من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
كَيفَ خلصه اللَّه من الْغُلَام
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمد بن أبي الثلجن قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن فهم، قَالَ: حَدثنَا عمر بن شية، عَنْ فُلان من أَهْل الْبَصْرَة، قَالَ: مَرَرْت بالنخاسين بِبَغْدَاد فَإِذا أَنَا بِرَجُل يُنَادي عَلَى غُلام نظيف لَهُ هَيْئَة وجمال، وَهُوَ يَقُولُ: من يَشْتَرِي غُلَاما سَارِقا آبقًا قَتُولا لمواليه؟ فعد خِلالَ سُوء، قَالَ: فَقلت: يَا غُلام! مَا هَذِهِ الصفاتُ بك؟ قَالَ: فَقَالَ لي: امضِ إِلَى عَمَلك إِن أردْت أَن تَمْضي، فَإِنّ مولَايَ يريدُ أَن يستعيبَني بِهَذَا، قَالَ: فَرَغَّبني هَذَا الكلامُ فِيهِ، فقلتُ للمنادِي: بِعْنِيهِ، فَقَالَ: مَعَ كُلّ مَا وصفتُ من الْخلال المذمومة فِيهِ؟ قَالَ: فَقلت: ارْمِ بِثمن هَذَا فِي الْبَحْر.
فاشتريته بسبعة عشر دِينَارا وصرت بِهِ إِلَى منزلي، فَمَكثَ شهورًا لَا أرى إِلا كُلّ خلة
ٍ جميلَة، حَيْطَة وشفقة ونُصْحًا حَتَّى أمِنْتُه وسلَّمتُ إِلَيْهِ، فَقبض عَلَى كيسٍ لي فِيهِ جملةٌ ثُمّ هرب، فَلم أعرف لَهُ خَبَرًا، وَلَم يَكُنْ لي عَلَى بَيْعه حجةٌ لما بيَّن من خِلاله.
قَالَ: فَقلت: مَا أرى كُلّ مَا قِيلَ فِيهِ إِلا حقًّا، وحمدت اللَّه ﷿ إِذْ كَانَت النَّازِلَة بِمَالي وَلَم تكن بِي. قَالَ: ثُمّ اتَّصل بِي الْخَبَر أَنَّهُ بِالْكُوفَةِ قَد انْقَطع إِلَى صَيْرفيٍّ، قَالَ: فخرجتُ خَلفه فَأرَاهُ قَاعِدا فِي الصيارف فِي دُكَّان رَجُل نبيلٍ مِنْهُم، قَالَ: فقبضتُ عَلَيْه وَقلت: يَا عَدو اللَّه يَا آبق! قَالَ: فَقَالَ الصَّيْرفيّ: أهوَ مَمْلُوك؟ قَالَ: فَقلت: نعم، وَهُوَ عَبدِي، قَالَ: فَقَالَ الْغُلَام: نعم، هُوَ مولَايَ وَأَنا مَمْلوكه، فراعني تَمَاوُتُه، قَالَ: وخفتُ أَن ينالَني مَا قَالَ الْمُنَادِي، قَالَ: فجئتُ بِهِ إِلَى حدادٍ فَقلت لَهُ: ضَعْ بيَدي وَيَده مَصَكَّةً وَثِيقَة، قَالَ: وَقلت: واللَّه لَا نزال هَكَذَا إِلَى بَغْدَاد، وَخرجت من الْكُوفَة أَمْشِي وَيَمْشي لَا يتهيأ لنا الرّكُوب من أجل المصكة، حَتَّى وافينا برقيا، قَالَ: فنمنا فِي الخان عَلَى تَعَب، قَالَ: فَمَا شَعرت إِلا بوثبة الْأسد فَوق الْغُلَام، قَالَ: فَأَخذه يجره ويجرني مَعَه بالمصكةِ قَالَ: فذكرْتُ سكينًا فِي خُفِّي صَغِيرَة، فأخرجتها فحززت يَده فَبَقيت فِي المصكة، وَمضى بِهِ الْأسد، ثُمّ نزعت المصكة ودفنتُ يَده
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع