تجاوز إلى المحتوى

من «الموشح» للمرزباني (ت ٣٨٤هـ)

٢- مروان بن أبى حفصة

حدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنى يموت بن المزرّع، قال:

حدثنا الرّياشى، قال: سألت الأصمعىّ عن مروان بن أبى حفصة، فقال لى: كان مولّدا، ولم يكن له علم باللغة.

وأخبرنى أبو القاسم يوسف بن يحيى بن علىّ المنجّم، عن أبيه، قال: أخبرنى ابن مهرويه، قال: حدثنى العباس بن ميمون طابع، قال: سمعت الأصمعى- وذكر مروان بن أبى حفصة، فقال: كان مولدا، ولم يكن له علم باللغة؛ حضرته فى حلقة يونس، وسأل يونس عن قول زهير:

فبتنا عراة عند رأس جوادنايزاولنا عن نفسه ونزاوله
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله»

قال: فقال مروان: من «العراواء » من البرد. قال: فقلت له: أخطأت، لو كانت من «العرواء» لقال: فبتنا معروين؛ إنما عنى أنهم باتوا مشمّرين كما يقال: تجرّد فلان للأمر.

قال محمد بن داود: قال يزيد المهلبى: ليست لأهل اليمامة فصاحة، ولا لأشعارهم سهولة. قال محمد: وكان مروان بن أبى حفصة ينقّح الشعر ويحكّكه، ولم يكن مطبوعا.

أخبرنى يوسف بن يحيى بن على المنجّم، عن أبيه، قال: حدثنى على بن مهدى، قال: حدثنى أبو حاتم السحستانى، قال: قلت للأصمعى: أبشّار أشعر أو مروان؟

قال: فقال: بشار أشعرهما. قلت: وكيف ذاك؟ قال: لأنّ مروان سلك طريقا كثر سلّاكه فلم يلحق بمن تقدمه، وإن بشارا سلك طريقا لم يسلكه أحد، فانفرد به وأحسن فيه؛ وهو أكثر فنون شعر، وأقوى على التصرف، وأغزر وأكثر بديعا، ومروان آخذ بمسالك الأوائل.

قال أبو حاتم: ولما قدم الأصمعى من بغداد دخلت إليه، فسألته عمّن بها من رواة الكوفة. قال: رواة غير منقّحين، أنشدونى أربعين قصيدة لأبى دواد الإيادى قالها خلف الأحمر، وهم قوم تعجبهم كثرة الرواية، إليها يرجعون، وبها يفتخرون. وقد ختموا الشعراء بمروان بن أبى حفصة، ولو ختموهم ببشار كان أخلق؛ وإنما مروان من أقران سلم الخاسر، وقد تزاحما بالشعر فى مجالس الخلفاء، وسوّى بينهما فى الصلة، وسلم معترف لبشار، ولقد كان بشار يقوّم شعر مروان.

قال أبو حاتم: وقال أبو زيد الأنصارى: مروان أجدّ وبشار أهزل. فحدثت الأصمعى بقول أبى زيد، فقال: بشار يصلح للجدّ والهزل، ومروان لا يصلح إلا لأحدهما.

حدثنى إبراهيم بن محمد العطار، عن الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنى أبو مالك الحنفى اليمامى أنّ شعر مروان بن أبى حفصة كان يأخذ أكثره من دعامة بن عبد الله بن المسيّب الطائى اليمامى؛ وأنشدنى له:

ياوجه من لا يرتجى نيلهولست بالآمن من ضيره
كأنه القرد إذا ما مشى،يعتله القرّاد فى سيره
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «يا وجه من لا يرتجى نيله»

قال: وأنشدنى لدعامة الطائى:

أضحت حكيمة قد براك هواكهاوبدت شجونك إذ رأيت شباكها
أهدت إليك مودة مكنونةفى الصدر يعرف يادعام رضاكها

أخبرنى يوسف بن يحيى بن على المنجم، عن أبيه، قال: حدثنى ابن مهرويه، قال: حدثنى على بن محمد بن سليمان النوفلى، قال: سمعت أبى يذكر، قال: كان رجل من باهلة اليمامة امتدح مروان بن محمد بشعر يقول فيه:

