من «المقابسات» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)
المقابسة الثانية والتسعون في أن شرف العلم والمعرفة والفضائل هو سبب قلتها في هذا العالم
قال أبو سليمان: إنما صار العلم والمعرفة واليقين والفضائل بأسرها قليلة في هذا العالم لشرفها في أنفسها واتصالها بعالمها، وهكذا أعزه كل شيء شريف في نفسه وعزيز في جوهره، أنظر إلى المعادن في الأرض وإلى قلتها إذا تدبرت سائر الأجسام، ثم انظر إلى قلة الأشرف منها، وهو معدن الذهب، ثم انظر إلى بخل المعدن بما فيه إلا لمستحقه بالطلب والجهد والمعاناة والكدح، وهكذا المعارف والفضائل تعرف في هذا الجناب لأنها تنبو عنه فلا تقر فيه ولا تأنس به، فعلى هذا كلما اشتهر وفشا وكثر، فإما ذلك بمعونة الطبيعة وكثرة
المادة وغلبة الهيولى، ولاختلاف النفوس بأصناف المزاج والتربية، وإما كيفية النفس وارتضاء العقل وإنارة الفكر، وكان من باب الحقائق واليقين والطمأنينة والسكون وروح البال وطيب النفس قائماً ذلك بمعونة العقل واتصال بحوره وغزارة فيضه وغلبة سنخه، وتعهد الباري الذي إليه ينتهي القول والوهم، وعنده يقف النثر والنظم، وعليه يشتد اللهف، والذي هو الكل المستولي على الكل.
النص من طبعة دار سعاد الصباح (١٩٩٢م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع