تجاوز إلى المحتوى

من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)

الغلامُ الرَّاعِي والجنيون الثَّلَاثَة

حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن الْحَسَن بن دُرَيْد قَالَ، حَدَّثَنَا عمي قَالَ، حَدَّثَنِي أبي عَن ابْن الْكَلْبِيّ قَالَ: خرج غلامٌ من مَذْحجِ، أحسبُه قَالَ: من صُدَا يرْعَى غنيماتٍ لَهُ، فَأَدْرَكته السَّمَاء فأوى إِلَى كهفٍ فأكنَّ غنمه واقتدح نَارا واحتلبَ لَبَنًا فوغره، فَإِذا ثلاثةُ نفر قد ولجوا عَلَيْهِ الغارَ فحيَّوه فردَّ تحيّتهم وَقَالَ: هلمّوا، وقرَّب إِلَيْهِم غُمَرَه بِما فِيهِ، فَأَخذه أحدهم فشمَّه ثمَّ ردّه ثُمَّ أنشا يَقُول:

يَا راعي الضأنِ اغتنثْ من مضحكاروى لَك الله قفيلَ نحضكا

يُقَال: اغتنث من الْإِنَاء شربةً أَو شربتين إِذا جرعت. يُقال: جرعَ ولعق يلعق،

والقفيل: الْيَابِس، والنحضُ: اللَّحْم.

وَلَا عدمت غبيةً بأرضكماتعيدُ غَمْرًا مَا انزوى من برضكا

الغبيةُ: الدفعةُ من الْمَطَر، الْغمر: المَاء الْكثير، الانزواء: التقبض، والبَرْضُ: المَاء الْقَلِيل؛ قَالَ: وَمن الانزواء قَول الْأَعْشَى:

يزيدُ يغضُّ الطرفَ دوني كأنَّمازَوَى بَين عَيْنَيْهِ عليَّ المحاجِمُ
للشاعر الأعشى، من قصيدة «هريرة ودعها وإن لام لائم»
فَلَا ينبسطْ من بينِ عينيكَ مَا انزوىوَلَا تَلْقَني إِلا وأنفُكَ راغم
للشاعر الأعشى، من قصيدة «هريرة ودعها وإن لام لائم»

وروى عَنِ النَّبيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " زُويتْ لي الأَرْض فرأيتُ مشارقها وَمَغَارِبهَا وسيبلغُ ملك أمّتي مَا زوي لي مِنْهَا ".

وَقَالَ الثَّانِي:

يَا راعي البُهْمِ سُقيتَ ريًّاوَلَا تزالُ تطَأ السُّميّا

والسمي: جمع السَّمَاء، وَالْمعْنَى الْمَطَر؛ حُكي عَن الْعَرَب: مَا زلنا نَطَأ السَّمَاء حَتَّى أَتَيْنَاكُم.

وسميَّها والتابعَ الوليّالَا تعدمُ الدّهر حيًّا مرعيًّا

قَالَ القَاضِي: الوسميُّ: أول مطر الرّبيع، وَقيل: إنّما سمّي وسمياً لِأَنَّهُ يسم الأَرْض، والوليُّ المطرةُ الَّتِي تلِي الوسمي، والحيا: الْغَيْث، مَقْصُور، قَالَ ذُو الرمة:

خليليّ لَا تستيئسا واسألا الَّذِيلَهُ كلّ أمرٍ أَن يصوبَ ربيعُ
حيًّا لبلادٍ شيَّب المحلُ أَهلهَاوجبرًا لعظم فِي شظاه صدوعُ

يرْوى الْبَيْت الأول على وَجْهَيْن لَا تستيئسا من الْيَأْس وَلَا تستبئسا من التباؤس والتمسكن.

