من «الموشح» للمرزباني (ت ٣٨٤هـ)
٣٢- أيمن بن خريم بن فاتك الأسدى
قال قدامة بن جعفر: أفضل مديح الرجل ما قصد به الفضائل النفسية الخاصية لا بما هو عرضىّ فيه؛ وما أتى من المدح على خلاف ذلك كان معيبا.
ومن الأمثلة الجياد فى هذا الموضع ما قاله عبد الملك بن مروان لعبيد الله بن قيس
الرّقيّات- حيث عتب عليه فى مدحه إياه: إنك قلت فى مصعب بن الزبير:
إنما مصعب شهاب من اللهتجلّت عن نوره الظّلماء
وقلت فىّ:
يأتلق التاج فوق مفرقهعلى جبين كأنّه الذّهب
فوجه عيب عبد الملك إنما هو من أجل أن هذا المادح عدل به عن الفضائل النفسية التى هى العقل والعفة والعدل والشجاعة وما جانس ذلك، ودخل فى جملته إلى ما يليق بأوصاف الجسم فى البهاء والزينة، وذلك غلط وعيب.
ومنه قول أيمن بن خريم فى بشر بن مروان:
يابن الذّوائب والذّرى والأرؤسوالفرع من مضر العفرنى الأقعس
وابن الأكارم من قريش كلّهاوابن الخلائف وابن كلّ قلمّس
يقال: عزّ قلمّس إذا كان قديما.
من فرع آدم كابرا عن كابرحتّى انتهيت إلى أبيك العنبس
مروان، إنّ قناته خطّيّةغرست أرومتها أعزّ المغرس
وبنيت عند مقام ربّك قبةخضراء كلّل تاجها بالفسفس
فسماؤها ذهب وأسفل أرضهاورق تلألأ فى البهيم الحندس
فما فى هذه الأبيات شىء يتعلق بالمدح الخفى؛ وذلك أن كثيرا من الناس لا يكونون كآبائهم فى الفضل؛ ولم يذكر هذا الشاعر شيئا غير الآباء، ولم يصف الممدوح بفضيلة فى نفسه أصلا.
وذكر بعد ذلك بناءه قبّة، ثم وصف القبة أنها من الذهب والفضة؛ وهذا أيضا ليس من المدح؛ لأن بالمال والثروة مع الضعة والفهّة ما يمكن بناء القباب الحسنة وغيرها، واتخاذ كل آلة فائقة، ولكن ليس ذلك مدحا يعتدّ به، ولا نعتا جاريا على حقّه.
ومما نذكره فى هذا الموضع ليصحّ به شدة قبح هذا المدح قول أشجع بن عمرو بما يخالف اليسار:
يريد الملوك مدى جعفرولا يصنعون كما يصنع
وليس بأوسعهم فى الغنىولكنّ معروفه أوسع
فقد أحسن هذا الشاعر حيث لم يجعل الغنى واليسار فضيلة، بل جعلها غيرهما.
وقال أيمن أيضا فى بشر:
لو أعطاك بشر ألف ألفرأى حقّا عليه أن يزيدا
وأعقب مدحتى سرجا خلنجاوأبيض جوزجانيّا عقودا
فإنا قد وجدنا أمّ بشركأمّ الأسد مذكارا ولودا
فجميع هذا المدح على غير الصواب، وذلك أنه أومأ إلى المدح بالتناهى فى الجود أولا، ثم أفسده فى البيت الثانى بذكر السرج وغيره، ثم ذكر فى البيت الثالث ما هو إلى أن يكون ذمّا أقرب؛ وذلك أنه جعل أمّه ولودا والناس مجمعون على أنّ نتاج الحيوانات الكريمة يكون أعسر، ومنه قول الشاعر:
بغاث الطير أكثرها فراخاوأمّ الصقر مقلات نزور
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق وفهارسه. مصادر الموقع