من «الموشح» للمرزباني (ت ٣٨٤هـ)
٦- العباس بن الأحنف
حدثنى محمد بن يحيى الصولى، قال: حدثنا الحسين بن فهم، قال: حدثنا حماد بن إسحاق، قال: تذاكروا بحضرة الأصمعى شعر العباس بن الأحنف، فتسخّطه؛ وقال:
ما يؤتى من جودة المعنى، ولكنه سخيف اللفظ؛ ألا ترى قوله:
اليوم مثل الحول حتّى أرىوجهك والساعة كالشّهر
إنّ الذى أضمر عند الذىأظهر كالقطرة فى البحر
لو شقّ عن قلبى قرى وسطهذكرك والتّوحيد فى سطر
ثم قال:
يا من تمادى قلبه فى الهوىسال بك السيل وما تدرى
أبعد أن قد صرت أحدوثةفى الناس مثل الحسن البصرى
لعمرى إنّ الحسن البصرى مشهور، ولكن ليس هذا موضع ذكره.
أخبرنى إبراهيم بن محمد بن عرفة، عن محمد بن يزيد النحوى، قال: قد عابوا على العباس بن الأحنف إدخاله فى الغزل هذا البيت:
فإن تقتلونى لا تفوتوا بمهجتىمصاليت قومى من حنيفة أو عجل
كما عيب على الفرزدق قوله:
يا أخت ناجية بن سامة إنّنىأخشى عليك بنىّ إن طلبوا دمى
وقالوا. ما للمتغزل وذكر الأولاد والاحتجاج بطلب الثارات! هلا قال كما قال جرير:
قتلننا ثمّ لم يحيين قتلانا
وكما يروى عن ابن عباس رحمه الله تعالى - فإنه وإن كان فى باب الجد أشكل بمذهب الغزل- وهو قوله:
هذا قتيل الحبّ لا عقل ولا قود
ولقد ملّح المحاربى فى قوله:
لما رأت مقتلى قالت لجارتها:لقد قتلت قتيلا ما له خطر
قتلت شاعر هذا الحىّ من مضروالله يعلم ما ترضى بذا مضر
فهذا على حال أقرب.
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى أحمد بن إسماعيل، قال: حدثنا أحمد بن الحارث، عن المدائنى- أنه قال: العباس بن الأحنف فى الغزل مثل أبى العتاهية فى الزهد: يكثران الحزّ ولا يصيبان المفصل.
حدثنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن سنين، قال حدثنا محمد بن حبيب، قال: سمع ابن الأعرابى قول ابن الأحنف:
ولما رأت حرصى عليها تعجبتوحقّ على المعشوق أن يتعجبا
فقال: سبحان الله! إن خالق هذا وخالق رؤبة لواحد حين يقول:
وقاتم الأعماق خاوى المخترق
حدثنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن الفضل، قال: حدثنا عمر بن شبّة، قال: رآنى محمد بن بشار بن برد، وأنا أكتب شعر العبّاس بن الأحنف، وكنت أقرأ عليه شعر أبيه، فقال: والله لا أقرأتك شعر أبى، وأنت تكتب هذا! قلت: فإنى أتركه.
أخبرنى الصولى، قال: حدثنا أحمد بن يزيد المهلبى، قال: حدثنى أحمد بن حمدون، قال: أنشدت غصين بن برّاق الأسدى بيتى العباس بن الأحنف:
نزف البكاء دموع عينك فاستعرعينا لغيرك دمعها مدرار
من ذا يعيرك عينه تبكى بهاأرأيت عينا للبكاء تعار
فحلف أن البيت الأول لرجل عندهم، وأنه لا يعرف الثانى.
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: يروى أنّ العباس بن الأحنف دخل على الذّلفاء جارية ابن طرخان، فقال: أجيزى هذا البيت:
أهدى له أحبابه أترجّةفبكى وأشفق من عيافة زاجر
فقالت:
خاف التلّون إذ أتته لأنهالونان باطنها خلاف الظاهر
فقال: لئن ظهر هذا البيت لا دخلت لكم منزلا أبدا. ثم ضمّه إلى بيته.
أخبرنى الصولى، قال: حدثنا الحسين بن محمد بن فهم، قال: سمعت العطوى يقول: كان العباس بن الأحنف شاعرا مجيدا غزلا، وكان أبو الهذيل يبغضه ويلعنه لقوله:
إذا أردت سلّوا كان ناصركمقلبى، وما أنا من قلبى بمنتصر
فأكثروا وأقلّوا من إساءتكمفكل ذلك محمول على القدر
فكان أبو الهذيل يلعنه لهذا؛ ويقول: يعتقد الكذب والفجور فى شعره.
قال الصولى: فأنشدنى محمد بن العباس اليزيدى، قال: سمعت أحمد بن عبد الله يقول: ما يروى للعباس بن الأحنف هجاء إلا هذا، وكان يستضعفه:
يا من يكذب أخبار الرسول لقدأخطأت فى كل ما تأتى وما تذر
كذّبت بالقدر الجارى عليك، فقدأتاك منّى بما لا تشتهى القدر
قال الصولى: ولعل هذا فى أبى الهذيل.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق وفهارسه. مصادر الموقع