وَقَالَ الثَّالِث:

يَا ساقيَ البهم سقاكَ السَّاقيبكلِّ أحوَى مثجمٍ غيداقِ
حتَّى ترى ظواهر الْبراقضاحكةَ الروضِ إِلَى الْإِشْرَاق

قَالَ القَاضِي: الأحوى: الْأَحْمَر الَّذِي يضْرب حمرته إِلَى السوَاد، والمثجم: الْمُقِيم، يُقَال: أثجم فَهُوَ مثجم إِذا أَقَامَ، وغيداق: كَثِير وَاسع من قَوْل الله تَعَالَى: " لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا الْجِنّ: " وغيداق فيعال مِنْهُ وَالْيَاء زَائِدَة، والبراق: جمع برقةٍ. فَقَالَ الْغُلَام:

حيّيتُم من فتيةٍ أزوالِشمِّ الأنوفِ سادةٍ أقوالِ

أقوالٌ يصفهم بالسؤدد والرئاسة، ويُقالُ وأقيال وأقوال لموك الْيمن، وَقيل إِن القيلَ هُوَ من دون الْملك الْأَعْظَم، وقيلَ إِن أَصله من القَوْل فَمن هَاهُنَا قيل أَقْوَال، كَأَن أَصله قيِّل أَي فَيْعل، والأصلُ قَيْوِل، فقلبت الْوَاو يَاء وأدغمَ الحرفُ الأول فِي الثَّانِي فَصَارَ يَاء مُشَدّدَة. وخففوا فَقَالُوا: قَيل، وَمثله ميت وميّت وَأَصله مَيْوِت. وَكَانَ الفرّاء يَأْبَى أَن

يكون فِي المعتل فيعل كَمَا لَمْ يَأْتِ فِي الصَّحِيح، وَيَزْعُم أَن أصل هَذَا فعّيل، وَلما يحتجُّ بِهِ ويحتج بِهِ مخالفوه مَكَان هُوَ أولى بِهِ، وَأَكْثَرهم يَقُول: قيلٌ وأقيال كَمَا قَالَ عبد الْمَسِيح بن حنان بن بُقَيْلَة:

رسولُ قَيْلِ الْعُجْمِ يسري بالوثن

وَيجمع القيل أَيْضا قيولا، وَيَقُولُونَ للْمَرْأَة قَيلة، وَبِه سُمّيت قيلة.

إِن الْقِرَى يعتدُّ للنُّزّالفدونكم مدمومة الأوصال

فأَحْنِذُوا من هَذِه الأجذال

قَالَ القَاضِي: أحنذوا معناهُ اشتووا، من قَوْل الله تَعَالَى: " بِعِجْلٍ حَنِيذٍ هود: " أَي محنوذ، ومعناهُ مشويٌ، وَقيل: هُوَ الَّذِي يُشوى على الأَرْض أَو فِيهَا وَلَا يُبَالغ فِي إنضاجه وإنّه من شيءّ الْأَعْرَاب، وَقيل: هُوَ الَّذِي يُشوى على الأَرْض أَو فِيهَا وَلَا يُبَالغ فِي إنضاجه وإنّه من شيءّ الْأَعْرَاب، وَقيل: إِنَّه الرطبُ الَّذِي فِيهِ نداوةٌ، وَمِنْه حنذب الفرسَ إِذا أجريَتهُ ليعرقَ؛ والأجذالُ: جمع جِذْل، ويُقال جذال، وَهُوَ الْعود من الْخشب كَمَا قَالَ ذُو الرمة الشَّاعِر:

مَا كنتُ فِي الحربِ العوانِ مغمَّراًإِذْ شبَّ حرَّ وقودها أجذالُهَا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «رحلت سمية غدوة أجمالها»

وَقَالَ ذُو الرمَّة:

يظلّ بِهَا الحرباء للشمس ماثلاعلى الْجِذْلِ إِلا أَنَّهُ لَا يكبِّر
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «خليلي لا ربع بوهبين مخبر»

وَقَالَ الْحباب بن الْمُنْذر يَوْم السَّقِيفَة: أَنا جُذَيْلُها المحكّكَ، هَذَا معناهُ،

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْمجْلس الخامِس والتسعُون

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.