من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
الْوَلِيد يتوله بِجَارِيَة نَصْرَانِيَّة
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِم، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْعُتْبِي، قَالَ: كَانَ الْوَلِيد بْن يَزِيد نظر إِلَى جَارِيَة نَصْرَانِيَّة من أهيأ النّاس يُقَالُ لَهَا سفرى، فجُنَّ بهَا وَجَعَل يراسلها وتأبى عَلَيْه، حَتَّى بلغه أَن عيدًا لِلنَّصَارَى قَدْ قرب، وَأَنَّهَا ستخرج فِيهِ وَكَانَ مَوضِع الْعِيد بستانٌ حَسَن، وَكَانَ النساءُ يَدْخُلْنه، فصانع الْوَلِيد صاحبَ الْبُسْتَان أَن يُدخله فَينْظر إِلَيْهَا فَتَابَعَهُ، وَحضر الْوَلِيد وَقَدْ تقشَّف وَغير حِلْيَته، ودخلتْ سَفْرى الْبُسْتَان فَجعلت تمشي حَتَّى انْتَهَت إِلَيْهِ، فَقَالَت لصَاحب الْبُسْتَان: من هَذَا؟ قَالَ لَهَا: رجلٌ مصابٌ، فَجعلت تمازحه وتضاحكه حَتَّى اشتفى من النّظر إِلَيْهَا وَمن حَدِيثهَا، فَقِيل لَهَا: وَيلك! تدرين من ذَلِكَ الرَّجُل؟ قَالَتْ: لَا، فَقِيل لَهَا: الْوَلِيد بْن يَزِيد فَإِنَّمَا تقشف حَتَّى ينظر إِلَيْك، فجُنَّتْ بِهِ بعد ذَلِكَ، وَكَانَت عَلَيْه أحرص مِنْهُ عَلَيْهَا، فَقَالَ الْوَلِيد فِي ذَلِكَ:
أَضْحَى فُؤَادُكَ يَا وليدُ عَمِيدَاصَبًّا قَدِيما للحسانِ صَيُودا
من حُبِّ واضحةِ العَوَارِضِ طفلةٍبرزت لنا نَحْو الْكَنِيسَة عيدا
مَا زلت أرمُقها بعينْي وامِقحَتَّى بَصُرْتُ بهَا تقبِّلُ عُودا
عودَ الصَّلِيب فَوَيْح نفسِي من رَأَىمِنْكُم صَلِيبًا مِثله مَعْبُودا
فسألتُ رَبِّي أَن أكونَ مكانَهُوأكون فِي لَهب الْجَحِيم وقودا
قَالَ القَاضِي: لَمْ يَبْلُغْ مُدْرِكُ الشَّيْبَانِيّ هَذَا الْحَد من الخلاعة فِيمَا قَالَ فِي عَمْرو النَّصْرانُّي:
يَا لَيْتَني كنتُ لَهُ صَلِيبَاوكنتُ مِنْهُ أبَدًا قَرِيبا
أَبْصِرُ حُسْنًا وأشُمُّ طيبالَا واشِيًا أخْشَى وَلا رَقِيبا
فَلَمَّا ظهر أمره وَعلمه النّاس، قَالَ:
أَلا حَبَّذَا سَفْرِي وَإِن قِيلَ إِنَّنِيكَلِفْتُ بنصرانيةٍ تَشْرَبُ الخمرا
يهونُ عَلَينَا أَن نَظَلَّ نهَارَناإِلَى اللَّيْل لَا أُولَى نُصَلِّي وَلا عَصْرا
وللوليد فِي هَذَا النَّحْو من الخلاعة والمجون وسخافة الدّين مَا يطول ذكره، وَقَدْ ناقضناه فِي أَشْيَاء من منظوم شعره والمتضمن رَكِيك ضلاله وكفره، وَمَا لَعَلَّنَا نُورده فِيمَا نستقبله من مجَالِس فِي كتَابنَا هَذَا.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع