تجاوز إلى المحتوى

من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)

هَاشِمٌ، قُرَيْش. باهلة ... هَلْ تصرف

قَالَ القَاضِي: لَمْ يصرف هَذَا الشَّاعِر " هاشمًا " فِي شعره، أَرَادَ الْقَبِيلَة، وَلَو أَرَادَ الحيّ أَو اسْم الْأَب لصرفه، وَإِن لَمْ يصرف مَعَ هَذِه النِّيَّة لَمْ يُصِبْ - فِي قَول الْخَلِيل وسيبويه

وَجُمْهُور الْبَصرِيين - لِأَن الشَّاعِر لَهُ أَن يصرف فِي الشّعْر مَا لَا ينْصَرف فِي الْكَلَام، وَلَيْسَ لَهُ تَرْكُ صَرْفِ المنصرف. وَكَانَ الْأَخْفَش يُجيزُ ذَلِكَ وَهُوَ مذهبُ الْكُوفِيّين، وَقد اسْتشْهدُوا بأَشْيَاء وَردت عَلَيْهِم فِيهَا، وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع استقصاء هَذَا الْبَاب لكنّا آثرنا ذكر جملَة مِنْهُ يقفُ بِهَا ذُو الْفَهم على الأَصْل فِيهِ، وَيجْرِي عَلَيْهِ قِيَاس بَاقِيه. وَالَّذين أَبَوا ترك صرف مَا لَا ينْصَرف فِي الشّعْر يعتلونَ بأنَّ الشَّاعِر إِذا اضْطر إِلَى مَا يُتَنَكّبُ فِي منثور الْكَلَام رَجَعَ إِلَى أَصله وَلَيْسَ لَهُ مُفَارقَة الأَصْل وهدمه؛ وَالْأَصْل فِي الْأَسْمَاء الصّرْف، فَإِذا عَرَضَ فِي شيءٍ مِنْهَا مَا يَمْنَعُ مِنْهُ استجيزَ فِي الشّعْر كوب الصّرْف حَملا على الأَصْل. فأمّا ترك صرف الْمصر وف فنقضُ مَا بني الْكَلَام عَلَيْهِ فِي أَصله.

وَالَّذين أَجَازُوا هَذَا تعلقوا بِأَبْيَات أنشدوها على هَذَا الْوَجْه الَّذِي عابهم عَلَيْهِ يه مخالفوهم. وَقد دفع الْأَولونَ مَا رَوَوْهُ عَنْهُم وأنشدوا كثيرا مِنْهُ على خلاف إنشادهم. فأمَّا وَجه ترك صرف هَاشم فِي الْبَيْت الَّذِي أَتَى فِي هَذَا الْخَبَر وَنَظِيره من الْأَسْمَاء فَلِأَنَّهُ ذهب بِهِ مَذْهَب الْقَبِيلَة دون اسْم الرجل، وَدون حمله على أَن اسْم الْحَيّ. وَإِن مثل هَذَا فِي الشّعْر كَثِير. وَهَذَا كَقَوْلِهِم حضرت قُرَيْش ومعدُّ وثقيفُ وَمَا لَا يُقال فِيهِ بَنو فلَان، أَلا ترى أَنَّهُ لَا يُقال بَنو قُرَيْش وَلَا بَنو ثَقِيف. وَقَالَ الشَّاعِر:

غلب المساميحَ الوليدُ سماحةًوَكفى قريشَ المعضلاتِ وسادَها
للشاعر عدي بن الرقاع، من قصيدة «عَرَفَ الدِّيَارَ تَوَهُّماً فاعْتَادَهَا»

وَقَالَ آخر:

بَكَى الخزُّ من روحٍ وَأنكر جلدَهوعجَّت عجيجًا من جذامَ المطارفِ
للشاعر حميدة بنت النعمان بن بشير، اقرأ القصيدة

وَقَالَ الْأَعْشَى:

ولسنا إِذا عدَّ الْحَصَا بأقلَّةٍوَإِن معدَّ اليومَ مودٍ دليلُهَا

وَمثله باهلة، وَهُوَ اسْم امرأةٍ لَا يُقالُ فِيهِ بَنو باهلة إِلَّا أَنَّهُ لَا يصرف وَإِن جُعِلَ اسمَ الحيّ من أجل التَّأْنِيث. وَنَظِير مَا وَصفنَا سبأ قد صُرِفَ وَترك صرفه، وَاخْتلف الْقُرَّاء فِيهِ فَصَرفهُ بَعضهم وَلم يصرفهُ بَعضهم، وأجراهُ بَعضهم على مَذْهَب الْحِكَايَة، وروى فَرْوَة - صَوَابه فَرْوَة بن مُسَيك الْغَطَفَانِي - عَن النَّبِيّ ﷺ أَنه سَأَلَ عَن سبأ أهوَ اسْم أَرض أم امْرَأَة، فَقَالَ: لَيْسَ بِأَرْض وَلَا امْرَأَة وَلكنه رجلٌ ولد عشرَة فتيامن مِنْهُم أَرْبَعَة وتشاءم سِتَّة. وَقد أَتَى فِي الْعَرَبيَّة مصروفًا وَغير مَصْرُوف قَالَ النَّابِغَة:

من سبأ الحاضرينَ مأربَ إِذْيبنونَ من دون سيله العَرِمَا
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «من سبأ الحاضرين مأرب إذ»

وَلم يذكر شَيْئا مِمَّا جَاءَ مِنْهُ مصروفًا فِي الشّعْر إِذْ لَا حجَّة فِيهِ من أجل جَوَاز صرف مَا ينْصَرف فِيهِ. وَبَيت النَّابِغَة هَذَا يشْهد لقَوْل من قَالَ: العرمُ المسنَّاة أَو الْبناء، ونصبه العرم بِالْفِعْلِ الَّذِي هُوَ يبنون كَأَنَّهُ قَالَ: يبنون العرم من دون سيله. وقصة مأرب والعرم من مَشْهُور الْقَصَص، قَالَ الْأَعْشَى:

فَفِي ذَاك للمؤتسي أُسْوَةومأرب قفَّي عَلَيْهَا العَرِمْ
للشاعر الأعشى، من قصيدة «أتهجر غانية أم تلم»

قفى مثل عفى، وأوّل القصيدة:

أتهجرُ غانيةً أَن تلهمّأم الحبلُ واهٍ بِهَا مُنْجَذِمْ
أم الصّبر أحجى فَإِن امْرَءًاسينفعه علمه إِن علم

وَذكر بعد هَذَا أبياتًا تشتملُ على جملَة من بنائِهم. وَقد اخْتلف فِي معنى العرم فقيلَ هُوَ الْبناء، وَقيل هُوَ المسناة بلغَة أهل الْيمن، وَقد قَالَ الْأَعْشَى فِي ذَلِكَ:

رخامٌ بَنَتْهُ لَهُم حميرإِذا جَاءَ دفَّاعه لَمْ يَرِم

وَقد يرْوى: إِذا جَاءَ ماؤهم. وَقيل العرم الفارة وأنَّها خرقت من المسناة موضعا فاتسع وَصَارَ نبعًا مُفْسِدا بلغَة أهل الْيمن، وَقَالَ الْأَعْشَى فِي ذَلِكَ:

سعى جرذٌ فيهم لَيْلَةفخانَ بِهم جارفٌ منهدمْ

ومِمَّا يُضارع هَذَا الْبَاب فِي بعض فصوله مَا أَتَى من ذكر أَسمَاء الْأُمَم ذَوي الْملَل الْمُخْتَلِفين فِي الآراء والنحل كالمجوس وَالْيَهُود، قَالَ الشَّاعِر:

أصاحَ ترى بُرَيْقًا هبَّ وَهناكنار مجوسَ تستعرُ استعارًا

وَقَالَ آخر:

فرَّت يَهودُ وأسلمتْ جيرانَهاصمّى لما فعلتْ يهودُ صمامِ
للشاعر الأسود النهشلي، من قصيدة «إن الأكارم من قريش كلها»

فَلم يصرف يهود على مَا بَيْننَا. وَقَالَت امْرَأَة من الْأَنْصَار:

رَحل الصومُ حامدًا مَحْمُودًا

خرج الصَّوْم حامدًا مَحْمُودًا

دخل الشرُّ فِي بيوتِ يهودا

وَقَالَ كَعْب بن مَالك الأَنْصَارِيّ يؤنب الْعَبَّاس بن مرداس السّلمِيّ فِي مدحه قُرَيْظَة وبكائه عَلَيْهِم، وَيُشِير إِلَى أَن مدحه الْأَنْصَار كَانَ أولى بِهِ.

أُولَئِكَ أولى من يهودَ بمدحةٍإِذا أَنْت يَوْمًا قُلْتَها لَمْ تؤنَّب

ونظيرُ هَذَا ثَمود، وكلامنا فِيهِ مستقصًى فِيمَا ألفناهُ من علومِ الْقُرْآن وَذكر مَنْ صرفه وَمن لَمْ يصرفهُ فِي شَيْء من الْقُرْآن، وَمن صرفه فِي بعض الْمَوَاضِع وَلم يصرفهُ فِي بَعْضهَا، وَهُوَ وَاسع جدًّا وإنَّما نذكرُ من هَذِه الْأَنْوَاع مَا يَدْعُو النَّاظر فِي كتَابنَا إِلَى التبغي فِي طلبه والحرص على استفادته، وَقد تركتُ الإطالة بشرحه فِي غير مَوْضِعه.

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من المجلِسُ السَّادس والتسعُون

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.