من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
النّاس سَوَاء كأسنان الْمشْط
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُفَضَّلِ بْنِ حَيَّانَ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو حَمْزَةَ إِدْرِيسُ بْنُ يُونُسَ الْفَرَّاءُ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ بْنِ سَاجٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: " النَّاسُ سَوَاءٌ كَأَسْنَانِ الْمُشْطِ، وَإِنَّمَا يَتَفَاضَلُونَ بِالْعَافِيَةِ، وَالْمَرْءُ كثيرٌ بِأَخِيهِ، وَلا خَيْرَ لَكَ فِي صُحْبَةِ مَنْ لَا يَرَى لَكَ مِثْلَ مَا تَرَى لَهُ ".
قَالَ القَاضِي: وَقَدْ تضمَّن هَذَا الْخَبَر بألفاظه اللطيفة الجامعة، ومعانية الشَّرِيفَة النافعة، حِكَمًا متقبَّلةً فِي الْعقل، ثَابِتَة فِي الْفَضْل، راجحةً فِي ميزَان الْعدْل.
وَقَوله ﵇: " الناسُ سواءٌ كأسْنان الْمُشْط " من أَبْيَنِ الْكَلَام النَّبيه، وَأحسن التَّمْثِيل والتشبيه، وَقَدْ قَالَ الشَّاعِر:
سواسيةٌ كأسْنان الْحِمَار
فنحا هَذَا النحوَ فِي الْعبارَة من التَّساوي والتشاكُل، والاشتباه والتماثُل.
فأمّا قَول هَذَا الشَّاعِر: سواسية.. فَإِن بعض عُلَمَاء أَهْل اللُّغة ذكر أَن السَّواسية هُمُ المتساوون فِي الشَّبَه، وَأَن هَذَا القَوْل إِنَّمَا يُستعمل فِي الذَّم، وقولُ النَّبِيّ ﷺ: " النَّاسُ سواءٌ كَأَسْنَانِ الْمشْط، وَإِنَّمَا يتفاضلون بالعافية "، تَأْدِيب لَهُم وحَضٌّ لَهُم عَلَى تفكُّرِهِم فِي أنفسهم، وَأَنَّهُمْ يتساوون فِي الأَصْل، ويتفقون فِي الخَلْقَ والْجِبِلّ، ويتفاوتون فِي منَازِل
الْفَضْل، ليرجعوا إِلَى الْمعرفَة بِأَنْفسِهِم، ويتنزهوا عَنِ المنافسة الَّتِي تُفْسِدُ ذاتَ بَيْنهم، ويجتنبوا البَغْيَ والتفاخُرَ، والاستطالة بالتكاثر، وليشكُرِ الْمُفَضَّل مِنْهُم ربه ﷿، إِذْ أَبَانَهُ بِالْفَضْلِ عَلَى من سواهُ، وخصّه بنعمته دون كثير مِمَّنْ عداهُ، وَيُؤَدِّي حق مَوْلَاهُ فِيمَا أولاه وأبلاه، فَإِن النّاس عَلَى مَا جَاءَ فِي الْأَثر مُعَافى ومُبْتلى، وَقَدْ أحسن الَّذِي يَقُولُ:
الناسُ أشكالٌ وشَتَّى فِي الشِّيَمْوكُلُّهُمْ يجمَعُهُ بيتُ الأَدَمْ
وَقَوله ﵇: " المَرْءُ كثيرٌ بأَخيه " من بليغ الْكَلَام ونفيس الْحِكَم، لِأَن الْمَرْء يشد أَخَاهُ ويؤازره، ويُعَضِّدُه ويناصره، وَقَدْ أَتَى الْخَبَر فِي الأُمَّةِ الهادية أَنَّهَا كالْبُنْيان يَشُدُّ بعضُه بَعْضًا.
وَجَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ ذَكَرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَنَاصُرِهِمْ وَتَوَاصُلِهِمْ، أَنَّهُمْ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا اشْتَكَى عَضْوٌ مِنْ أَعْضَائِهِ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى.
وَقَدْ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ بُرْدَةَ، حَدثنَا أَبُو شهَاب، عَن الْحسن، وَعَمْرو، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " الْمُسْلِمُونَ كرجلٍ وَاحِدٍ، إِذَا اشْتَكَى عضوٌ مِنْ أَعْضَائِهِ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ ".
وَفِي استقصاء مَا جَاءَ فِي التعاطف والتواصل، والمصافاة والتباذل، من الرِّوَايَات والْآثَار، والحكايات وَالْأَخْبَار، وتُنُوشد من منظوم الأَشْعَار، طولٌ لَيْسَ هَذَا من مَوْضِعه، واشتهارهُ عِنْد الْعَامَّة والخاصة، يُغني عَنِ الإسهاب فِيهِ، والإطناب فِي ذكره، وإحضار جُمَيْع مَا قِيلَ فِيهِ، وَمَا خَالفه، وَإِنِّي لأستحسنُ مَا أنشدتُه عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْمُعْتَزّ وَهُوَ:
للَّهِ أخوانٌ صَحِبْتُهُمُلَا يملِكُونَ لسلوةٍ قَلْبَا
لَوْلَا تستطيعُ نفوسُهُمْ بَعُدتْأجْسامُهُمْ فتعانقتْ حُبَّا
وَقَوله فِي الْخَبَر: " وَلا خَيْرَ لَكَ فِي صُحْبَةِ مَنْ لَا يَرَى لَكَ مِثْلَ مَا ترى لَهُ ". من أفْصح لفظٍ، وأوضحِ معنى.
وتأويله عِنْدِي: أَنَّهُ لَا خير لامرىء فِي صُحْبَةِ مَنْ لَا يَرَى لِأَخِيهِ من المناصحة والمكافأة والمخالصة، وَأخذ نَفسه لَهُ بالإنصاف والمساعدة، والإسعاف والمرافدة، مثل الَّذِي يرَاهُ لَهُ أَخُوهُ من ذَلِكَ، وَمن كَانَ لِأَخِيهِ الصَّادِقِ فِي مؤاخاته بِهَذِهِ الْمنزلَة فَهُوَ بالعدو أشبه مِنْهُ بالولي.
وَقَد اخْتلف ذَوُو الْفُحْص والتفتيش من أَصْحَاب الْمعَانِي، فِي قَول الشَّاعِر:
وَإِنِّي لأستحيي أَخِي أَن أرَى لَهُعَلَيَّ مِنَ الحَقّ الَّذِي لَا يرَى ليَا
فَقَالَ بَعضهم: مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يرى أَن لي عَلَيْه حَقًا حسب مَا أرى لَهُ من وجوب حَقه عَلَى، ووجَّهُوه إِلَى نَحْو مَا تأوَّلنَاه.
وقَالَ بعض الْمُحَقِّقين من هَذِهِ الطَّائِفَة والمتحققين بتحصيل مَعَانِيهَا:
بل الْمَعْنى إِنِّي أستحيي أَخِي أَن أرى لَهُ عِنْدِي مِنْ فضلٍ سابقٍ مِنْهُ، مَالا يرى لي عِنْده من فضل، فَيكون قَدْ ثَبَّت عِنْدِي حقَّا لَمْ أُثَبِّتْ لنَفْسي عِنْده من الْحق مثلَه.
وَهَذَا أصح التَّأْويلَيْنِ، وأصوب المعنين، وَقَوله: وَإِنِّي لأستحيي أَخِي أَن أرى لَهُ ...، يشهدُ بِصِحَّة هَذَا التَّأْوِيل، لِأَن قَائِلا لَو قَالَ لآخر: إِنِّي لأستحييك أَن آتِي من حسن عشرتك مَا لَا يَأْتِي مثله فِي معاشرتي، لَكَانَ من الْكَلَام الركيك الَّذِي يستهجن وَلا يُسْتَحسن، وَلَو قَالَ لَهُ: إِنِّي لأستحييك أَن تعاشرني من النُّبْل مَا لَا أعاشرك بِمِثْلِهِ، لَكَانَ من أبين الْكَلَام وأفْصَحِه، وَأحسن معنى وأوضحه.
فأمّا قَول النَّبيّ ﷺ: فِي الْخَبَر: " وَلا خيرَ لَكَ فِي صُحْبَةِ مَنْ لَا يرى لَك مِثْلَ مَا ترَاهُ لَهُ "، فَهُوَ جارٍ علىعكس هَذِهِ الطَّرِيقَة بِحَسب مَا بَيناهُ، وَإِنَّمَا يَصحُّ حملُه عَلَى النَّحْو الَّذِي حملنَا عَلَيْه تَفْسِير الْبَيْت، لَو كَانَ قِيلَ فِيهِ: وَلا خير لمن صُحبته فِي صحبتك إِذا لَمْ تَرَ لَهُ من الْحق مثل الَّذِي يرى لَك، عَلَى مَا تقدم من تلخيصنا.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع