تجاوز إلى المحتوى

من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)

تَفْسِير مَا تقدم

قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: قَوْله: بلغ السَّيْل الزبى فَإِنَّهَا زبى الْأسد الَّتِي تحفر لَهُ، وَإِنَّمَا جعلت مثلا فِي بُلُوغ السَّيْل إِلَيْهَا لِأَنَّهَا إِنَّمَا تجْعَل فِي الروابي من الأَرْض، وَلَا تكون فِي المنحدر، وَلَيْسَ يبلغهَا إِلَّا سيل عَظِيم.

قَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج ﵀: وَقَوله: وَجَاوَزَ الحزام الطبيين يَعْنِي قد اضْطربَ من شدَّة السّير حَتَّى خلف الطبيين من اضطرابه، يضْرب هَذَا الْمثل لِلْأَمْرِ الفظيع الفادح الْجَلِيل: وَأما قَوْله:

فَإِن كنت مَأْكُولا فَكُنْ خَيْرَ آكلٍوَإِلا فأدركني وَلما أمزق
للشاعر الممزق العبدي، من قصيدة «أرقت فلم تخدع بعيني وسنة»

فَإِن هَذَا بَيت تمثل بِهِ لشاعر من عبد الْقَيْس جاهلي يُقَال لَهُ الممزق، وَإِنَّمَا سمي ممزقًا لبيته هَذَا، وَقَالَ الْفراء الممزق.

قَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج: وَمن الزبية الَّتِي هِيَ مصيدة الْأسد قَول الطرماح بن حَكِيم:

يَا طَيء السهل والأجبال مَوْعدكُمْكبمتغي الصَّيْد أَعلَى زبية الْأسد

وَقَالَ الراجز:

قد كنت فِي الْأَمر الَّذِي قد كيداكاللذ تزبى زبية فاصطيدا

اللذ: لُغَة فِي الَّذِي. وَمن الْعَرَب من يَقُول اللذ بِكَسْر الذَّال من غير إِثْبَات يَاء كَمَا قَالَ الشَّاعِر:

واللذ لَو يكنى لكَانَتْ براأوجبلاً أَشمّ مشمخرا

وَيُقَال من هَذِه اللُّغَة يَعْنِي الذ مسكنة الذَّال، فِي الْمُؤَنَّث اللت، قَالَ الشَّاعِر:

فَقل للت تلومك إِن نَفسِيأَرَاهَا لَا تعلل بالنمير

والزبية على مَا بَينا لَا تتَّخذ إِلَّا فِي قلَّة رابيةٍ أَو رَأس قلعةٍ أَو هضبة، قَالَ العجاج: وَقد علا السَّيْل الزبى فَلَا غير أَي جلّ الْأَمر عَن التلافي والإصلاح للتغيير، وَقيل إِن الْغَيْر هَاهُنَا الدِّيات، وَالْمعْنَى لِكَثْرَة الْقَتْل. وَمن الْغَيْر بِمَعْنى الدِّيات قَول هدبة بن الخشرم:

لنجد عَن أنوفاً من أنوفكمبني أُميَّة أنْ لَا تقبلُوا الغيرا

وَالْعرب تَقول فِي شدَّة الْأَمر تفاقمه واستشراء الشَّرّ وتعاظمه: قد علا المَاء الزبى، وانقد فِي الْبَطن السلى، وبرح الخفا، وحلت الحبا، وَبلغ السكين الْعَظِيم، والتقت حلقتان البطان، وَهُوَ مضارع لقَولهم: بلغ الحزام الطبيين، قَالَ أَوْس بْن حجر:

وازدحمت حلقتا البطان بأق؟وام وطارت نُفُوسهم جزعًا
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «أيتها النفس أجملي جزعا»

وَمن أفْصح مَا أَتَى فِي هَذَا الْمَعْنى مَا جَاءَ الْقُرْآن بِهِ وَذَلِكَ قَوْله ﷿: " وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ " الْقِيَامَة: وَقَالَ الشَّاعِر:

وَقَامَت الْحَرْب بِنَا على سَاق

والطبيان تَثْنِيَة طبي وَجمعه أطباء، وَيَقُولُونَ: الْتَقت حلقتا البطان والحقب، وَمِنْه:

اشْدُد بمثنى حقبٍ حقواها

وَيُقَال حقب الْبَعِير إِذا صَار الحزام فِي الحقب، قَالَ الشَّاعِر:

إِذا مَا حقب جالشددناه بتصدير

والأطباء مَوضِع الثدي من السبَاع، وَيُقَال لذَلِك الْموضع من ذَوَات الْخُف والظلف أخلاف وَالْوَاحد خلف، قَالَ ابْن عبدل:

وأحلب الثرة الصفي وَلَاأجهد أخلاف غَيرهَا حَلبًا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «إني امرؤ لم أزل وذاك من الله»

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْمجْلس الْحَادِي وَالسِّتُّونَ

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.