تجاوز إلى المحتوى

من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)

وَصِيَّة عبد الْملك لأبنائه

حَدثنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِم عَنِ الْعُتْبِي قَالَ: لما حضرت عبد الْملك بْن مَرْوَان الْوَفَاة جمع وَلَده وَفِيهِمْ مسلمة وَكَانَ سيدهم فَقَالَ: أوصيكم بتقوى الله تَعَالَى فَإِنَّهَا عصمَة بَاقِيَة وجنة واقية، وَهِي أحصن كهفٍ وأزين حلية، وليعطف الْكَبِير مِنْكُم على الصَّغِير، وليعرف الصَّغِير مِنْكُم حق الْكَبِير، مَعَ سَلامَة الصُّدُور، وَالْأَخْذ بجميل الْأُمُور، وَإِيَّاكُم الْفرْقَة وَالْخلاف فبهما هلك الْأَولونَ، وذل ذَوُو الْعِزَّة المعظمون. انْظُرُوا مسلمة فاصدروا عَن رَأْيه فَإِنَّهُ نابكم الَّذِي عَنْهُ تفترون ومجنكم الَّذِي بِهِ تستجنون، وأكرموا الْحجَّاج فَإِنَّهُ وطأ لكم المنابر وَأثبت لكم الْملك، وَكُونُوا بني أم بَرزَة وَإِلَّا دبت بَيْنكُم العقارب، كونُوا فِي الْحَرْب أحرارًا وللمعروف منارًا، واحلولوا فِي مرارةٍ، ولينوا فِي شدَّة، وضعُوا الذَّخَائِر عِنْد ذَوي الْحساب والألباب، فَإِنَّهُ أصون لأحسابهم وأشكر لما يسدى إِلَيْهِم. ثُمَّ أقبل على ابْنه الْوَلِيد فَقَالَ: لَا ألفينك إِذا مت تجْلِس تعصر عَيْنَيْك وتحن حنين الْأمة، وَلَكِن شمر وائتزر والبس جلدَة نمر ودلني فِي حفرتي وخلني وشأني وَعَلَيْك وشأنك، ثُمَّ ادْع النَّاس إِلَى الْبيعَة فَمن قَالَ هَكَذَا فَقل بِالسَّيْفِ هَكَذَا. ثُمَّ أرسل إِلَى عَبد اللَّه ابْن يزِيد بْن مُعَاوِيَة وخَالِد بْن أسيد فَقَالَ: هَل تدريان لم بعثت إلَيْكُمَا؟ قَالَا: نعم لترينا أثر عَافِيَة الله تَعَالَى إياك، قَالَ: لَا، وَلَكِن قد حضر من الْأَمر مَا تريان، فَهَل فِي أنفسكما من بيعَة الْوَلِيد شَيْء؛ فَقَالَا: لَا، وَالله مَا نرى أحدا أَحَق بهَا مِنْهُ بعْدك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَقَالَ: أولى لَكمَا، أما وَالله وَلَو غير ذَلِك قلتما لضَرَبْت الَّذِي فِيهِ أعينكما، ثُمَّ رفع فرَاشه فَإِذا السَّيْف مَشْهُور، وَلم يزل بَين مقالتين حَتَّى فاظ، مقَالَته الأولى:

فَهَل من خالدٍ إِمَّا هلكناوَهل بِالْمَوْتِ يَا للنَّاس عَار

ومقالته الثَّانِيَة: الْحَمد لله الَّذِي لَا يُبَالِي من أَخذ من خلقه أَو ترك، صَغِيرا أَو كَبِيرا،

حتي مَاتَ، فسجاه الْوَلِيد، وَكَانَ هِشَام أَصْغَر وَلَده فَقَالَ:

وَمَا كَانَ قيس هلكه هلك واحدٍوَلكنه بُنيان قومٍ تهدما

فَلَطَمَهُ الْوَلِيد ثُمَّ قَالَ لَهُ: اسْكُتْ يَا ابْن إِلَّا شجعية فَإنَّك أَحول أكشف، تنطق بِلِسَان شَيْطَان، أَلا قلت:

إِذا مقرم منا ذرى حد نابهتخمط منا نَاب آخر مقرم

فَقَالَ مسلمة: إيَّاكُمْ والضجاج فَإِنَّكُم إِن صلحتم صلح النَّاس، وَإِن فسدتم كَانَ الْفساد أسْرع، ثُمَّ قَالَ:

لقد أفسد الْمَوْت الْحَيَاة وَقد أَتَىعلى شخصه يَوْم عَليّ عصيب
فَإِن تكن الْأَيَّام أحسن مرّةإِلَى فقد عَادَتْ لَهُنَّ ذنُوب
للشاعر كعب بن سعد الغَنوي، اقرأ القصيدة
أَتَى دون حُلْو الْعَيْش حَتَّى أمرهنكوب على آثارهن نكوب
للشاعر كعب بن سعد الغَنوي، اقرأ القصيدة

فَقَالَ سُلَيْمَان: مَاتَ وَالله أَمِير الْمُؤمنِينَ وَصَارَ فِي منزلَة هُوَ فِيهَا والذليل الضَّعِيف سَوَاء. ثُمَّ صعد الْمِنْبَر الْوَلِيد فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَصلى على النَّبيّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون يَا لَهَا مُصِيبَة مَا أعظمها وأفظعها، وأخصها وأعمها وأوجعها، موت أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَيَا لَهَا نعْمَة مَا أعظمها وأجسمها وَأوجب الشُّكْر عَليّ لله فِيهَا: خِلَافَته الَّتِي سربلنيها. فَكَانَ أول من عزى نَفسه وهنأها بالخلافة. ثُمَّ قَالَ: انهضوا رحمكم الله فَبَايعُوا على بركَة الله. فَلَمَّا بَايعه النَّاس جلس مجْلِس عبد الْملك وَجمع أهل بَيته ثُمَّ قَالَ:

القوا الضغائن والتحاسد بَيْنكُمعِنْد المغيب وَفِي الْحُضُور الشهد
بصلاح ذَات الْبَين طول بقائكمإِن مد فِي عمري وَإِن لم يمدد
للشاعر قيس بن عاصم المنقري، اقرأ القصيدة
فلمثل ريب الدَّهْر ألف بَيْنكُمبتواصلٍ وتراحمٍ وتودد
وانفوا الضغائن والتخاذل عَنْكُمبتكرمٍ وتوازرٍ وتغمد
حَتَّى تلين جلودكم وقلوبكملمسودٍ مِنْكُم وَغير مسود
إِن القداح إِذا اجْتَمعْنَ فرامهابِالْكَسْرِ ذُو حنقٍ وبطش أيد
عزت فَلم تكسر وَإِن هِيَ بددتفالوهن والتكسير للمتبدد
للشاعر قيس بن عاصم المنقري، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْمجْلس الثَّانِي وَالسِّتُّونَ

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.