تجاوز إلى المحتوى

من «الموشح» للمرزباني (ت ٣٨٤هـ)

٣٤- عبد الرحمن القس

قال قدامة بن جعفر: من الكلام المستقل فى الغزل قول عبد الرحمن بن عبد الله القسّ:

إن تنأ دارك لا أملّ تذكّراوعليك منى رحمة وسلام

ومن المستخشن قول هذا الشاعر أيضا:

سلّام ليت لسانا تنطقين بهقبل الذى نالنى من صوته قطعا

فما رأيت أغلظ ممّن يدعو على معشوقة أجادت فى غنائها بقطع لسانها؛ لأن المذهب فى الغزل إنما هو الرقة واللطافة والشكل والدماثة. واستعمال الألفاظ اللطيفة المستعذبة المقبولة غير المستكرهة، فإذا كانت جاسية مستوخمة كان ذلك عيبا.

وبلغنى أنّ أبا السائب المخزومى لما أنشد قول إسحاق الأعرج مولى عبد العزيز بن مروان، وهو:

فلما بدا لى رابنىنزعت نزوع الأبىّ الكريم

قال: قبّحه الله، والله ما أحبّها ساعة قط.

ومثله لنابغة بنى تغلب- واسمه الحارث بن غزوان - أحد بنى زيد بن عمرو بن غنم بن تغلب:

هجرت أمامة هجرا طويلاوما كان هجرك إلا جميلا
للشاعر النابغة التغلبي، من قصيدة «هجرت أمامة هجرا طويلا»
على غير بغض ولا عن قلىوإلّا حياء وإلّا ذهولا
للشاعر النابغة التغلبي، من قصيدة «هجرت أمامة هجرا طويلا»
بخلنا لبخلك قد تعلمينفكيف يلوم البخيل البخيلا

قال: ومما جاء فى الشعر من المتناقض على طريق المضاف قول عبد الرحمن القس:

وإنى إذا ما الموت حلّ بنفسهايزال بنفسى قبل ذاك فأقبر

فقد جمع بين قبل وبعد؛ وهما من المضاف؛ لأنه لا قبل إلا لبعد، ولا بعد إلّا لقبل؛ حيث قال: إنه إذا وقع الموت بها- وهذا القول كأنه شرط وضعه ليكون له جواب يأتى به- وجوابه هو قوله: يزال بنفسى قبل ذاك. وهذا شبيه بقول قائل لو قال: إذا انكسر الكوز انكسرت الجرة قبله؛ فجعل هذا الشاعر ما هو قبل بعدا.

قال: ومما جاء فى الشعر من المتناقض على طريق الإيجاب والسلب قول عبد الرحمن القس:

أرى هجرها والقتل مثلين فاقصرواملامكم فالقتل أعفى وأيسر

فأوجب هذا الشاعر للهجر والقتل أنهما مئلان، ثم سلبهما ذلك بقوله: إنّ القتل أعفى وأيسر؛ فكأنه قال: إنّ القتل مثل الهجر وليس هو مثله وأرى أنّ مما يجرى هذا المجرى قول يزيد بن مالك الغامدى حيث قال:

أكفّ الجهل عن حلماء قومىوأعرض عن كلام الجاهلينا

ثم قال فى هذه القصيدة بعد هذا البيت:

إذا رجل تعرض مستخفّالنا بالجهل أوشك أن يحينا

فقد أوجب هذا الشاعر فى البيت الأول لنفسه الحلم والإعراض عن الجهال، ونفى ذلك بعينه فى البيت الثانى بتعدّيه فى معاقبة الجاهل إلى أقصى مراتب العقوبات، وهو القتل.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من [ثانيا] : الشعراء الإسلاميون

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.