تجاوز إلى المحتوى

من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)

تَتِمَّة الْخَبَر

ثمَّ قَالَ شاةٍ ليذبحها فَقَالُوا لَهُ: لَا تفعل فإنَّا لَا نأكلُ مِنْهَا، وَقَالَ لَهُ أحدهم:

بوركت من حزوَّرٍ بذَّالرَحْبِ الفناء عُرضة النزَّال

إنّ لنا فِي الأبَّد الأهمال

قَالَ القَاضِي: الأُبُد جمع آبدٍ وآبدة، يجمع أَيْضا أوابد، وَهُوَ الوحشي، يُقال: تأبّد العير إِذا توحّش، وَهُوَ نقيضُ تأنّس. وروى عَنِ النَّبيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي بعير ندَّ من الْغَنِيمَة يَوْم خَيْبَر فرماهُ رجلٌ من أَصْحَابه بسهمٍ فأثبتَهُ: " إِن لِهذه الْإِبِل أوابد كأوابد الْوَحْش فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا "، وَقَالَ الْأَعْشَى:

شبّهته هِقْلا يباري هقلةًرَبْداءَ فِي خيطٍ تطاردُ أبَّدا

وَقد يُقال للربع والمنزل إِذا خلا من أَهله وأوحشَ وأقفرَ قد تأبد، قَالَ الْأَعْشَى:

تأبّد الربْعُ من سلمى بأحصارِوأقفرتْ من سليمى دمنةُ الدَّار

وَيُقَال: قد أَتَى فلَان بآبدة إِذا جَاءَ بِكَلِمَة فظيعة أَو فعلة موحشة بديعة، وَإنَّهُ ليَأْتِي بالأوابد. والأهمال مَا أُهْمِلَ وَلم يكن لَهُ راعٍ.

أرفيّ كلِّ ثرّةٍ مِجْفالِ

قَالَ ابْن دُرَيْد: الأرفيّ: لبن الظباء، قَالَ القَاضِي: وَقَوله: ثرَة غزيرة، ويروي بَيت عنترة:

جادتْ عَلَيْهِ كلُّ عينٍ ثرّةٍفتركن كلَّ قرارةٍ كالدرهم

وَقَوله: كجفال: أَي كَبِيرَة تعمُّ لسعتها، وَمن هَاهُنَا قيل: فلَان يَدْعُو الجفَلَى أَي يعمّ بعوته، وَإِذا خصّ وَلم يَعُم قيل: دَعَا النَّقرى، قَالَ طرفَة:

نحنُ فِي المشتاةِ نَدْعُو الجَفْلَىلَا ترى الآدبَ فِينَا يَنْتَقِرْ
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «أصحوت اليوم أم شاقتك هر»

وَقَالَ الآخر:

إنّا سنجزيكَ جَزَاء جزلافقد بَرَعْتَ كرمًا وبَذْلا
إنَّ بأقصى ذَا الْكُهَيْفِ هجلافاختفِ مِنْهُ جنبا مبتلا

تلقى غنى يطرد عَنْك الأزلا

قَالَ القَاضِي: الْجَهْل: الشَّيْء المخبوء الْكثير، وَقَوله: فاختفِ مِنْهُ جانبًا مبتلا: أَي اكتشفه وأظهره، يُقال: اختفى فلَان كَذَا إِذا أظهره بعد استتاره، وَمثله خَفَاهُ، وخفيتُ الشيءَ أظهرته، وأخفيته سترته. وَرُوِيَ أَن النَّبِيّ ﷺ لعن المختفي والمختفية يَعْنِي النبَّاش والنبّاشة. وَقد ذكرت من وُجُوه هَذَا الْبَاب وتصريفه فِي بعض أَوَائِل مجالسنا هَذِه وَفِيمَا رسمناهُ من عُلُوم الْقُرْآن مَا يُغْنِي عَن إِعَادَته فِي هَذَا الْمَكَان. وَقَوله يطرد عَنْك الْأَزَل بِفَتْح الْهَمْزَة الْفَاقَة والفقر والإضاقة، فَأَما الإزل بِكَسْر الْهَمْزَة فالكذب، قَالَ الشَّاعِر:

يقولونَ إزلٌ حبُّ ليلى وذكرُهاوَقد كَذَبوا مَا فِي مَوَدَّتِها إزْلُ

وَمن الْأَزَل بِمعنى الضّيق قَول زُهَيْر:

تجدهم على خيَّلتهم إزاءهاوَإِن أفسدَ المالَ الجماعاتُ وَالْأَزَلُ

يرْوى هم إزاءها وعَلى أَن تَجعل فِي مَوضِع اسْم مَرْفُوع، إِلَّا أَنَّهُ نصبَ على الظّرْف، واستقامَ فِيهِ الْوَجْهَانِ كخلف وَإِمَام، قَالَ لبيد:

فَغَدَتْ كلا الفرجين تحسبُ أَنَّهُمولى المخافةِ خلفُها وأمامُها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»

وَهَذَا من الْبَاب الَّذِي أَتَى على السعَة، قَالَ الله تَعَالَى: " بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سبأ: " وَإِذا جعل إزاؤها بِمعنى الْمُخْتَص بالاسمية دون الظّرْف، وَجعل مَكَانَهُ اسْم مَحْض لَا يكون ظرفا وَكَانَ على أفعل أَو فِيهِ لَام وَألف اتجه فِيهِ وَجْهَان من الْإِعْرَاب: الرّفْع على أَنَّهُ خبر الِابْتِدَاء الَّذِي هُوَ هم، وَهِي لغةُ أهلِ نجدٍ وَبني تَميم، والنصبُ على أَنَّهُ مفعولٌ " تَجدهم " الثَّانِي، وَيكون هم فصلا، وَهَذِه عبارَة الْبَصرِيين من النَّحْوِيين، فأمّا كوفيّوهم قيسمّونها الْعِمَاد، وكلُّ مَا أَتَى فِي الْقُرْآن من هَذَا الْبَاب فَهُوَ مَنْصُوب فِي قراءتنا ورسم مَصَاحِفنَا، وَقد حكى رَفعه فِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود ورسم مصحفه، فَفِي قراءتنا:

" وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ الزخرف: " وَفِي مَا رُوِيَ عَن عبد الله: " وَلَكِن كَانُوا هم الظالِمُون ". وممّا فِي الشّعْر نصبا قولُ الشَّاعِر:

وجدنَا آل مرَّة حِين خَافُواجريرتَنَا هُمُ الأُنُفَ الكراما

وَمن الْمَرْفُوع قَول الآخر:

أجدَّك لن تزالَ نجيَّ تيمتبيتُ اللَّيْل أنتَ لَهُ ضَجيعُ

وَفِيمَا ألّفناهُ من عُلُوم الْقُرْآن استقصاء هَذَا الْبَاب بحججه وشواهده.

فَقَالَ الثَّالِث:

إِذا احتفرتَ منكبًا فلجّفِمن عَن يَمِين الجَلَدِ المحصَوْصِفِ
ثُمَّ اعتقم قِيدَ الذراعِ واكشفِعَن مثل رأسِ الكودن المقرَّف

وَثِقْ بعيشٍ غَمْرُهُ لَمْ ينزفِ

فَخَرجُوا عَنْهُ، فَقَامَ الْغُلَام إِلَى حَيْثُ وصفوا وحفر كَمَا أمروا، فاستخرج صنمًا كرأسِ الكودن من ذهب لَهُ عينان من جَوْهَر أَحْمَر، فَأصْبح الْغُلَام وَالله أَكثر أهل الحواءِ مَالا وَأَحْسَنهمْ حَالا.

قَالَ القَاضِي: قَوْله: فلجِّف أَي بَالغ وأعمق، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:

يحجُّ مأمومةً فِي قَعْرها لجفٌفاستُ الطَّبِيب عَلَيْهَا كالمغاريد

وَالْجَلد المحصوصف من الأَرْض: الصّلب الجَدَد. وَقَوله " ثُمَّ اعتقم قيد الذِّرَاع " أَي ذلله بحفرك إيّاهُ بعد أَن كَانَ فِي استصعابه بِمنزلة الْعَقِيم الَّذِي لَا يفتح لشدّته، وَقيد الذِّرَاع: قدره ومقياسه ويُقال قيد وقدى كَمَا قَالَ الشَّاعِر:

وإنِّي إِذا مَا الْمَوْت لَمْ يكُ دونهقدى الشبر أحنى الْأنف أَن أتأخَّرا وَمِنْه قاب، قَالَ الله تَعَالَى: " فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى النَّجْم: ". وَقد بيّنا مَا فِي هَذِه الْكَلِمَة من اللُّغَات فِي غير هَذَا الْموضع. والكوادن: المقاريف من الْخَيل، وَكَذَلِكَ الهجين مِنْهَا، تقصّر فِي كرمها وفضلها عَن عتاقها، ورؤوسها أعظمُ من رُؤُوس الْعتاق، فَلذَلِك شبَّه بِهِ الشَّاعِر مَا شبّه. وقيلَ فِي قَوْله فِي أوّل الْخَبَر " واحتلبَ لَبَنًا فوغره " أَنَّهُ أسخنه وأودعه إناءه، وأنّه أشارَ بقوله: إِن بأقصى ذَا الكهيفِ هجلا إِلَى كَثْرَة مَا أومئ بِهِ إِلَيْهِ.

قَالَ القَاضِي ﵀: قَوْله هلموا جَاءَ على اللُّغَة النجدية، وَقد بيّنا فِي مجَالِس قبل هَذَا مَا فِي هَلُمَّ من اللُّغَات بِما يُغني عَن إِعَادَته. وَقَوله مدمومة الأوصال إِشَارَة إِلَى الشَّاة الَّتِي أَمرهم بشيها. وَقَوله: " وَقرب إِلَيْهِم غمره " الغمرُ: القدحُ الصَّغِير كَمَا قَالَ الشَّاعِر:

يَكْفِيهِ حزَّة فلذٍ إِنْ ألمَّ بِهَامن الشواءِ وَيُروى شُرْبَهُ الْغُمَرُ

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْمجْلس الخامِس والتسعُون

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.