبد الناس لمولاه، فنظر إلى إيتاخ وكان واقفاً على رأسه فقال: قد ولاّك أبو عبد الله الحجبة، فكان إيتاخ يعرف ذلك له ويتقدّم بين يديه إلى أن يبلغ مرتبته.

قال: وقال رجل لزياد: إن حاجبك إنما يبدأ بالإذن لمعارفه، فقال: قد أحسن، المعرفة تنفع عند الكلب العقور والأسد الهصور وبين لحيي البعير الصؤول، كن من معارفه، فقد قيل: التعارف نسب وقبّح الله معرفة لا تنفع.

وكان ليحيى بن خالد حاجبٌ قبل الوزارة، فلما صار إلى الوزارة رأى كأنه تثاقل عن حجابته فقيل له: لو اتخذت حاجباً غيره، قال: كلا، هذا يعرف إخواني القدماء، وقال الشاعر في مثله:

هشٌ إذا نزل الوفود ببابهسهلُ الحجاب مؤدِّب الخدّام
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «لله درك من فتى فجعت به»
وإذا رأيت شقيقه وصديقهلم تدر أيهما أخو الأرحام
للشاعر محمد بن بشير الخارجي، من قصيدة «نعمَ الفتى فجعتْ بهِ إخوانهُ»

وقال خيط القنديل في محمد بن عبد الله بن طاهر:

يا أيها الملك المحجوب آملهوراء بابك همٌ غير مشترك
وكم أقول فلا يجدي فينجدنيولا أرى مدنياً من قبة الملك
وقد تحصّن مني في محصَّنةٍخلقاء خلف وشيج السمر والحسك
أصبحت كالشمس لا تخفى على أحدٍلكنّ مطلعها في سرّة الفلك
يا ليت ريح سليمانٍ مسخرةًإليه تحملني أو منكبي ملك
فلست دون أناسٍ كان سهمهمسهم النّجيح فنالوا غاية الدّرك
فإن ظُلمتُ ولم أُنصف فقد ظلمتبنت النبي كما قد قيل في فدك

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاسن والمساوئ»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.