تجاوز إلى المحتوى

من «المقابسات» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)

المقابسة التاسعة والثمانون في كلمات في الزهد وترك الدنيا

نذكر في هذه المقابسة أشياء سمعناها من أبي سليمان في مجالس الأنس إن لم تكن في صدد الفلسفة فإنها لا تخرج من جملتها، ولها فائدتها التي يحتاج إليها ولا يستغنى في الأغلب عن الوقوف عليها، قلت له يوما: كيف أصبحت؟ قال: مالك الظاهر مملوك الباطن لا أفقد عدواً، ولا التذ إلا عفواً، إن حزنت حزنت طباعا، وإن فرحت فرحت خذاعاً، إن أنا خالطت ذممت الناس، وإن اعتزلت اجتلبت الوسواس، إن بحثت دهشت، وإن قدرت استوحشت، بهذا مسائي وصباحي، وعليه غدوي ورواحي، وأشوقا إلى وطء ذاك البساط،

واكربا من عقد هذا الرباط، يا لها سعادة لو وجدت بالجد والتشمير، وزهد من أجلها في النقير والقطمير. وهذا كما ترى.

وحدثنا يوماً قال: اجتزت بالري متوجهاً إلى سجستان سنة من السنين، وكان بها أبو جعفر الخازن فزرته فاضياً لحقه وسنه، لما انصرفت ابتعني برقعة يصحبها، يروي في الرقعة: بسم الله الرحمن الرحيم: من استحقر في قضاء حقوق الإخوان ما يبلغه عاجل الاستطاعة، فقد عرضها للتقصير والإضاعة، لأن الأيام لا تكاد تسعف بكل المراد، ولا تزول من عادتها في الفساد.

وجرى يوما بحضرة أبي سليمان حديث أحكام النجوم فقال: من طريف ما ظهر لنا منها إنه ولد في جيرتي ابن نباتة فقيل لي: لو أخذت الطالع؟ فأخذته وعرضته على علي بن يحيى فعمل وقوم فقال لنا فيما قال: هذا المولود يكون

كذب الناس! فتعجبنا منه! فدارت الأيام حتى ترعرع الغلام وبلغ وخرج شاعراً كما ترى، معدوداً في عصره ثم أنشدنا له مستحسناً:

وتأخذ من جوانبنا اللياليكما أخذ المساء من الصباح
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة
أما في أهلها رجل لبيبيحس فيشتكي ألم الجراح؟
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة
أرى التشمير فيها كالتوانيوحرمان العطية كالنجاح
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة
ومن لبس التراب كمن علاهوقد تخدعك أنفاس الرياح
وكيف يكد مهجته حريصيرى الأرزاق في ضرب القداح
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة

ثم أنشدتها ابن نباته فأقر لي بها.

وقلت لأبي سليمان يوماً: أنشدنا أبو زكريا الصميري عن ابن سمكة القمي عن ابن محارب الفيلسوف لنفسه:

صدفت عن الدنيا على حبي الدنياولا بد من دنيا لمن كان في الدنيا
للشاعر اسحاق بن محارب القمي، اقرأ القصيدة
وأدفعها عني بكفي ملالةوأجذبها جذب المخادع بالأخرى
للشاعر اسحاق بن محارب القمي، اقرأ القصيدة

فقال: هذا كلام رقيق الحاشية، حسن الطالع، مقبول الصورة، يدل على ذهن صاف، وقريحة شريفة، واختيار محمود، وذهن ناصع، ورأي بارع. ثم انظر إلى قول شيخنا أبي زكريا يحيى بن عدي فإنه أنشد يوما لخالد الكاتب:

لست أدري أطال ليلي أم لاكيف يدري بذاك من يتقلى
للشاعر خالد الكاتب، اقرأ القصيدة
لو تفرغت لاستطالت ليليولرعى النجوم كنت مخلاً

فقال له يحيى بعد أيام: قد عارضت خالد الكاتب في قوله! ثم أنشد:

إن يكن لا دري إلا المخلالست تدري إن كنت تدري أم لا
أو تكن دارياً بذاك فهلاكنت تدري أطال ليلك أم لا؟

قال: وانقلب أصحابنا عنه بالضحك والتعجب؟ انظر كيف يسلب الفاضل توفيقه في وقت مع البصيرة الثاقبة بالعلم! ولم ينشدنا أبو سليمان هذه ليحيى بن عدي حتى ألححنا عليه. وكذلك إنه قال: قد دل شعره على ركاكته في هذا الفن، والستر عليه أحسن بنا.

وكان أبو سليمان يستحسن للبديهي قوله:

لا تحسدن على تظاهر نعمةشخصاً تبيت له المنون بمرصد
أوليس بعد بلوغه آمالهيفضي إلى عدم كان لم يوجد؟
لو كنت أحسد ما تجاوز خاطريحسد النجوم على بقاء سرمدي
للشاعر أحمد الصابوني، اقرأ القصيدة

فقال: ما أفلح البديهي قط إلا في هذه الأبيات؟ وصدق كان غسيل الشعر، سريع القول.

فأما أبو سليمان فإنه كان يقرض البيت والبيتين، وينشدنا ذلك وينهى عن بثه عنه، ويقول: من انتحل لضعفه قوة غيره قحة وجسارة، فقد استجر إلى نفسه فضيحة وخسارة، فمن قوله:

وإن عزوف النفوس عمن يخوننيومعطى قيادي للحبيب المؤالف
أشاطره روحي ومال وأتقيحذاراً عليه من رياح عواصف
فإن خان عهدي لم أخنه وإن أكنعلى ما أرى من غدره بمواقف
وأترك عقباه لعقبي فعالهففي عقب الأيام كل التناصف

ومن قوله أيضاً:

بكيت على مفارقة الشبابوأيام البطانة التصابي
وأيام التغازل والدلالوأيام التجني والعتاب
مضت فكأنها لما تولتمعقبة نفيساً بالعقاب
لتبلي كل ملبوس جديدوتمزج كل معسول بصاب
بياض الشيب أعلام المنايانشرن نذيرة لك بالذهاب
هو الكفن الذي يبلى وشيكاًويأتي بعده كفن التراب

ثم قال: ألا قلال من هذا الباب أولى بنا، فلسنا من أهل هذا الفن، وسمة التقصير لائحة علينا، ودالة على نقصنا، وإن خفي ذلك بنظرنا، لأن الإنسان عاشق نفسه وليس بمؤاخذها على تقصيره. ثم قال لي: أنشدنا ما سمعنا منك لبعض الآلهيين فأنشدته:

لما تجاوز حسيوفات مسي ولمسي
ولم أزل أتقرادليل أبناء جنسي
فلم يكن ذاك يجديولا يعود بالسي
رجعت نحوى بشرطيغيب عني حسي
فلاح تحت ضلوعيما قد من قرن شمسي
فقلت هذا طريقيمن غير شك ولبس
وغصت حتى تجلىوأشرقت منه نفسي

فقال أبو سليمان: ما أحسن الأدب والحكمة إذا كان هذا من ثمرها؟

وسمعت أبا سليمان يقول للجرجاني الكاتب، وكان يحدث نفسه بالوزارة: أيها الرجل، إن الدنيا نار ذات دخان، فلو سلوت عن صلائها لدخانها، لكان أجدى وأسلم؟ فقال: أفلا أصبر على دخانها لا تنفع بضيائها، واستمتع بصلائها؟ فقال: ما أحسن هذه العارضة! لو كنت في الاستمتاع بضيائها على ثقة ومن الانتفاع بصلائها على يقين؟ وكنت إذا أدركت ذلك دام عليك وصفاً لك! فأما والعادة جارية بخلاف قولك وبضد اقتراحك وتوهمك، فلا. فقال الجرجاني: الله الموفق وهو حسبي.

فقال أبو سليمان: حكم الكتاب وأصحاب الخطابة مخايل، تصدق قليلاً وتكذب كثيراً، ليس لها رسوخ في القلب، ولا ثبات في العقد. فلما قتل الجرجاني قال أبو سليمان: مسكين ذلك الرجل، صبر على دخانها إلى أن اختنق، وتعرض لصلائها حتى احترق. ثم قال: اللهم لا تكلنا إلا إليك، ولا ترغبنا إلا فيما لديك، ولا تعرضنا إلا لطلب ما عندك، إنا لعجزة عن قدرة نطلبها بنا، وضعفة عن قوة ندعيها فينا، أرنا الحق حقاً ثم هيئنا لإتباعه، وأرنا الباطل باطلاً ثم وفقنا للإعراض عنه، يا من يملك العيان والخبر ويرينا بهما العجائب والعبر.

قد قوي رأيي أدام الله توفيقك أن لا تكون هذه المقابسة في هذا الموضع كأنها ناكبة عن أخواتها المواضي ولكنها على حال قد أخذت بنصيبها من الحسن، ولعها تفيد بعض الفائدة.

قيل لأبي سليمان: لماذا إذا جد السؤال جد المنع به.

فقال: لأن الحال يلتبس بشيء كالإغراء والإكداء والأرجاء، فيقع للمسؤل أنه قد ظلم، وأن السائل قد اعتدى، فإذا استقر هذا في نفسه

وتردد على باله لم يجد في عقابه شيئاً أقرب ولا أخصر من منعه ليكون ما أتاه من جنيته من جنس ما أتاه السائل من جنايته.

وهذا حفظك الله وإن لم يكن من سراة الفلسفة، ومن بحبوبة الحكمة، ومن غامض الفوائد، كان يجري مع إخوانه في مجالس هؤلاء الأعلام لسبب من الحفظ ولم يعرض لفائدة فكرهت أن لا يكون لها رسم في عرض ما روينا، وهذا الاعتذار مني قد تكرر، ولولا سوء ظني بالزمان وأهله لما رأيت أن إعادته تنفع وتكريره يفيد، والسلام.

النص من طبعة دار سعاد الصباح (١٩٩٢م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المقابسات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.