تجاوز إلى المحتوى

من «المقابسات» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)

المقابسة الثالثة بعد المائة في أن الأشياء التي توجد بالعقل وبالحس كلها اتبعت العلل

قلت لعيسى بن زرعة أبي علي، وابن عبدان الطبيب حاضر: أنا شديد الحرص على معرفة شيء قد طال تخلجه في صدري مع مواصلة مسألتي عنه وحسن استفهامي لما فيه. فقال: ما هو؟ قلت أريد أن أعلم أن الإشياء التي نجدها بالحس والعقل كلها اتبعت العلل والعلل الأشياء؟ فقال لي: من أين ثارت عليك هذه المسألة؟ فقلت: رأيت جالينوس في منافع الأعضاء يذكر أموراً ويكشف دقائق وينثر عجائب وينشر حكماً جليلة، ولعمري إن ما خلده في ذلك الكتاب وقاله واستنبطه يكاد يكون عن وحي وإلهام فضلاً عن غير ذلك! فمما نزع إلى هذا البحث أني رأيته يصف العين ويذكر مكانها من الإنسان وأنها كالربيئة له والطليعة، وما دانا هذا وجرى معه، وذكر أيضاً الإحتياط في العين لكثرة آفات هذا العضو خاصة. فقيل له لو وجدت إحدى العينين في نقرة القفا والأخرى في وسط الجبهة لأمكن أن يقال جعلنا إحدى العينين من خلف لتكون وقاية وحراسة مما يكون هناك

ويحدث ويذكر الضرر الذي يعرض من تلك الجهة، فكأنك أيها الحكيم لما وجدت هذه الأمور على ما نظمت به وعنيت أثرت منها هذه الأغراض من المعاني بفضل عقلك وقوة بيانك ولطف إشارتك، فكأن الأشياء تابعة للعلل على هذا، والمتبع بمقالتك يقتضي أن العلل تابعة للأشياء، ليس الأشياء تابعة للعلل، بدليل ما ضربنا من المثل، لأنك هكذا وجدتها فعلى ما وجدتها بينتها ولو وجدتها على غير ما هي عليه لكان استنباطك على ما كنت تجدها عليه بفضل فحصك واستقرائك، فعلى هذا عللك التي شرحتها وحكمك التي استخرجتها تابعة لا موجبة؟

فقال في جواب ذلك ما أحكيه على قصوري عنه، وكان ابن عبدان الطبيب ينصر ما يقوله ويرتضيه، ولقد اضطرب على كثير مما قال. زعم في أول الجواب أن للمسألة غوصاً وأنها معروفة عند الأوائل، وقد أوسعونا فيها كلاماً كثيراً في الكتب معروفة، وأقول في هذا المكان ما يكون مقنعاً إن لم يكن كافياً: إن الأشياء التي من شأنها أن تكون معلولة هي تابعة لا محالة لعللها وإن اختلفت سبلها في اتباعها كما اختلفت أحوالها في كونها وفسادها والعلة ما دامت علة فإنها تقتضي شيئاً خاصاً، والشيء ما دام مقتضياً فإنه يتبع علته الخاصة به، وهي مع ذلك موجودة معه لا على معنى القران ولكن على معنى الوجوب، فقد قضى العقل أن مرتبة التابع دون مرتبة المتبوع، ودرجة المتبوع فوق درجة التابع. والعلل بنظر ما على ضربين: علل موضوعة، وعلل مصنوعة، والصناعة منقلبة للموضوع، لأن الوضع هو بالطبيعة في الأول، فإذا صحت هذه العبرة إنكشف أن الأشياء كلها عللها ومعلولاتها على وتيرة واحدة وسنن واحد في الوجود فمن العقل، وإن كانت موسومة بالتركيب بالعقل فالأشياء تابعة لعللها ما دامت العلل عللاً لها والعلة مستتبعة للأشياء ما دامت تابعة لها، فالإتصال بين العلل والمعلول

إتصال آلهي لا فضل له ولا بينونة فيه، وهذا كله إذا لحظت مبدأ الوجود بحسب حدك ونظرك واستخراجك، فأما ما عليه العلة في وجودها وما عليه المعلول في وجوده معلولاً، فأمر لا يتميز إلا بالترتيب الذي تكرر القول فيه. فجالينوس قد هجم بنظره وفحصه على علتين: إحداهما موضوعة لذلك ومطبوعة على ذلك، والأخرى يدنيها منها وضيفها إليها ويشبهها بها اقتداراً بالعقل البشري وتصرفاً بالقياس الأنسي، وإثارة للحكمة الآلهية، واستنارة بالحال التوحيدية. فالعلة الأولى طباعية، والأخرى صناعية. والقياس المشار إليه من الأولى برهاني، والقياس المدلول عليه من الأخرى بياني، وإنمايفزع في وقت بعد وقت إلى ما هو دون البرهان، لأن خفايا الأشياء وأسرارها وزواياها في أعماقها كثيرة. والعقل الهيولاني لا يفني في هذا الجسم الجزئي كل الإضاءات ولا ترى كل ذلك. فلذلك ما ترى صاحب هذا العقل يطمئن مرة ويقلق مرة، لأن النفس تمر به كالبرق إذا استنار أو كالنجم إذا هوى.

قال: والكلام في هذا الباب أطول مما يظن قد تجلى بهذا القدر شيء يمكن أن يكتفي به مع التخليص فيه. وأعدت هذا بعد على أبي سليمان فقال لي: قد تجد علة في شيء من الأشياء تكون ذاتية فلا ثمرة لها عندك إلا أن تعرف أنها كذلك فقط، وقد تجد علة أخرى لشيء آخر ولا تكون ذاتية له لأن أخرى تزاحمها، إلا أن العقل يرتع فيها وينبسط في استنباط الحكمة منها. والحال الأولى من العقل شبيهة بما في العقل، وكل ما في القوة فليس للعق منه إلا الأينية والكمية والكيفية. ثم قال: فعلى هذا التأسيس الأشياء تابعة للعلل لأنها معلولاتها، والعلل مستتبعة للمعلولات لأنها علل لها. وهذا بشرح العقل لا بترتيب الحس، ولا يتجرد لحظ العقل إلا بشركة من المعلول. وإذا علوت عن هذه قليلاً لم تجد ما ينبغي أن يعطي حد العلة ولا حد المعلول. وإذا علوت عن هذه قليلاً لم تجد ما ينبغي أن يعطي حد العلة ولا حد المعلول، وإنما ترسم هذه الأسماء والألقاب ما دامت تتصفح الأمور وتقيس بعضها ببعض، وتستعمل أسماءها وتثبت صفاتها، ولو خلص النظر من هذا كله

لم يشهد الأوجد وإلا واحد وإلا ما اخترعته لفظي ولا بيان له قوى؟ فائتة في هذه المضايق بقوى نفسك وتهدي عقلك، ودع عنك الغامض وغامض الغامض فإن ذلك يهيضك ويكدك.

النص من طبعة دار سعاد الصباح (١٩٩٢م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المقابسات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.