تجاوز إلى المحتوى

من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)

محاورة بَين ابْن عَبَّاس وَمُعَاوِيَة

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَزْيَدٍ الْخُزَاعِيّ قَالَ حَدَّثَنَا الزُّبَيْر بْن بَكَّارٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ الأَثْرَمُ عَنْ هِشَامِ بْنِ محمدٍ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ أَكْثَرَ غِشْيَانًا لِمُعَاوِيَةَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَوَفَدَ إِلَيْهِ مَرَّةً وَعِنْدَهُ وُفُودُ الْعَرَبِ فَأَقْعَدَهُ عَلَى يَمِينِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ: نشدتك الله يَا ابْن عباسٍ أَنْ لَوْ وَلَّيْتُمُونَا أَتَيْتُمْ إِلَيْنَا مَا أَتَيْنَا إِلَيْكُمْ مِنَ التَّرْحِيبِ وَالتَّقْرِيبِ وَعَطَائِكُمُ الْجَزِيلِ وَإِكْرَامِكُمْ عَنِ الْقَلِيلِ، وَصَبَرْتُمْ عَلَى مَا صَبَرْنَا عَلَيْهِ مِنْكُمْ؟ إِنِّي

لَا آتِي إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا إِلا صغر تموه: أُعْطِيكُم الْعَطِيَّةَ فِيهَا قَضَاءُ حُقُوقِكُمْ فَتَأْخُذُونَهَا مُتَكَارِهِينَ عَلَيْهَا، تَقُولُونَ: قَدْ نَقُصَ حَقُّنَا وَلَيْسَ هَذَا تَأْمِيلُنَا، فَأَيُّ أملٍ بَعْدَ أَلْفِ ألفٍ أُعْطِيهَا الرَّجُلَ مِنْكُمْ ثُمَّ أَكُونُ أَسَرَّ بِإِعْطَائِهَا مِنْهُ بِأَخْذِهَا؟ وَاللَّهِ لَقَدِ انْخَدَعْتُ لَكُمْ فِي مَالِي، وَذَلَلْتُ لَكُمْ فِي عِرْضِي، أَرَى انْخِدَاعِي تَكَرُّمًا، وَذُلِّي حِلْمًا، وَلَوْ وَلَّيْتُمُونَا رَضِينَا مِنْكُمْ بِالإِنْصَافِ ثُمَّ لَا نَسْأَلُكُمْ أَمْوَالَكُمْ، لِعِلْمِنَا بِحَالِنَا وَحَالِكُمْ، وَيَكُونُ أَبْغَضُ الأَمْوَالِ إِلَيْنَا أَحَبَّهَا إِلَيْكُمْ لأَنَّ أَبْغَضَهَا إِلَيْنَا أَحَبُّهَا إِلَيْكُم، قل يَا ابْن عباسٍ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ وُلِّينَا مِنْكُمْ مِثْلَ الَّذِي وُلِّيتُمْ مِنَّا اخْتَرْنَا الْمُوَاسَاةَ ثُمَّ لَمْ يَعَشِ الْحَيُّ بِشَتْمِ الْمَيِّتِ، وَلَمْ نَنْبُشِ الْمَيِّتَ بِعَدَاوَةِ الْحَيِّ، وَلأَعْطَيْنَا كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. فَأَمَّا إِعْطَاؤُكُمُ الرَّجُلَ مِنَّا أَلْفَ أَلْفٍ فَلَسْتُمْ بِأَجْوَدَ مِنَّا أَكُفًّا، وَلا أَسْخَى مِنَّا أَنْفُسًا، وَلا أَصْوَنَ لأَعْرَاضِ الْمُرُوءَةِ وَأَهْدَافِ الْكَرَمِ؛ وَنَحْنُ وَاللَّهِ أَعْطَى فِي الْحَقِّ مِنْكُمْ عَلَى الْبَاطِلِ، وَأَعْطَى عَلَى التَّقْوَى مِنْكُمْ عَلَى الْهَوَى. فَأَمَّا رِضَاكُمْ مِنَّا بِالْكِفَافِ فَلَوْ رَضِيتُمْ بِهِ مِنَّا لَمْ نَرْضَ لأَنْفُسِنَا بِذَلِكَ والكفاف رضى من لَاحق لَهُ، فَلَوْ رَضِيتُمْ بِهِ مِنَّا الْيَوْمَ مَا قَتَلْتُمُونَا عَلَيْهِ أَمْسِ، فَلا تَسْتَعْجِلُونَا حَتَّى تَسْأَلُونَا، وَلا تَلْفِظُونَا حَتَّى تَذُوقُونَا. فَقَالَ الْفَضْلُ بْن الْعَبَّاس بْن عتبَة بْن أَبِي لهبٍ:

وَقَالَ ابْنُ حربٍ قَوْلَةً أُمَوِيَّةًيُرِيدُ بِمَا قَدْ قَالَ تفتيش هَاشم
أجب يَا ابْن عَبَّاسٍ تُرَاكُمْ لَوْ أَنَّكُمْمَلَكْتُمْ رِقَابَ الأَقْرَبِينَ الأَكَارِمِ
أَتَيْتُمْ إِلَيْنَا مَا أَتَيْنَا إِلَيْكُمْمِنَ الْكَفِّ عَنْكُمْ وَاجْتِبَاءِ الدَّرَاهِمِ
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَقَالا أُمْضِهِوَلَمْ يَكُ عَنْ رَدِّ الْجَوَابِ بِنَائِمِ
نَعَمْ لَوْ وَلَّيْنَاكُمْ عَدَلْنَا عَلَيْكُمْوَلَمْ تَشْتَكُوا مِنَّا انْتِهَاكَ الْمَحَارِمِ
وَلَمْ نَعْتَمِدْ لِلْحَيِّ وَالْمَيِّتِ غُمَّةًتُحْدِثُهَا الركْبَان أهل المواسم
وَلم نُعْطِكُمْ إِلا الْحُقُوقَ الَّتِي لَكُمْوَلَيْسَ الَّذِي يُعْطِي الْحُقُوقَ بِظَالِمِ
وَمَا أَلَفُ ألفٍ تَسْتَمِيلُ ابْنَ جعفرٍبهَا يَا ابْن حربٍ عِنْد حز الحلاقم
فَأصْبح يَرْمِي مَنْ رَمَاكُمْ بِبُغْضِهِعَدُوُّ الْمَعَادِي سَالِمًا لِلْمُسَالِمِ
فَأَعْظِمْ بِمَا أَعْطَاكَ مِنْ نُصْحِ جَيْبِهِوَمِنْ أَمْنِ غيبٍ لَيْسَ فِيهِ بِنَادِمِ

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْمجْلس التَّاسِع وَالسِّتُّونَ

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.