من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
تعليقات نحوية ولغوية
قَالَ القَاضِي فِي الرِّوَايَة الأولى: تعرف من غير حرف اسْتِفْهَام فِي الْكَلَام أَو فِي مَا عطف بِهِ عَلَيْهَا، وَهَذَا عِنْد بعض الْمُحَقِّقين من النُّحَاة خطأ، وَقد أجَازه كثير مِنْهُم، وأنشدوا فِيهِ أبياتًا مِنْهَا قَول عمر بْن عُبَيْد الله بن أبي ربيع سامحه الله:
ثمَّ قَالُوا تحبها قلت بَهْرًاعدد الرَّمْل والحصى وَالتُّرَاب
وَقَالُوا أَرَادَ: أتحبها، وَأنكر هَذَا من قدمنَا الْحِكَايَة عَنْهُ، وَقَالَ: هُوَ خبر وَلَيْسَ باستفهام وَغير جَائِز الاشراك بَين الْخَبَر والاستخبار، لما فِيهِ من فَسَاد الْكَلَام فِي الْقيَاس، وَدخُول الْإِشْكَال والالتباس، وَقد عَابَ كثير من أهل الْمعرفَة بِالْعَرَبِيَّةِ على امْرِئ الْقَيْس إيتانه بِمثل هَذَا فِي بَيت من شعره يَقُول فِيهِ:
أصاح ترى برقًا أريك وميضهكَلمعِ الْيَدَيْنِ فِي حبي مكلل
فَقَالَ: ترى وَالْمعْنَى أَتَرَى؛ فَأَما قَوْله:
تروح من الحَيِّ أم تَبْتَكِرْوماذا يَضرك لَو تنْتَظر
فَإِنَّهُ جَائِز لِأَن قَوْله: أم تبتكر قد دلّ على الْمَعْنى، وَمثله كثير، من ذَلِك قَول الشَّاعِر:
لعمرك مَا أَدْرِي وَإِن كنت داريًابِسبع رَمَيْن الجَمْر أم بثمان
وَأما قَول الشَّاعِر فِي الْبَيْت الَّذِي أنْشدهُ أَبُو حرملو: أعْط الْقوس باريها فَإِنَّهُ أنشدوناه
باريها بتسكين الْيَاء الَّتِي هِيَ مُدَّة، وَهِي الرِّوَايَة الْجَارِيَة على أَلْسِنَة خَاصَّة النَّاس وعامتهم، وَحَقِيقَة الْإِعْرَاب فِيهَا هَاهُنَا أَن تنصب فِي الْفِعْل، وَقد تسكن فِي الشّعْر تَخْفِيفًا كَمَا قَالَ الراجز: كَأَن أَيْدِيهنَّ بالقاع القرق وَقَالَ الْأَعْشَى:
فَتى لَو يباري الشَّمْسُ ألقتْ قِنَاعهاأَو القَمَر الساري لألقى المقالدا
وَرُبمَا اسكنوها وحذفوها فِي النصب كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
فَلَو أَن واشٍ بالميمامة بَيتهوداري بِأَعْلَى حضر موت اهْتَدَى ليا
فَإِذا رُوِيَ هَذَا الْبَيْت على هَذَا كَانَ من الْبَسِيط الثَّانِي وبيته فِي الْعرُوض:
قد أشهد الْغَارة الشعواء تحملنِيجرداء معروقة اللحيين سرحوب
عروضه فعلن وضربه فعل، وعروضه فِي مصرعه فعلن إِلْحَاقًا لَهُ بضربه؛ وَإِن رَوَاهُ راوٍ على أَصله فِي تَحْقِيق الْإِعْرَاب فتح الْيَاء فَقَالَ باريها وَكَانَ إِذا من الضَّرْب الأول من الْبَسِيط، وبيته فِي الْعرُوض:
يَا حَار لَا أُرْمَيَنْ مِنْكُمْ بداهيةٍلَمْ يَلْقها سُوقَةٌ قبلي وَلَا ملك
وَإِذا رُوِيَ هَكَذَا استقام إعرابه ووزنه، واستوى عروضه وضربه فَكَانَا مَعًا فعلن فِي إِطْلَاقه وتصريفه، إِذْ لَيْسَ بَينهمَا فِي الْمُطلق اخْتِلَاف فِي الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فيغير الْعرُوض ليلحق الضَّرْب بِهِ.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع