تجاوز إلى المحتوى

من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)

خبر الغضبان بْن القَبَعْثَري مَعَ الحَجَّاج

حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عُبَيْد بْن نَاصح، قَالَ: حُدِّثْت أنَّ الحَجَّاج بْن يُوسُف بعث الغضبان بْن القبعثري ليَأْتِيه بِخَبَر عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد بْن الْأَشْعَث وَهُوَ بكِرْمَان، وَبعث عَلَيْهِ عينا وَكَانَ كَذَلِك يفعل، فَلَمّا انْتهى الغضبان إِلَى عَبْد الرَّحْمَن قَالَ لَهُ: مَا وَرَاءَك؟ قَالَ: شَرّ، تَغَدَّ بالحجاج قَبْلَ أَن يتعشى بك، وَانْصَرف الغضبان فَنزل رَملَة كرمان وَهِي أرضٌ شَدِيدَة الرمضاء، فَبينا هُوَ كَذَلِك إِذْ ورد عَلَيْهِ أَعْرَابِي من بني بَكْر بْن وَائِل عَلَى فرس لَهُ يَقُود نَاقَة، فَقَالَ: السَّلَام عَلَيْك، قَالَ الغضبان: السَّلَام كثير وَهِي كلمة مقولة، قَالَ الأَعْرَابِي: مَا اسْمك؟ قَالَ: آخذ. قَالَ: أفتعطي؟ قَالَ: لَا أُحِبَّ أَن يكون لي اسمان، قَالَ: من أَيْنَ أَقبلت؟ قَالَ: من الذَّلُول، قَالَ: وَأَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: الْمَشْي فِي مناكبها، قَالَ: من عُرِض الْيَوْم؟ قَالَ: عرض المتقون. قَالَ: فَمن سَبَق؟ قَالَ الفائزون، قَالَ: فَمن غلب؟ قَالَ: حِزْبُ اللَّه، قَالَ: فَمن حِزْبُ اللَّه؟ قَالَ:

هُم الغالبون، قَالَ: فَعجب الأَعْرَابِي من مَنْطِقه، قَالَ: أما تَقْرض؟ قَالَ: إِنَّمَا تَقْرض الْفَأْرَة، قَالَ: أتسمع؟ قَالَ: إِنَّمَا تسمع الْقَيْنَة، قَالَ: أفتنشد؟ قَالَ: إِنَّمَا تنشد الضَّالة، قَالَ: أفتقول؟ قَالَ: إِنَّمَا يَقُولُ الْأَمِير، قَالَ: أفتتكلم؟ قَالَ: كلٌّ مُتَكَلم، قَالَ: أفتنطق؟ قَالَ: إِنَّمَا ينْطق كتاب اللَّه، قَالَ: أتسمع؟ قَالَ: حَدِّثنِي أسمع، قَالَ: أفتسجع؟ قَالَ: قَالَ إِنَّمَا تسجع الْحَمَامَة، قَالَ الأَعْرَابِي: تالله مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ قَطّ، قَالَ: بلَى وَلَكِنَّك نسيت، قَالَ الأَعْرَابِي: فَكيف أَقُول؟ قَالَ: لَا أَدْرِي وَالله، قَالَ الأَعْرَابِي: كَيْفَ ترى فرسي هَذِهِ؟ قَالَ الغضبان: هُوَ خَيّر من آخر شَرّ مِنْهُ وَآخر خَير مِنْهُ أفره مِنْهُ، قَالَ الأَعْرَابِي: إِنِّي قَدْ علمتُ ذَلِكَ، قَالَ: لَوْ علمت لَمْ تَسْأَلنِي، قَالَ، قَالَ الأَعْرَابِي: إِنَّكَ لمنكر، قَالَ الغضبان: إِنَّكَ لمعروف. قَالَ: لَيْسَ ذَاك أُرِيد، قَالَ: فَمَا تُرِيدُ؟ قَالَ: أردْت إِنَّك لعاقل قَالَ: أفتعقل بعيرك هَذَا؟ قَالَ الأَعْرَابِي: أفتأذن لي فَأدْخل عَلَيْكَ؟ قَالَ الغضبان: وراؤك أوسع لَك، قَالَ الأَعْرَابِي: قد أحرقتني الشَّمْس، قَالَ: السَّاعَة يفِيء عَلَيْك الْفَيْء، قَالَ الْأَعرَابِي: إِن الرمضاء قَدْ آذتني، قَالَ: بُلْ عَلَى قَدَمَيْك، قَالَ قَدْ أوجعني الْحر، قَالَ الغضبان: مَا لي عَلَيْهِ سُلْطَان، قَالَ الأَعْرَابِي: إِنِّي لَا أُرِيد طَعَامك وَلَا شرابك، قَالَ: لَا تعرِّض بهما فوَاللَّه لَا تذوقهما، قَالَ الأَعْرَابِي: سُبْحَانَ اللَّه، قَالَ: من قَبْلَ أَن تطلع رَأسك، قَالَ الأَعْرَابِي: أما عنْدك إِلَّا مَا أرى؟ قَالَ: بلَى، هِرَّاوتان أضْرب بهما رَأسك، فَقَالَ الأَعْرَابِي: اللَّه، قَالَ: ظَلَمك أحد؟ فَلَمَّا رأى الْأَعرَابِي ذك قَالَ: إِنِّي لأظنك مَجْنُونا، قَالَ الغضبان: اللَّهُمّ اجْعَلنِي مِمَّن يَرْغب إِلَيْكَ، قَالَ: إِنِّي لأظنك حروريا، قَالَ: اللَّهُمّ اجْعَلنِي مِمَّن يتَخَيَّر الْخَيْر، ثُمَّ قَالَ: لَهُ الغضبان: أَهَذا بعيرك يَا أَعْرَابِي؟ قَالَ: نَعَمْ: فَمَا شَأْنه؟ أرى فِيهِ دَاء فَلهُ أَنْت بَائِعه ومشتر مَا هُوَ شَرّ مِنْهُ، فولى الأَعْرَابِي وَهُوَ يَقُولُ: وَالله إِنَّكَ لمرح أَحمَق. فَلَمّا قَدِمَ الغضبان عَلَى الحَجَّاج قَالَ: كَيْفَ تركت أَرض كرمان؟ قَالَ: أصلح اللَّه الْأَمِير، أَرض مَاؤُهَا وشل، وَثَمَرهَا دقل ولصها بَطل، فالجيش فِيهَا ضِعَاف، إِن كَثُرُوا فِيهَا جَاعُوا، وَإِن قلوا بهَا ضَاعُوا، فَقَالَ الحَجَّاج لَهُ: أما إِنَّكَ صَاحب الْكَلِمَة الَّتِي بلغتني عَنْكَ حِين قلت تغد بالحجاج قَبْلَ أَن يتعشى بك؟ قَالَ الغضبان: أما إِنَّهَا - جعلني اللَّه فداءك - لَمْ تَنْفَع من قيلت لَهُ، وَلَا تضر من قيلت فِيهِ، فَأمر الحَجَّاج بِهِ إِلَى السجْن، فَلَمّا ذهب مكث فِيهِ حَتَّى إِذَا بنى الحَجَّاج خضراء وَاسِط أَعْجَبته كَمَا لَمْ يُعجبهُ بِنَاء قَطّ فَقَالَ لمن حوله: كَيْفَ ترَوْنَ قبتي هَذِه؟ قَالُوا: أصلح اللَّه الْأَمِير، مَا بنى ملك قَطّ مثلهَا، وَمَا نعلم للْعَرَب مأثرة أفضل مِنْهَا، قَالَ الْحجَّاج: أما إِن لَهَا عَيْبا، سأبعث إِلَى من يُخْبِرنِي بِهِ فَبعث إِلَى الغضبان فَأقبل يرسف فِي قَيده، فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ سلم، فَقَالَ الْحجَّاج: كَيفَ ترى قبتي هَذِه؟ قَالَ: أصلح الله الْأَمِير هَذِه قبَّة بنيت فِي غَيْر بلدك لغير ولدك، لَا يسكنهَا وارثك وَلَا يَدُوم لَك بَقَاؤُهَا كَمَا لم يئيم هَالك وَلم يبْق فان، وأمّا هِيَ فَكَأَن لَمْ تكن، قَالَ: صدقت، ردُّوه إِلَى السجْن فَإِنَّهُ صَاحب الْكَلِمَة الَّتِي

بلغتني عَنْهُ، قَالَ: أصلح اللَّه الْأَمِير، مَا ضرت من قيلت فِيهِ وَلَا نَفَعت من قيلت لَهُ، قَالَ: أتراك تنجو مني لأقطعن يَديك ورجليك ولأكوين عَيْنَيْك، قَالَ: مَا يخَاف وعيدك البريء وَلَا يَنْقَطِع مِنْك رَجَاء الْمُسِيء، قَالَ: لأَقْتُلَنك إِن شَاءَ اللَّه، قَالَ: بِغَيْر نفس، وَالْعَفو أقرب للتقوى، قَالَ لَه الحَجَّاج: إِنَّكَ لسمين، قَالَ: لمَكَان الْقَيْد والرتعة وَمن يكن جَار الْأَمِير يسمن. قَالَ الحَجَّاج رُدُّوه إِلَى السجْن، قَالَ: أصلح اللَّه الْأَمِير

قَدْ أثقلني الْحَدِيد فَمَا أُطِيق الْمَشْي، قَالَ: احملوه لعنهُ اللَّه، فَلَمّا حَملته الرِّجَال عَلَى عواتقها قَالَ: " سُبْحَانَ الَّذِي يخر لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقرنين "، قَالَ: أنزلوه أَخْزَاهُ اللَّه، قَالَ " اللَّهُمَّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ المنزلين "، قَالَ: جَرُّوه أَخْزَاهُ اللَّه، قَالَ: " بِسم الله مجريها وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ "، قَالَ: وَيحكم، اتركوه فقد غلبني بخبثه. أثقلني الْحَدِيد فَمَا أُطِيق الْمَشْي، قَالَ: احملوه لعنهُ اللَّه، فَلَمّا حَملته الرِّجَال عَلَى عواتقها قَالَ: " سُبْحَانَ الَّذِي يخر لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقرنين "، قَالَ: أنزلوه أَخْزَاهُ اللَّه، قَالَ " اللَّهُمَّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ المنزلين "، قَالَ: جَرُّوه أَخْزَاهُ اللَّه، قَالَ: " بِسم الله مجريها وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ "، قَالَ: وَيحكم، اتركوه فقد غلبني بخُبثه.

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْمجْلس السَّابِع عَشْر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.