من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
ولد عتبَة بن مَسْعُود
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن الْقَاسِم الْأَنْبَارِي قَالَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عِيسَى الْخُتَّلِيُّ قَالَ، حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى السَّاجيّ قَالَ، حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِي قَالَ، حَدَّثَنَا أَبُو نَوْفَل الْهُذلِيّ عَن أَبِيه قَالَ: ولَد عتبةُ بن مسعودٍ عبد الله وَكَانَ واليًا لعمر بن الْخطاب ﵁ فولد عبد الله: عبيد اللَّه وعونًا وَعبد الرَّحْمَن، فأمّا عبيد الله فَكَانَ من أفقهِ أهل الْمَدِينَة وخيارهم، وَكَانَ أعمى، فمرَّ عَلَيْهِ عبد الله بن عَمْرو بن عُثْمَان وَعمر بن عبد الْعَزِيز فَلم يسلِّما عَلَيْهِ، فَأخْبر بذلك فَأَنْشَأَ يَقُول:
وَلَا تَعَجبا أَن تُؤتَيا فتكلَّمافَمَا حشي لأقوام شَرًّا من الْكِبْرِ
ومسَّا ترابَ الأرضِ مِنْهَا خلقتماوفيهَا المعادُ والمصيرُ إِلَى الْحَشْر
وروينا هَذَا الْخَبَر من وجهٍ آخر وَفِيهِ من شعر عبيد الله زيادةٌ على أبياته هَذِه، وَقد رسمنا ذَلِكَ فِي مَوْضِعه. وَكَانَ عبيد الله أحدَ السَّبْعَة من فُقَهَاء الْمَدِينَة الَّذِينَ جمع أَبُو الزِّنَاد مَا جمع من فقههم. وأمّا عون بن عبد الله فَكَانَ من آدب أهل الْمَدِينَة وأفقههم وَكَانَ مرجئًا فَرجع عَن ذَلِكَ وَأَنْشَأَ يَقُول:
أوّل مَا نُفارقُ غير شكٍّنفارق مَا يَقُول المرجئونا
وَقَالُوا مؤمنٌ من أهل جورٍوَلَيْسَ الْمُؤْمِنُونَ بجائرينا
وَقَالُوا مؤمنٌ دمُهُ حلالٌوَقد حَرُمَت دِمَاء المؤمنيا
ثُمَّ خرج مَعَ ابْن الْأَشْعَث فهرب حَيْثُ هربوا، فَأتى مُحَمَّد بن مَرْوَان بنصيبين فأمَّنه وألزمه ابْنه، فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد: كَيفَ رَأَيْت ابْن أَخِيك؟ قَالَ: ألزمتني رجلا إِن بعدتُ عَنْهُ عَتِبَ، وَإِن أَتَيْته حجب، وَإِن عاتبته صخب، وَإِن صاخبته غضب، فَتَركه ثُمَّ لزم عمر بن عبد الْعَزِيز وَهُوَ خَليفَة وَكَانَت لَهُ مِنْهُ منزلَة. وَخرج جريرٌ فَأَقَامَ بِبَاب عمر بن عبد الْعَزِيز فطال مُقامه فَكتب إِلَى عون بن عبد الله:
يَا أيُّها الْقَارئ المرخي عمامَتَهُهَذَا زمانُكَ إِنِّي قَدْ مضى زَمَني
أَبْلغْ خَليفَتَنَا إِنْ كنتَ لاقيهِأَنِّي لَدَى الْبَاب كالمصفودا فِي قرنِ
وأمّا عبد الرَّحْمَن بن عبد الله فَهُوَ الَّذِي يَقُول:
تأثّل حبُّ عَثْمَة فِي فُؤَادِيفباديه مَعَ الخافي يسيرُ
صدعْتِ القلبَ ثُمَّ ذررت فِيهِهَوَاك فَليط فالتامَ الفطورُ
قَالَ أَبُو بكر: ليط معناهُ أُلصق. وضمَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْحَسَن وَالْحُسَيْن إِلَيْهِ وَهُوَ على الْمِنْبَر وَقَالَ: إنَّ للْوَلَد لوطةً، يَعْنِي التصاقًا، بِالْقَلْبِ. وَقَالَ الشَّاعِر:
سأحبس مَالِي على لذّتيوأؤثر نَفسِي على الْوَارِث
وأسبقُ فِي المَال سُهَمانَهُموقولَ المعوِّق والرائثِ
قَالَ أَبُو بكر: وَزَادَنِي فِيهَا أبي ﵀:
أعاذلَ عاجلُ مَا أشتهيأحبُّ إليَّ من الّلابثِ
قَالَ القَاضِي: الأبيات المنسوبة فِي هَذَا الْخَبَر إِلَى عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن عتبَة قد رويت لنا من غير وَجه عَن أَخِيه عبيد الله، وفيهَا زِيَادَة وأنشدناها: تغلغل حبُّ عثمةَ.. وَالْبَيْت الثَّانِي.
تغلغل حَيْثُ لَمْ يبلغْ شرابٌوَلَا حزنٌ وَلم يبلغ سرورُ
شقَقْتِ الْقلب ثمَّ ذررت فِيهِهَوَاك فليمَ فالتَامَ الفطورُ
فلِيم من الالتئام وَأَصله بِالْهَمْز، وَترك همزه لإِقَامَة الْوَزْن فَصَارَ مُسَاوِيا للفظ ليم من اللوم. وَإِن كَانَ المعنيان مُخْتَلفين. وليط فِي هَذَا الْمَعْنى أَيْضا وحُكي هُوَ أَلْيَطُ بقلبي، وحُكي عَن الفرّاء فِي قلبهم الْوَاو يَاء أنَّهم كَرهُوا أَن يشبه الْوَجْه الْمَكْرُوه. وأمّا قَول عون بن عبد الله لمُحَمد بن مَرْوَان فِي ابْنه: " إِن بعدتُ عَنْهُ عَتِبَ، وَإِن أَتَيْته حجب " فلي فِي مثله أبياتٌ من قصيدةٍ " أردّ بِهَا على قصيدة كتب بِهَا إليّ بعضُ رُؤَسَاء الزَّمَان، وَقد استبطأ زيارتي وعاتبني فِي تأخُّري عَنْهُ وكنتُ أتيتُ دَاره فحجبتُ عَنْهُ، والأبياتُ:
إِذَا لَمْ آتِ أزعجني العتابُوإِنْ وافيتُ أخجلني الحجابُ
وإِنِّي حاجبٌ قدري بِهجريمعززةً تذلُ لَهَا الرقابُ
ونعتي أحمرُ الكبريتِ عزَّاًوأصلي حِين تكرمني الترابُ
فَأن تُنْصِفْ فأرضُك مستقرّيوإِنْ تَظْلِمْ فمنزلي السحابُ
وَمَا قيل فِي هَذَا الْمَعْنى كَثِير، فمما قيل فِيهِ:
لِمَا تنكرت فِي حجابكرغبت بِالنَّفسِ عَن عتابكْ
فَأن تزرني أزر وإمّاتقفْ ببابي أَقِفْ ببابكْ
واللَّه لَا كنتَ فِي حسابيإِلَّا إِذا كنتُ فِي حسابكْ
الْكَلَام الفصيح: لَمْ يكن هَذَا فِي حسباني، أَي فِي ظَنِّي، وَلَيْسَ يبعد أَن يُقالُ فِي حسابي أَي فِيمَا أعدُه وأحصيه وَأَحْسبهُ من الْحساب. وممَّا أنشدناهُ أَيْضا ورويناهُ فِي خبر مَذْكُور فِي مَوضِع آخر:
يَا أيُّها الحرُّ الكريمُ الْكَافِيلَيْسَ الحجابُ من آلةِ الأشرافِ
ولقلَّ مَن يَأْتِي فيحجبُ مرَّةًفيعودُ ثَانِيَة بقلبٍ صافي
واستقصاء هَذَا الْبَاب يطول وَقد أَتَيْنَا مِنْهُ بِما فِيهِ كِفَايَة
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع