تجاوز إلى المحتوى

من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)

خَالِد بْن الْوَلِيد وَعبد الْمَسِيح بْن عَمْرو الغساني فِي فتح الْحيرَة

حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، قَالَ: حَدَّثَنَا العكلي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مَرْزُوق، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عوَانَة بْن الحكم، وشرقي بْن قطامي وَأبي مخنف قَالُوا: لمّا انْصَرف خَالِد بْن الْوَلِيد من الْيَمَامَة، وَضرب عسكره عَلَى الجَرْعة الَّتِي بَيْنَ الْحيرَة وَالنّهر وتحصَّن مِنْهُ أَهْلُ الْحيرَة فِي الْقصر الْأَبْيَض وَقصر ابْن بُقَيلة وَجعلُوا يرمونه بِالْحِجَارَةِ حَتَّى نَفِدَت، ثُمَّ رَمَوْهُ بالخزف من آنيتهم، فَقَالَ لَهُ ضرار بْن الأزْور: مَا لَهُمْ مكيدةٌ أعظمَ ممّا ترى، فَبعث إِلَيْهم: ابْعَثُوا إليَّ رَجُلا من عُقلائكم أسائله ويُخبرني عَنْكُم، فبعثوا لَهُ عَبْد الْمَسِيح بْن عَمْرو بْن قيس بْن حَيَّان بْن بُقيلة الغساني، وَهُوَ يَوْمئِذٍ ابْن خمسين وثلثمائة سنة، فَأقبل يمشي إِلَى خَالِد فَلَمّا رَآهُ قَالَ: مَا لَهُمْ أخزاهم اللَّه بعثوا إليَّ رَجُلا لَا يفقه، فَلَمّا دنا قَالَ: أنعم صباحًا أَيهَا الْملك، فَقَالَ خَالِد: قَدْ أكرمنا اللَّه ﷿ بِغَيْر هَذِهِ التَّحِيَّة، بِالسَّلَامِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ خَالِد: من أَيْنَ أقْصَى أثرك؟ قَالَ: من ظهر أَبِي. قَالَ: من أَيْنَ خرجت؟ قَالَ: من بطن أُمِّي. قَالَ: عَلَى مَا أَنْت: قَالَ: عَلَى الأَرْض. قَالَ: فيمَ أَنْت وَيحك؟ قَالَ: فِي ثِيَابِي. قَالَ: أتعقل؟ قَالَ: نعم وأقيد، قَالَ: ابْن كم أَنْت: قَالَ: ابْن رَجُل وَاحِد. قَالَ خَالِد: مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ قَطّ، أسائلهُ عَنْ شَيْءٍ وينحو فِي غَيره، قَالَ: مَا أَجَبْتُك إِلَّا عَمَّا سَأَلت عَنْهُ فاسأل عَمَّا بدا لَك، قَالَ: كم أَتَى عَلَيْك؟ قَالَ: خَمْسُونَ وثلثمائة سنة، قَالَ: أَخْبرنِي مَا أَنْتُمْ؟ قَالَ: عربٌ استنبطنا ونبطٌ استعربنا، قَالَ: فحربٌ أَنْتُم أم سِلْم؟ قَالَ: بل سِلْم. قَالَ: فَمَا بَال هَذِهِ الْحُصُون؟ قَالَ: بنيناها لنحبس السَّفِيه حَتَّى ينهاه الْحَلِيم، قَالَ: وَمَعَهُ سمٌّ سَاعَة يقلِّبه فِي يَده، فَقَالَ لَهُ: مَا هَذَا مَعَك؟ قَالَ: هَذَا السم، قَالَ: وَمَا تصنعٌ بِهِ؟ قَالَ: أتيتُك فَإِن رَأَيْت عنْدك مَا يسرني وَأهل بلدي حمدت اللَّه تَعَالَى، وَإِن كَانَت الْأُخْرَى لَمْ أكن أول من سَاق إِلَيْهِم ضيمًا وبَلاءً فآكلُه وأستريح، وَإِنَّمَا بَقِيَ من عُمريَ الْيَسِير، فَقَالَ: هاته فَوَضعه فِي يَد خَالِد، فَقَالَ: بِسم اللَّه وَبِاللَّهِ ربِّ الأَرْض وَرب السَّمَاء، الَّذِي لَا يضر مَعَ اسْمه دَاء، ثُمَّ أكله فتجلته غَشْية فضربَ بذقنه عَلَى صَدره ثُمَّ عرق وأفاق، فَرجع ابْن بقيلة إِلَى قومه، فَقَالَ: جئتُ من عِنْدَ شَيْطَان أكل سمَ سَاعَة

فَلم يَضُرَّه، أخرجوهم عَنْكُم، فصالحوهم عَلَى مائَة ألف، فَقَالَ لَهُ خَالِد: مَا أدْركْت؟ قَالَ: أدْركْت سفن الْبَحْر ترفأ غلينا فِي هَذَا الجرف، وَرَأَيْت الْمَرْأَة من أَهْلَ الْحيرَة تخرج إِلَى الشَّام فِي قرى متواترة مَا تُزَوَّدُ رغيفا، وَقد أَصبَحت خرابًا يبابا، كَذَلِك دأب اللَّه فِي الْعباد والبلاد، وَقَالَ عَبْد الْمَسِيح حِين رَجَعَ:

أبعد الْمُنْذِرِين أرى سوَامَاتَرَوَّحُ بالخورنق والسّدير
للشاعر عبد المسيح بن بقيلة الغساني، اقرأ القصيدة
تحاماها فوارسُ كلّ حَيٍّمَخافة ضَيْغم عالي الزئير
وَبعد فوارس النُّعْمَان أرعىرياضًا بَيْنَ ذرْوَة والحفير
للشاعر عبد المسيح بن بقيلة الغساني، اقرأ القصيدة
فصرنا بَعْدَ هُلك أبي قبيسكَمثل الشَّاء فِي الْيَوْم المطير
تَقَسّمها الْقَبَائِل من مَعَدٍّعَلَانيَة كأيسار الْجَزُور
وَكُنَّا لَا يُبَاح لَنَا حَرِيمٌفَنحْن كضرة الناب الفَخُور
كَذَاك الدَّهْر دولته سجالٌتَصَرَّفُ بالمَسَاءةِ والسُّرورِ

قَالَ القَاضِي: قَول عَبْد الْمَسِيح لخَالِد لما سَأَلَهُ مَا أَنْتُمْ؟ قَالَ: عربٌ استنبطنا ونبطٌ استعربنا، مَعْنَاهُ أَنَا عرب ونبط خالط بَعْضنَا بَعْضًا وجاوره، فَأخذ كلّ فريق منا من خلائق صَاحبه وَسيرَته.

حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن أبي الرّحال الصّالحيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بْن مُحَمَّد الدوري، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بِشْر، قَالَ: حَدَّثَنَا فُضَيْل الْخياط، عَنْ جَعْفَر بْن أبي جَعْفَر: أَنَّهُ كَانَ يتَعَوَّذ من النبطي إِذَا استعرب والعربي إِذَا استنبط، فَقيل لَهُ: كَيْفَ يستنبط الْعَرَبِيّ؟ قَالَ: يَأْخُذ بأخلاقهم ويتأدب بآدابهم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْمجْلس السَّابِع عَشْر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.