من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
معنى أوطأنا عقبك
قَالَ القَاضِي: قَول زِيَاد: وأوطأنا عقبك، يُرِيد أَن نشرفك وننوه بك ونرفع من قدرك، فيكثر أتباعك، ويطأ الرِّجَال عقبك، باتبَاعهمْ إياك، وازدحامهم فِي موكبك، وَالْعرب تَقُولُ للرجل إِذا وَصفته بالسؤدد: فلَان موطأ الأعقاب، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
يَا سيِّدًا مَا أَنْتَ مِنْ سيدٍمُوَطَّأَ الأَعْقَابِ رَحَب الذِّرَاعِ
قَوَّالَ معروفٍ وَفَعَّالَهُوَهَّابَ أُمَّاتِ الفصال الرِّبَاع
قَالَ هَذَا فِي الشّعْر: موطأ الأعقاب، وَإِنَّمَا للْإنْسَان عقبان عَلَى أحد وَجْهَيْن، إِمَّا أَن يَكُون رَأْي الْإِثْنَيْنِ جمعا. كَمَا قَالَ اللَّه ﷻ: " وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ، إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ، قَالُوا: لَا تَخَفْ، خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بعض " إِلَى قَوْله: إِنَّ هَذَا أَخِي ...، وَإِمَّا يَكُون جمع العقبين بِمَا حولهما كَمَا قَالَ الْأَعْشَى:
وَالزَّعْفَرَانُ عَلَى تَرَائِبِهَاشُرُفَاتُهُ اللَّبَّاتُ وَالنَّحْرُ
فَجَمَعَ اللَّبَّة بِمَا حَوْلَهَا.
وقَالَ: أمات فِي جمع أم، وَهَذَا مَعْرُوف فِي كَلَام الْعَرَب، وَقَدْ زعم بَعضهم أَن أمات تسْتَعْمل فِي الْبَهَائِم وَأُمَّهَات تسْتَعْمل فِي الأناسي، وَالْجُمْهُور عَلَى تَجْوِيز ذَلِكَ فِي الْجَمِيع، وَقَدْ قَالَ الشَّاعِر:
إِذَا الأُمَّهَاتُ قَبَحْنَ الْوُجُوهفَرَجْتَ الظَّلامَ بِأُمَّاتِكَا
وَفِي مَوَاضِع من هَذَا الْبَاب خلاف بَيْنَ الْكُوفِيّين والبصريين لَيْسَ هَذَا مَوضِع ذكره، واللغة الْمَشْهُورَة أُمَّهَات، وَفِي الْوَاحِدَة هَاء مقدرَة، وَرُبمَا أظهرت، كَمَا قَالَ الراجز:
أُمَّهَتِي خِنْدِفُ وَالْيَاسُ أَبِي
واللغة الْعَالِيَة المستفيضة السائرة الَّتِي جَاءَ بهَا الْقُرْآن الْكَرِيم فِي مَوَاضِع كَثِيرَة: أم وَأُمَّهَات، قَالَ اللَّه تَعَالَى: " وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأمه آيَة "، وقَالَ تَعَالَى: " حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ".
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع