من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
الرّبيع بن خثيم وَصديقه العابد
حَدثنَا عَليّ بن مُحَمَّد بْن الجهم أَبُو طَالِب الْكَاتِب قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن يحيى السُّوسِي قَالَ حَدَّثَنَا عَليّ بْن عَاصِم عَن أَبِي الْأَصْبَغ قَالَ: كَانَ رجل من هَمدَان فِي الْكُوفَة يذكر بعبادةٍ، فَلَزِمَ بَيته وَترك النَّاس، وَكَانَ لَا يخرج من بَيته إِلَّا لصلاةٍ مَكْتُوبَة أَو حقٍ يلْزمه لَا يجد مِنْهُ بدا، وَكَانَ صديقا للربيع بن خثيم، وَالَّذِي بَينهمَا حسن، لَا يأتيان أحدا إِلَّا أَحدهمَا لصَاحبه، قَالَ: وَكَانَ الْهَمدَانِي لَا ينَام من اللَّيْل إِلَّا قليلاًن فَنَامَ سَاعَته الَّتِي كَانَ ينَام فِيهَا، فَأَتَاهُ آتٍ فِي مَنَامه فمغثه شَدِيدا وَقَالَ لَهُ: إيت الرّبيع بن خثيم فَقل لَهُ: إِنَّك من أهل النَّار، ثُمَّ تنحى عَنْهُ فانتبه الْهَمدَانِي فتعاظمه ذَلِك وَقَالَ: الرّبيع بْن خثيم؟! قَالَ: فَلم يَأْته وَأَبْطَأ عَنْهُ، قَالَ ثُمَّ أَتَاهُ فِي اللَّيْلَة الْأُخْرَى وَهُوَ نَائِم فمغثه مغثًا شَدِيدا فَقَالَ: ألم أقل لَك أَن تَأتي الرّبيع بْن خثيم تَقول لَهُ إِنَّك من أهل النَّار؟ لَئِن لم تفعل لَأَفْعَلَنَّ بك وَلَأَفْعَلَن بك وَلَأَفْعَلَن، ثُمَّ تنحي عَنْهُ فانتبه الْهَمدَانِي وَقد تعاظمه ذَلِك، وَقَالَ: الرّبيع بْن خثيم؟! قَالَ: فَلم يَأْته وَأَبْطَأ عَن الرّبيع قَالَ: فَلَمَّا كَانَت اللَّيْلَة الثَّالِثَة أَتَاهُ فمغثه مغثًا شَدِيدا فَقَالَ: لَئِن لم تفعل لَأَفْعَلَنَّ بك وَلَأَفْعَلَن، وَتَنَحَّى عَنْهُ فانتبه الْهَمدَانِي وَقد تعاظمه ذَلِك، فَلَمَّا أصبح وَرَأى الرّبيع بْن خثيم أَنه قد أَبْطَأَ عَنْهُ أَتَاهُ فَدخل عَلَيْهِ فَسلم عَلَيْهِ فَرَآهُ متثاقلا عَنْهُ، فَقَالَ: يَا أخي مَالك؟ قَالَ: خير، قَالَ: الرّبيع: إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون، يَا أخي، إِنَّمَا هَذَا الشَّيْطَان، فأعيذك بِاللَّه وَنَفْسِي من الشَّيْطَان، وتفل الرّبيع عَن يسَاره ثَلَاث تفلاتٍ وتعوذ بِاللَّه من
الشَّيْطَان، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى منزله، فَلَمَّا كَانَت اللَّيْلَة الْمُقبلَة قَامَ الْهَمدَانِي فِي سَاعَته الَّتِي كَانَ ينَام فِيهَا وَقد قوي بعض الْقُوَّة مِمَّا سمع من الرّبيع، فَإِذا هُوَ قد أَتَاهُ آتٍ فِي مَنَامه بِيَدِهِ ساجور كلبٍ أسود، فِي وَجه الْكَلْب ثَلَاث جراحاتٍ، قَالَ لَهُ: أَتَدْرِي من أَنا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَل تَدْرِي من هَذَا الْكَلْب؟ قَالَ: لَا، قَالَ: هَذَا الشَّيْطَان الَّذِي دخل بَيْنك وَبَين أَخِيك الرّبيع بْن خثيم، وَقد وكلت بكما وَبِهَذَا إِلَى أَن تموتا لَا ينفلت من هَذَا الساجور، تَدْرِي مَا هَذِه الْجِرَاحَات الَّتِي بِوَجْه الْكَلْب؟ قَالَ: لَا، قَالَ هِيَ بزقات الرّبيع بْن خثيم عَن يسَاره، قَالَ: فانتبه الْهَمدَانِي، فَلَمَّا أصبح غَدا على الرّبيع فَأخْبرهُ بِمَا رأى فَحَمدَ الله وَقَالَ: قد أَخْبَرتك أَنه من عمل الشَّيْطَان.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع