تجاوز إلى المحتوى

من «المقابسات» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)

المقابسة السادسة والأربعون في أقسام الموجود

قال النوشجاني يوماً في جملة كلام اقتضبه في أقسام الموجود: إن كل صنف من أصناف الموجود في حكم المعدوم لخساسته ونقصه وتهافته وفساد طبيعته، وطموس ضيائه، وقبح صورته، وإمحاء بهجته، وخمود شعاعه، وفقد تمامه، وتقطع نظامه، واستيلاء رذيلته، وبطلان فضيلته، فلا ينكر أن يكون في مقابلة صنف آخر من المعدوم في حكم الموجود بصحة صورته، ونفاسة جوهره، وكمال فضيلته، وظاهر عفته ونجدته، وبهاء همته، وغلبة عدالته، ونقاء سنخه، وصفاء سوسه، وطهارة عينه، وظاهر زينته، دوام نضرته، وتناسب جملته وتفصيله، وسائر ما لا يحيط القول به.

قال: والإشارة في هذين الفصلين بينة مكشوفة، ومتى لم تقف عليها من تلقاء نفسك بضياء عقلك وذكاء قريحتك، فصل إليها من جهة أرباب الحمة وأعلام الفلسفة، فإنك متى جربت هذه الأعراض، وتخللت هذه المعارف، وثبت على سمة العدل، تكنفتك الخيرات عاجلاً، والسعادات آجلاً، فتكون حينئذ موجوداً وإن عدمت، وباقياً وإن فنيت، وحاصلاً وإن فقدت، وثابتاً وإن نفيت، ومغبوطاً وإن رجمت، وحياً وإن مت، وظاهراً وإن بطنت، وجليلاً وإن خفيت، وواضحاً وإن أشكلت، وشاهداً وإن غبت، وقادراً وإن عجزت، ومعروفاً وإن أنكرت، وعالماً وإن جهلت؛ هناك تصل إلى غنى بلا قنية، وتنطق بلا عبارة، وتفعل بلا آلة، وتصيب بلا مشورة، وتعقل بلا مقدمة، وتبقى بلا آفة، وتلتذ بلا استحالة، وتنال بلا كدح، وتحيا بلا أذية، وتسعد بلا شؤم؛ آلهية ورثتها من البشرية، وربوبية وصلت إليها من العبودية، ومملكة استوليت عليها بالإنسية، وحال جلت عن رقم قلم وتزويق حبر، واستقصاء بيان، وتخيل وهم.

ثم قال: وقد مر الكلام فيما تقدم عن حال الإنسان في وجوده الثاني عن السعادة التي حصلت له، والحبور الذي ظفر به.

قال: وإنما تلطف هذا القول عليك لأنك تنظر إلى هذا الإنسان من قبل وهو في أستار الحس، وحد الجسم، وقشور البدن، وتحلل التركيب، وتصرف الطبيعة، وسيلان الطين، وذوبان العنصر. هذا مع سوء الاختيار، وفساد العقيدة، وقلة إيثار العفة والنجدة، والأخذ بالرخصة بعد الرخصة في مساعدة الشهوة، وتسلط الإرادات المردية المهلكة! ومتى يكون لهذا مرجوع وثمرة وفايدة؟ ولعمري لو قدس نفسه، وباين هواه، واختار الحق معتقداً، وآثر الخير مجتهداً، ونال من ضرورات الطبيعة مقتصداً، لانتعشت روحه، واستنار عقله، وذكت بصيرته، وصفت قريحته،

وصدق ظنه، ووضح حدسه، وأصابت فراسته، وكان التوفيق قائده، والسعادة غانيته، والغبطة حليته، والبقاء حليفه، والأبد نعته. وما أسهل هذا الوصف؟ على ما أقول، وعليك بالسماع، وما أصعبه علينا جميعاً بالعقل! وكيف لا يكون ذلك صعباً، والإنسان منوط بالطبيعة من طرف، ومضاف إلى العقل من طرف؟ فبالطبيعة يفزع إلى ما هو فساده وهلاكه، وبالعقل يختار ما هو صلاحه وكماله، لكن اختياره ضعيف فيه، لأنه عال في أفق العقل الذي هو موجب الواجب ومحسن الحسن، وإرادته الطبيعة قوية فيه، لأنها ناشئة منه، وكامنة فيه، ومترددة عليه، والنقص على الجمهور في كل حال وأمر. وأن العجب كل العجب ممن يكمل في دار النقص، أو يصح في عرصة العلل، أو يسلم في خطة البلوى، أو يلذ الصاب والعلقم، ويغفل عن غائلتهما وينعم؟!

وكان بعض الألهيين يقول: الإحسان من الإنسان زلة، والجميل منه فلتة، والعدل منه غريب، والعفة فيه عرض ضعيف. ومما يزيدك ثقة بما يصرف من القول به نقص هذا الإنسان الذي قد اكتنفه الفساد من كل جهة، وملكه الجهل بكل حال، أنا وجدنا في هذه الأيام من نظر إلى واد أغن بالكلأ قد استحلست الأرض به خضرة وندى وحسناً، فخف حين خالف عينه في أطرافه وبلغ به العجب إلى أن قال: ليتني كنت بقرة فكنت آكل من هذا كله أكلاً ذريعاً، وهكذا من أعلاه إلى أسفله، ومن أسفله إلى أعلاه. وكان يقول هذا وهو على شكل ظريف، لا سبيل للعلم إلى تقريره وإلى أدائه على وجهه وحقيقته، واللسان أيضاً لا يأتي على خواصه ومعانيه، وهو متحسر في قوله، على هيئة المجنون، لغلبة الإرادة الطبيعية، وقوة الحركة الحيوانية، وموت العقل الإنساني، وبطلان الشرف الجوهري فلما فشا عنه هذا الحديث وكثر، قال له بعض الفقهاء معنفاً ولائماً ومنبهاً له على خساسته: يا هذا، هل رأيت قط من تمنى وهو إنسان أن يكون بقرة

بسبب مكان معشب وكلأ كثير؟! فقال له مجيباً، وهو وادع النفس رخي البال، حاضر الفكر ساكن الطباع: أيها الشيخ، لو رأيت بعينك ما رأيته لتمنيت أن تكون كما تمنيت. وهذا يدل على أن الذي أثار شهوته في ذلك المكان لم يكن جوعاً قد توالى، ولا نهمة قد غلبت، بل كان نذالة النفس ولؤم الطباع، وسقوط الجوهر، وغباوة الروح، وقلة العقل.

فهل تظن حفظك الله بعد هذا بمن هذا حديثه وجملته وتفصيله، أن ينتعش من صرعته، أو يستبصر في شأنه، أو يهتدي لسعادته، أو يلتفت إلى معاده؟ وهل بين هذا وبين الحمار الذي هو حيوان نهاق فرق؟ بل قد سمعت بمن قال إن الحمار خير من هذا بكثير، لأن الحمار لازم لحده غير منحرف إلى ما ليس في قوته، وهذا قد بطل حده بإدارته، وجمع النقص كله لنفسه بقبح شهوته وفساد أمنيته. على أني شاهدت قبل هذا إنساناً متماسكاً وكان له حظ من التجربة بالسنن العالية والسفر البعيد، وكان متميزاً بمذاهب الصوفية، يقول يوماً، وقد أبصر حماراً يمشي: ليتني كنت هذا الحمار! فعجبت منه فضل عجب، وانكشف لي أنه إنما تمنى ذلك ليكون ناجياً من قلائده ومؤنة ما هو بعرضه وصدده عاجلاً، وما هو مأخوذ به، ومخوف منه ومعد له آجلاً، فكان عذر هذا عندي أخرج من كل الجهل، وأدخل في بعض الوهم. وإنما هجس هذا في ضميره وجاش على لسانه وافصح بذكره والتشدد فيه، لأنه كان جاهلاً بالجوهر الذي هو أشرف من الإنسان بحده الخالص من كل شوب، فنزل عن تلك الربوة العالية والذروة الشماء، أعني الجواهر العلوية الأبدية، وتمنى أن يكون حيواناً هو أخس من الإنسان عند كل إنسان، إلا إنه يحتاج في تسليم هذا ومعرفته إلى مقدمتين ونتيجة، بل العلم به أول والتسليم له ضرورة، لا لشيء إلا ليتخلص من عوارض الدنيا وكلف الحياة وضروات الطبيعة ومطالب الحواس، ولو أدرك بقوته شيئاً وعقله وحكم به، لصمد نحوه، وطلب الانتساب إليه، والإشراف

عليه، والنظام فيه، والتمام به، والبقاء معه. ولم يعد ناكصاً على عقبيه متمنياً لأن يكون على هيئة شيء هو الآن بنفسه أشرف نفساً وأكمل وزناً وأبقى شخصاً وأكرم جوهراً.

وأواصل هذا الفصل بحديث آخر دفعنا إليه في هذه الأيام لتكون هذه المقابسة مستوفاة، ولعلك لا تخلو فيه أيضاً من فائدة تكون رفداً لما سبق وإيقاظاً لنفسك في المستقبل، ترى الإنسان يبصر فيها، بل هي عيونه التي يرى فيها، بل هي حقوله التي يستثمرها، ونواضحه التي إذا نيل منها عرف كيف المعرس والمسرى وكيف الصبح إذا بدا وانجلى، وأبصر بين يديه كلما دب ودرج ونشأ.

شاهدنا في هذه الأيام شيخاً من أهل العلم ساءت حاله، وضاق رزقه واشتد نفور الناس عنه، ومقت معارفه له، فلما توالى هذا عليه دخل يوماً منزله ومد حبلاً إلى سقف البيت واختنق به، وكانت نفسه في ذلك. فلما عرفنا حاله جزعنا وتوجعنا وتناقلنا حديثه وتصرفنا فيه كل متصرف فقال بعض الحاضرين: لله دره! لقد عمل عمل الرجال! نعم ما أتاه واختاره! هذا يدل على عزازة النفس وكبر الهمة! لقد خلص نفسه من شقاء كان طال به، وحال كان ممقوتاً فيه مهجوراً من أجله، مع فاقة شديدة، وإضاقة متصلة، ووجه كلما أمه أعرض عنه، وباب كلما قصده أغلق دونه، وصديق إذا سأله اعتل عليه؟! فقيل لهذا العاذر: إن كان قد تخلص من هذا الذي وصفت على أنه لم يوقع نفسه في شقاء أخر، أعظم مما كان فيه وأهول، وأدوم وأبقى، فلعمري نعم ما عمل؟ لله أبوه ما أحسن ما اهتدى إليه وقوي عليه؟! وينبغي لكل عاقل أن يدفع إلى ما دفع إليه، ويقتدي به ويصير إلى رأيه واختياره؟ وإن كان قد سمع بلسان الشريعة أي شريعة شئت، القديمة والحديثة - النهى عن هذا وأشباهه، فقد أتى بما عجل الله به العقوبة والعار، وأجرى عليه عذاب النار. سبحان الله! أما كان يسمع من كل عاقل ولبيب، وعالم وأديب، ومن كل من يرجع إلى