مروان يابن محمد أنت الذىزيدت به شرفا بنو مروان

فوقع مروان فى حروبه، فلم يخرج إليه الرجل حتى قتل مروان، ولقى مروان ابن أبى

حفصة هذا الباهلى فأنشده القصيدة، فقال له مروان بعنيها. واكتمها علىّ. ففعل، فاشتراها منه بثلاثمائة درهم، وقلب الاسم، فقال:

معن بن زائدة الذى زيدت بهشرفا على شرف بنو شيبان
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «هاجت هواك بواكر الأظعان»

وتممها، وجعلها مديحا لمعن.

وأخبرنى علىّ بن هارون، عن عمه يحيى بن على، عن أبيه على بن يحيى، عن إسحاق بن إبراهيم الموصلى، قال: قال مروان بن أبى حفصة: خرجت أريد معن بن زائدة فضمّنى الطريق وأعرابيا، فسألته: أين تريد؟ فقال: هذا الملك الشيبانى. قلت:

فما أهديت إليه؟ قال: بيتين. قلت: فقط! قال: إنى جمعت فيهما ما يسرّه.

فقلت: هاتيهما، فأنشدنى:

معن بن زائدة الذى زيدت بهشرفا على شرف بنو شيبان
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «هاجت هواك بواكر الأظعان»
إن عدّ أيام الفعال فإنمايوماه يوم ندى ويوم طعان
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «هاجت هواك بواكر الأظعان»

قال: ولى قصيدة حكتها بهذا الوزن. فقلت: تأتى رجلا قد كثرت غاشيته، وكثر الشعراء ببابه؛ فمتى تصل إليه؟ قال: فقل. قلت: تأخذ منى ما أمّلت بهذين البيتين، وتنصرف إلى رحلك. قال: فكم تبذل؟ قلت: خمسين درهما. قال: ما كنت فاعلا؛ ولا بالضعف! قال: فلم أزل أرفق به حتى بذلت له مائة وعشرين درهما. فأخذها وانصرف. فقلت: إنى أصدقك. قال: والصدق بك أحسن. قلت: إنى قد حكت قافية توازن هذا الشعر، وإنى أريد أن أضمّ هذين البيتين إليها. قال: سبحان الله! لقد خفت أمرا لا يبلغك أبدا.

فأتيت معن بن زائدة، وجعلت البيتين فى وسط الشعر، وأنشدته؛ فأصغى نحوى، فوالله ما هو إلا أن بلغت البيتين فسمعهما، فما تمالك أن خرّ عن فرشه حتّى لصق بالأرض، ثم قال: أعد البيتين. فأعدتهما، فنادى: يا غلام، ائتنى بكيس فيه ألف دينار! فما كان إلا لفظه وكيسه، فقال: صبّها على رأسه! ثم قال: هات عشرين ثوبا من خاصّ كسوتى، ودابّتى الكذا، وبغلى الكذا. قال: فانصرفت بحباء الأعرابى لا بحباء معن.

حدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنى أحمد بن أبى خيثمة، قال: أخبرنا مصعب بن عبد الله الزّبيرى، قال: اجتمع عند معن بن زائدة ابن أبى عاصية، وابن أبى حفصة، والضّمرى؛ فقال: لينشدنى كلّ رجل منكم أمدح بيت قاله فىّ. فأنشده ابن أبى حفصة:

مسحت ربيعة وجه معن سابقالمّا جرى وجرى ذوو الأحساب
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «مسحت ربيعة وجه معن سابقا»

فقال له معن: الجواد يعثر فيمسح وجهه من العثار والغبار وغيرهما. وأنشد الضّمرىّ:

أنت امرؤ همّك المعالىودون معروفك الربيع

قال: ما أحسن ما قلت! ولكن لم تسمّنى ولم تذكرنى؛ فمن شاء انتحله. فقال ابن أبى عاصية:

إن زال معن بنى شريك لم يزللندى إلى بلد بعير مسافر

ففضّله عليهم.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من [ثالثا-] الشعراء المحدثون

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.