تجاوز إلى المحتوى

من «ربيع الأبرار ونصوص الأخيار» للزمخشري (ت ٥٣٨هـ)

الباب الثالث والثمانون المنطق، وذكر الخطب، والشعر، والفصاحة والبلاغة، والعيّ، والإفحام، والإيجاز وما اتصل بذلك

النبي ﷺ: أنا أفصح العرب غير أني من قريش واسترضعت في بني سعد بن بكر.

ولما ردته حليمة السعدية إلى مكة نظر إليه عبد المطلب وقد نما نمو الهلال، وهو يتكلم بفصاحة، فامتلأ سرورا وقال: جمال قريش، وفصاحة سعد، وحلاوة يثرب.

وكان شبيب بن شيبة من أفصح الناس وهو من بني سعد، وفيه يقول أبو نخلة:

إذا غدت سعد على شبيبهاعلى فتاها وعلى خطيبها
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
من مطلع الشمس إلى مغيبهاعجبت من كثرتها وطيبها
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة

وعنه ﷺ: سيكون بعدي أمراء يعظون الحكمة على منابرهم قلوبهم أنتن من الجيف.

سمع النبي ﷺ من عمه العباس، فقال له: بارك الله لك يا عم في جمالك. أي في فصاحتك.

- وعنه ﵊ الجمال في اللسان.

- وقال ﷺ لحسان: قل فو الله لقولك أشدّ عليهم من وقع السهام في غلس الظلام.

أقبح الكلام إكثار تنبسط حواشيه، وتنقبض معانيه، لا يرى معه أمد، ولا ينتفع به أحد.

يونس بن حبيب: ليس لعييّ مروءة، ولا لمنقوص البيان بهاء ولو حك بنافوخه عنان السماء.

العجلة قيد الكلام.

مطرف: إن للكلام الطيب حول العرش دويا كدوي النحل.

أطال خطيب بين يدي الإسكندر فزبره، وقال: ليس تحسن الخطبة بقدر طاقة الخاطب، ولكن على حسب طاقة السامع.

أعرابي: نحن أمراء الكلام: فينا وشجت أعراقه، ولنا تعطفت أغصانه، وعلينا تهدلت ثماره، فنجني منه ما أحلولى وعذب، ونترك منه ما أملولح وخبث.

قال المهدي للربيع: أخبرني عن أرق بيت قالته العرب، قال:

بيت أمريء القيس وما ذرفت عيناك. فقال: هذا بيت قد داسته العامة، ولكن:

ومما شجاني أنها يوم أعرضتتولت وماء العين في الجفن حائر
فلما أفاهت من بعيد بنظرةإليّ التفاتا أسلمته المحاجر

قيل في عمرو بن الأهتم المنقري وهو المكحل، وكان من الخطباء الشعراء: كأن شعره في مجالس الملوك حلل منشرة.

العتابي في أبي نؤاس: لو أدرك الخبيث الجاهلية لما فضل عليه أحد.

أبو نؤاس للمحدثين كامرىء القيس للأوائل، وهو فتح لهم هذه الفطن ودلهم على المعاني.

دعبل جمعت بين أبي نؤاس ومسلم فأنشده: أجارة بيتينا أبوك غيور. وأنشده مسلم قصيدته التي فيها:

لله من هاشم في أرضه جبلوأنت وابنك ركنا ذلك الجبل
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أجررت حبل خليع في الصبا غزل»

فقلت لأبي نؤاس: كيف رأيته؟ قال: هو أشعر الناس بعدي، وسألت مسلما فقال: أنا أشعر الناس بعده.

جرير: أدركت الأخطل وله ناب واحد، ولو أدركته وله نابان لأكلني.

سئل علي ﵇ عن اللسان، فقال: هو معيار أطاشه الجهل وأرجحه العقل.

قال المعتصم لأحمد بن داود: إني لأسألك عما أعرف لأسمع حسن ما تصف.

قلما ينصف اللسان في وصف إساءة أو إحسان.

زياد ابن أبيه: الشعر أدنى مروءة السري، وأسرى مروءة الدني.

