من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
شرح لبَعض مَا جَاءَ فِي الأبيات
قَالَ القَاضِي ﵀: قَوْله يسرح سواما يَعْنِي الغدو بالماشية إِلَى المسرح إِلَى الرَّعْي. وَلم يرح يَعْنِي الرواح إِذا أراحت من المرعى قَالَ الله تَعَالَى وَذكر إنعامه على خلقه بِمَا سَخَّرَهُ لَهُم من الْأَنْعَام وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ النَّحْل: وَقَوله: فإنني أرى الْمَوْت لَا ينجو من الْمَوْت هاربه فَأتى بِالْمَوْتِ ثَانِيًا بالإظهار فِي الْموضع الَّذِي بَابه الْإِضْمَار لتقدم اسْمه ظَاهرا، لإِقَامَة وزن الشّعْر، وَلَو أَتَى بِهِ فِي منثور الْكَلَام لَكَانَ أظهر، وَنَحْو هَذَا أَن تَقول: فإنني أرى الْمَوْت لَا ينجو مِنْهُ هاربه، وَقد أَتَى مثل هَذَا كثير فِي الشّعْر، من ذَلِك قَول الشَّاعِر:
لَا أرى الْمَوْت يسْبق الْمَوْت شَيْءنغص الْمَوْت ذَا الْغنى والفقيرا
وَقَالَ آخر:
إِذا الْوَحْش ضم الْوَحْش فِي ظللاتهاسواقط من حرٍ وَقد كَانَ أظهرا
وَقد قَالَ الله تَعَالَى ذكره " وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ " النُّور: فَحَمله قوم على أَنه جَاءَ على هَذَا لِأَن الْإِظْهَار فِيهِ والإضمار وَاحِد، وَلَيْسَ الْأَمر على مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا أَتَى الْإِظْهَار هَاهُنَا لتعظيم الْقِصَّة، وَلما فِي إِعَادَة ذكر
الْمَوْت بِالِاسْمِ الظَّاهِر من التخويف والحض على الِاعْتِبَار والمراعاة والإذكار، وَقد قَالَ الله جلّ وَعز فِي مَوضِع آخر: " وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ " هود: فَأَعَادَ على الأسم الظَّاهِر اسْما مضمرًا على أصل الْبَاب وَظَاهره؛ وَمن قَالَ لقِيت زيدا فأكرمت زيدا لم يقل لقِيت زيدا فأكرمت أَبَا عَبد اللَّه، وَهِي كنية زيد، لِأَنَّهُ مُشكل لَا دلَالَة لَهُ فِيهِ تَنْفِي اللّبْس عَنْهُ.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع