تجاوز إلى المحتوى

من «الموشح» للمرزباني (ت ٣٨٤هـ)

٣٣- ابن هرمة

رأيت أهل العلم بالشعر يستحسنون قول عنترة العبسى فيما أخبر به عن شكيّة فرسه إليه التعب لدوام الحرب، فقال:

فازور من وقع القنا بلبانهوشكا إلىّ بعبرة وتحمحم
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»

فلم يخرج الفرس عن التحمحم إلى الكلام، ثم قال:

لو كان يدرى ما المحاورة اشتكىولكان لو عرف الجواب مكلّمى

فوضع عنترة ما أراده فى موضعه، لا كما قال ابن هرمة:

نراه إذا ما أبصر الضيف كلبهيكلّمه من حبّه وهو أعجم

فإنه أقنى الكلب فى قوله: إنه يكلمه، ثم أعدمه إياه عند قوله: إنه أعجم من غير أن يزيد فى القول ما يدلّ على أنّ ما ذكره إنما أجراه على طريق الاستعارة.

أخبرنى يوسف بن يحيى بن على المنجم، عن أبيه قال: حدثنى أبو أيوب المدينى، قال: حدثنى أبو الحسن الباهلى، عن فليح بن سليمان، عن إسماعيل بن جعفر مولى خزاعة الفقيه، قال: حدثنى أبى، قال: مررت بابن هرمة جالسا على دكان فى بنى زريق، فقلت: ما أقعدك ها هنا يا أبا إسحاق؟ فقال: قلت:

فإنك واطّراحك وصل سعدىلأخرى فى مودّتها نكوب
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «عفا رسم القرية فالكثيب»

ثم قطع بى فلم أستطع أن أجوزه، فمرت بى وصيفة للحىّ قد ثقبت أذنيها وفيها خيوط عهن وقد فاحتا، فذرت عليهما آسا؛ فقلت: مالك، ويحك، يا فلانة؟ فقالت: ثقبت

أذنى لعرس بنى فلان فأصابنى ما ترى. فقلت: أفلك شنوف؟ قالت: لا ولكنى استعرته. قال: فقلت:

كثاقبة لحلى مستعاربأذنيها فشانهما الثقوب
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «عفا رسم القرية فالكثيب»
فأدّت حلى جارتها إليهاوقد بقيت بأذنيها ندوب

حدثنا أبو بكر بن دريد، قال: أخبرنا الأشناندانى، قال: أخبرنى رجل من قريش بمكة أحسبه من ولد عبد الرحمن بن عوف، قال: حدثنى حميد بن معروف الحمصى، عن أبيه، وأخبرنى أبو ذرّ القراطيسى، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن أبى الدنيا، عن محمد بن إسحاق المسيى، عن القاسم بن محمد القرشى، عن حميد بن معروف الحمصى، عن أبيه، قال: كنت فيمن حضر الحكم بن المطلب المخزومى وهو يجود بنفسه بمنبج- قال- ولقى من الموت شدة، فقال رجل ممن حضر- وهو فى غشية له: اللهم هوّن عليه، فإنه كان وكان- يثنى عليه؛ فلما أفاق قال: من المتكلم؟ فقال المتكلم: أنا قال: إن ملك الموت يقول لك: إنى بكل سخىّ رفيق. قال: فكأنما كانت فتيلة أطفئت. فلما بلغ موته ابن هرمة قال:

سألا عن الجود والمعروف أين همافقلت إنهما ماتا مع الحكم
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «سالا عن الجود والمعروف أين هما»
ماتا مع الرجل الموفى بذمتهيوم الحفاظ إذا لم يوف بالذمم
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «سالا عن الجود والمعروف أين هما»
ماذا بمنبج لو تنبش مقابرهامن التهدّم بالمعروف والكرم
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «سالا عن الجود والمعروف أين هما»

قال ابن دريد: فسألت أبا حاتم عن قوله: «لو تنبش»، لم جزم؟ فقال:

[قال] قوم من النحويين: كراهة لكثرة الحركات، كما قال الآخر:

إذا اعوججن قلت صاحب قوّمبالدّو أمثال السفين العوّم

قال: ولو قال: «نبشت مقابرها» استراح من «تنبش»، وكان كلاما فصيحا.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من [ثانيا] : الشعراء الإسلاميون

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.