تجاوز إلى المحتوى

من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)

جرير يحكم بتفوق الأخطل

حَدثنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن جَعْفَر الأَزْدِيّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمَد بْن يحيى قَالَ حَدَّثَنَا ابْن الْأَعرَابِي قَالَ، قيل لجرير: أَيّمَا أشعر أَنْت فِي قَوْلك.

حَيّ الْغَدَاة برامة الأطلالرسما تحمل أَهله فأحالا
للشاعر جرير، من قصيدة «حي الغداة برامة الأطلالا»

أم الأخطل فِي جوابها:

كذبتك عَيْنك أم رَأَيْت بواسطغلس الظلام من الربَاب خيالا
للشاعر الأخطل، من قصيدة «كذبتك عينك أم رأيت بواسط»

قَالَ: هُوَ أشعر مني، إِلَّا أَنِّي قد قلت فِي قصيدتي بَيْتا لَو أَن الأفاعي نهشتهم فِي أستاههم مَا حكوها حَيْثُ أَقُول:

والتغلبي إِذا تنحنح للقرىحك استه وتمثل الأمثالا
للشاعر جرير، من قصيدة «حي الغداة برامة الأطلالا»

تعليقات للمعافى بْن زَكَرِيَّا قَالَ القَاضِي: من فضل جرير تفضيله الأخطل فِي الشّعْر واعترافه بِأَن شعره يفضل شعر نَفسه، على مَا بَينهمَا من الْعَدَاوَة والملاحاة والمقارعة والمهاجاة والمفاخرة والمباراة، مَعَ أَن جَرِيرًا قد أَتَى فِي قصيدته هَذِه بِمَا لَيْسَ فِي قصيدة الأخطل وَلَا غَيرهَا من شعره مَا يدانيه وَيُقَارب مَعْنَاهُ، وَذَلِكَ قَوْله:

مَا زلت تحسب كل شَيْء بعدهمْخيلاص تكر عَلَيْكُم ورجالا
للشاعر جرير، من قصيدة «حي الغداة برامة الأطلالا»

وَهَذَا من أخصر كَلَام وأفصحه، وأبلغ نظامٍ وأروضحه. وَقد رُوِيَ أَن الأخطل لما أنْشد هَذَا الْبَيْت بهت عِنْده وَكثر تعجبه مِنْهُ وَقَالَ: من أَيْن لِابْنِ المراغة هَذَا؟ فَقيل لَهُ: إِن هَذَا الْمَعْنى فِي الْقُرْآن وتلي عَلَيْهِ قَول الله جلّ وَعز: " يَحْسَبُونَ كُلَّ صيحةٍ عَلَيْهِم هم الْعَدو " والمنافقون: فَقَالَ الأخطل: أَنا من أَيْن لي مثل كتاب محمدٍ آخذ مِنْهُ وأستعين بِهِ؟! وَالَّذِي أَتَى الْقُرْآن بِهِ فِي هَذَا مبر على مَا قَالَه الشُّعَرَاء فِيهِ لأمرٍ متفاوت فِي قلَّة عدد حُرُوفه وَقرب مأخذه ووضوح مَعْنَاهُ. وَمِمَّا يشبه قَول جرير فِي هَذَا الْمَعْنى قَول الَّذِي قَالَ:

وَلَو أَنَّهَا عصفورة لحسبتهامسومة تَدْعُو عبيدا وأزنما
للشاعر البعيث المجاشعي، اقرأ القصيدة

وَنَحْو هَذَا قَول الآخر

كَأَن بِلَاد الله وَهِي عريضةعلى الْخَائِف الْمَطْلُوب كفة حابل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «كأن بلاد الله وهي عريضة»
تُؤدِّي إِلَيْهِ أَن كل ثنيةٍتطلعها ترمي إِلَيْهِ بِقَاتِل

ويروى تسنمها.

قَالَ القَاضِي: قَوْله: كَفه حابل يَعْنِي حبالة الصَّائِد، وَقَالَ اللغويون: الكفة مَا كَانَ مستديرًا ككفة الْمِيزَان، والكفة بِالضَّمِّ مَا كَانَ مستطيلا ككفة الثَّوْب، والوجهان يرجعان إِلَى معنى وَاحِد، وَهُوَ الْكَفّ والحصر وَالْحَبْس وإحاطة النهايات بالحواشي المتوسطات؛

وَمِنْه حَاجَة لَهَا كفة، وحاجات لَهَا كفف أَي نِهَايَة تجمعها وتحيط بهَا وتكفها عَن التشذب والانتشار. وَمن ذَلِك قَول الْأَعْشَى مَيْمُون بن قيسٍ:

كَانَت وصاة وحاجات لَهَا كففوَأَن صحبك إِن ناديتهم وقفُوا

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْمجْلس الثَّالِث وَالسِّتُّونَ

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.