مسكه، ويعرف أدنى فضيلة دع من يرجع إلى قوله وينتهي إلى صواب أمره، ويتهادى فنون سيرته وحاله النهي عن مثله والزجر عن ركوب ما هو دونه بكثير؟! فكيف لم يتهم نفسه، ولم يتعقب رأيه، ولم يشاور نصيحاً له! أهذا كله بسبب حال لو أنها كانت تنكشف عنه بما يتمنى بعد انحسارها إلى كثير مما ينسى معه القاسي؟ وقد علم أن أدنى ما في هذا الفعل المكروه بالعقل، الفاحش بالسماع، المقشعر منه بالطبع، ما يجب عليه التوقي بسبب ما قد انتشر بالشرائع وأجمع عليه الأول والآخر من كل جيل وطرف، في النهي عنه واستسقاط ما أقدم عليه؟ لأنه أمر متى ركب بالظن والتوهم للذين لم يؤيدا ببصيرة من عقل ولا عرضاً على عاقل، ثم استبان له في الثاني عوار ما آثره وخطأ ما عمل به، فاته التلافي ولم يمكنه الاستدراك ولا الرجوع! فلو لم يكن في هذه إلا ما يوجب عليه الشغل والاستبصار من أجل ما قاله العقل أو ورد به الإنباء بالعقل والوحي، لوجب أن لا يلقي بيده إلى التهلكة، ولا يختار ما يهجنه عليه أهل الروية والبديهة وأصحاب الديانة والمروءة، ولا ينقض العادة القائمة، ولا يخالف الآراء الحصيفة، ولا يستبدل برأي الطبيعة؟ فكيف وقد قضى العقل قضاء جزماً، وأوجب النظر إيجاباً حتماً، أنه لا يجب أن يفرق الإنسان بين هذه الأجزاء الملتحمة والأعضاء الملتئمة، وليس هو رابطها ولا هو على الحقيقة مالكها، بل هو ساكن في هذا الهيكل لمن أسكنه فيه وجعل عليه أجرة السكنى بعمارة المسكن وحفظه وتنقيته وإصلاحه وتصريفه على ما يعينه على طلب السعادة في العاجل والآجل؟! وكان سعيه مقصوراً على التزود إلى مبوأ صدق، ولا بد له من المصير إليه والمقام فيه، على أمر شامل، وخير غامر، وراحة متصلة، وغبطة دائمة، وحبور مستصحب. يث لا آفة ولا حاجة، ولا أذى ولا حسرة ولا أسف، ولا كمد، ولا فوت ولا تعذر. وهذا مع السيرة المرضية

وإيثار الأخلاق السنية، ومع اعتقاد الحق، وبث الصدق والإحسان إلى جميع الخلق. فأما إذا كانت الحال على خلاف هذا، فالشقاء الذي يتردد فيه وينعقد به، ويدفع إليه، يكون في وزن ذلك ومقابله.

نسأل الله الذي بيده ملكوت كل شيء أن يهدينا للتي هي أرشد في العاجلة وأسعد في العاقبة، فإنا إن خلونا من صنعه اللطيف، وبره المألوف، هلكنا وخسرنا أنفسنا، وعدنا في الثاني شر معاد، مع طول حسرة وشدة أسف.

اللهم فارحم ضعفنا واشملنا بإحسانك وتوفيقك حتى نتوجه إليك قاصدين، ونفوض أمرنا إلى تدبيرك راضين، ونتوكل عليك منيبين، ونصير إلى جوارك مشتاقين مخلصين يا رب العالمين.

قد تضمنت هذه المقابسة فنوناً من القول، وما أظن أني أسلم فيها عليك لشدة نظرك وتقليبك، ومع ذلك فهي غير خالية من بعض الفائدة وأنا أسألك أن تقبلها على تخيلها، وتهب بعضها بعضاً لتكون آخذاً بحكم المروة جارياً على هدى ذوي الفضل في حسن الإغماض عن شيء لعله يختل منه بعض الاختلال، ولا ينال من الصواب كل المنال، وأنت تفعل ذلك إيجاباً لحق أخيك، وذهاباً مع أحسن أخلاقك التي هي فيك.

النص من طبعة دار سعاد الصباح (١٩٩٢م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المقابسات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.