تجاوز إلى المحتوى

من «المحاسن والمساوئ» لإبراهيم بن محمد البيهقي (ت نحو ٣٢٠هـ)

محاسن الشكر

قال بعض الحكماء: صن شكرك عمّن لا يستحقه واستر ماء وجهك بالقناعة.

وقال الفضل بن سهل: من أحب الازدياد من النعم فليشكر، ومن أحب المنزلة عند سلطانه فليكفه، ومن أحب بقاء عزه فليسقط دالّته ومكره. ومن ذلك قول رجل لرجل شكره في معروف:

لقد ثبتت في القلب منك محبةٌكما ثبتت في الراحتين الأصابع
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «نهاري نهار الناس حتى إذا بدا»

قال: واصطنع رجل رجلاً فسأله يوماً: أتحبني يا فلان؟ قال: نعم أحبك حباً لو كان فوقك لأظلك ولو كان تحتك لأقلك.

وقال كسرى أنوشروان: المنعم أفضل من الشاكر لأنه جعل له السبيل إلى الشكر.

واختصر حبيب بن أوس من هذا شيئاً في مصراع واحد فقال:

لهان علينا أن نقول وتفعلا

وقال بشار:

أثني عليك ولي حالٌ تكذبنيفيما أقول وأستحيي من الناس
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «يا ابن العلاء ويا ابن القرم مرداس»
قد قلت إن أبا حفصٍ لأكرم منيمشي فخاصمني في ذاك إفلاسي
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أثني عليك ولي حال تكذبني»

ولأبي الهول في مثله:

فإني إذ مدحتك يا ابن معنٍرآني الناس في رمضان أزني
فإن أك أُبتُ عنك بغير شيءٍفلا تفرح كذلك كان ظني

ولآخر في مثله:

لحى الله قوماً أعجبتهم مدائحيفقالوا خفاتاً في ملامٍ وفي عتب:
أبا حازمٍ تمدح، فقلت معذّراً:هبوني امرأً جربت سيفي على كلب

ولبعض المحدثين:

عثمان يعلم أن الحمد ذو ثمنٍلكنه يشتهي حمداً بمجّان
للشاعر عبد الملك الحارثي، اقرأ القصيدة
والناس أكيس من أن يحمدوا أحداًحتى يروا قبله آثار إحسان

وقال آخر:

فلو كان يستغني عن الشكر سيدٌلعزّة ملكٍ أو علو مكان
لما أمر الله العباد بشكرهفقال اشكروني أيها الثقلان
للشاعر الزبير بن بكار، اقرأ القصيدة

الباهلي عن أبي فروة قال: أخبرني الحلبي قال: مكتوب في التوراة: اشكر لمن أنعم عليك وأنعم على من شكرك، فإنه لا زوال للنعم إذا شكرت ولا إقامة لها إذا كفرت والشكر زيادة في النعم وأمان من الغِيَر.

قيل وقال رسول الله، ﷺ: خمس يعاجل صاحبهن بالعقوبة: البغي والغدر وعقوق الوالدين وقطيعة الرحم ومعروف لا يشكر.

وفي حديث مرفوع: دعاء المنعم على المنعَم عليه مستجاب.

وقيل: أنشد عمر بن الخطاب، ﵁، الحطيئة هذا البيت وعنده كعب الأحبار:

من يفعل الخير لا يعدم جوازيهلا يذهب العرف بين الله والناس
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «والله ما معشر لاموا امرأ جنبا»

فقال كعب: يا أمير المؤمنين هذا البيت الذي قال مكتوب في التوراة! قال عمر: وكيف ذاك؟ قال: في التوراة مكتوب: من يصنع المعروف لا يضيع عندي، لا يذهب العرف بيني وبين عبدي.

قيل: ودخل أبو مسلم صاحب الدولة على أبي العباس وأبو جعفر المنصور عنده، فقال أبو العباس لأبي مسلم: يا عبد الرحمن هذا أبو جعفر عبد الله بن محمد مولاك! قال: قد رأيت مجلسه يا أمير المؤمنين ولكنّ هذا مجلس لا يقضى فيه حق غيرك.

فصل لكاتبه في مثله: ولست أقابل أياديك ولا أستديم إحسانك إلا بالشكر الذي جعله الله جل وعز للنعم حارساً وللحق مؤدياً وللمزيد سبباً.

وقيل لرسول الله، ﷺ: أليس قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً! وفي الحديث أن رجلاً قال في الصلاة خلف رسول الله، ﷺ: اللهم ربنا لك الحمد حمداً زاكياً طيباً مباركاً فيه. فلما انصرف رسول الله، ﷺ، قال: أيكم صاحب الكلمة؟ قال أحدهم: أنا يا رسول الله. فقال: لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكاً يبتدرون أيهم يكتبها أولاً، وقيل: نسيان النعمة أول درجات الكفر، ولابن المقفع:

مننت على قومي فأبدوا عداوةًفقلت لهم كفؤ العداوة والشكر

وقال آخر:

ألا في سبيل الله وُدٌ بذلتهلمن لم يكن عندي لمعشاره أهلا
ولكن إذا فكّرت فيه وجدتنيبحسني إليه قد أفدت به عقلا

وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: لا تدع المعروف لكفر من كفره فإنه يشكرك عليه أشكر الشاكرين، وقد قيل في ذلك:

يد المعروف غنمٌ حيث كانتتحمّلَها شكورٌ أم كفور
للشاعر عبد الله بن المبارك، اقرأ القصيدة
فعند الشاكرين لها جزاءٌوعند الله ما كفر الكفور

قال بعضهم: ما أنعم الله على عبد نعمةً فشكر ذلك إلا لم يحاسبه على تلك النعمة، وقال بعض الحكماء: عند التراخي عن شكر المنعم تحلّ عظائم النقم.

قيل: وكان رسول الله، ﷺ، كثيراً ما يقول لعائشة، ﵂: ما فعل بيتك أو بيت اليهودي؟ فتقول:

يجزيك أو يُثني عليك وإن منأثنى عليك بما فعلت كمن جزى
للشاعر زهير بن جَناب الكلبي، اقرأ القصيدة

فيقول، عليه وعلى آله السلام: قد صدق يا عائشة، إن الله جل وعز إذا أجرى لرجل على يدي رجل خيراً فلم يشكره فليس لله بشاكر.

قيل وقيل لذي الرمة: لم خصصت بلال بن أبي بردة بمدحك؟ فقال: لأنه وطّأ مضجعي وأكرم مجلسي فحق لكثير معروفه عندي أن يستولي على شكري.

ومنهم من يقدم ترك مطالبة الشكر وينسبه إلى مكارم الأخلاق، من ذلك ما قاله بزرجمهر: من انتظر بمعروفه شكراً فقد استدعى عاجل المكافأة.

وقال بعض الحكماء: كما أن الكفر يقطع مادة الإنعام فكذلك الاستطالة بالصنيعة تمحق الأجر.

وقال علي بن عبيدة: من المكارم الظاهرة وسنن النفس الشريفة ترك طلب الشكر على الإحسان ورفع الهمة عن طلب المكافأة واستكثار القليل من الشكر واستقلال الكثير مما يبذل من نفسه.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاسن والمساوئ»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.