قال معاوية لعبد الرّحمن بن الحكم: بلغني أنك لهجت بقول الشعر، قال: هو ذاك، قال: فإياك والمدح، فإنه طعمة الوقاح من الرجال، وإياك والهجاء، فإنك تحنق به كريما، وتستثير به لئيما، وإياك والتشبيب بالنساء، فإنك تفضح الشريفة، وتغر العفيفة. ولكن أفخر بمفاخر قومك، وقل من الأشعار ما تزين به نفسك، وتؤدب به غيرك.

قيل لأبي علي الأموي: دعبل أشعر أم الطائي؟ فقال: أما إني والله خائف أن أصفع دعبلا بنعل الطائي فأضع من قدر صاحبها.

سهل بن هارون: اللسان والشعر الجيد لا يكادان يجتمعان في أحد.

سمع خالد بن صفوان مكثارا يتكلم، فقال: يا هذا، ليست البلاغة بخفة اللسان، وكثرة الهذيان، ولكنها إصابة المعنى، والقصد إلى الحجة.

ابن المعتز:

ليس له ناقد فيعرفهوآفة التبر ضعف منتقده

عبيد بن سفيان العكلي:

فتى كان يعلو مفرق الحق قولهإذا الخطباء الصيد عضل قيلها

علي ﵇: اللسان سبع إن خلا عقر.

سمع الرشيد أولاده يتعاطون الغريب في محاورتهم، فقال: لا تحملوا ألسنكم على الوحشي من الكلام، ولا تعودوها الغريب المستشنع، ولا السفساف المتصنع، واعتمدوا سهولة الكلام ما ارتفع عن طبقات

العامة، وانخفض عن درجة المتشدقين، وتمثل ببيت الخطفي جد جرير:

إذا نلت إنسي المقالة فليكنبه ظهر وحشي الكلام محرّما

عرضت على المتوكل جارية شاعرة، فسأل أبا العيناء أن يستجيزها، قال: أحمد الله كثيرا. فقالت: حين أنشاك ضريرا، فقال: يا أمير المؤمنين قد أحسنت في إساءتها. فاشتراها.

قيل للفرزدق: ما صيرك إلى القصار بعد الطول؟ فقال: إني رأيتها في الصدور أولج، وفي المحافل أجول.

قال بعض الشعراء:

أزبيدة ابنة جعفرطوبى لزائرك المثاب»
تعطين من رجليك ماتعطي الأكف من الرغاب

فبادر العبيد ليوقعوا به، فقالت زبيدة: كفوا عنه فإنه لم يرد إلّا خيرا، ومن أراد خيرا فأخطأ خير ممن أراد شرا فأصاب، سمع الناس يقولون: قفاك أحسن وجه غيرك، وشمالك أندى من يمين سواك. فقدر أن هذا مثل ذاك. أعطوه ما أمل وعرفوه ما جهل.

قال أبو سفيان لابن الزبعري: لو أسهبت، فقال: حسبك من الشعر غرة واضحة، أو سمة فاضحة.

فيلسوف: كما أن الآنية تمتحن بأطنابها، فيعرف صحيحها من منكسرها، فكذلك الإنسان يتعرف حاله بمنطقه.

قال عبد الملك لرجل: حدّثني، قال: يا أمير المؤمنين افتتح، فإن الحديث يفتح بعضه بعضا.

خالد بن صفوان: لا تكن بليغا حتى تكلم أمتك السوداء، في الليلة الظلماء، في الحاجة المهمة، بما تتكلم به في نادي قومك. وإنما اللسان عضو إذا مرنته مرّن وإذا أهملته حار.

حكيم: إن اللسان إذا كثرت حركته رقت عذبته.

دعبل:

يسل من فكيه كالحسامصفيحة تلعب بالكلام
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «يصافح الموت بوجه دام»

قيل لسهل بن هارون: ما البلاغة؟ فقال: الكلام المنحدر على الغريزة على رسل تحدر الدر من عقد أسلمته كف جارية إلى حجرها، لا يحمل فيه اللسان على غير مذهب السجية فيظهر فيه فج التكلف.

أعرابي: أخذ بزمام الكلام فقاده أسهل مقاد، وساقه أحسن مساق، حتى استرجع به القلوب النافرة، واستصرف به الأبصار الطامحة.

وقع جعفر البرمكي على ظهر رقعة قصيرة: إذا كان الإكثار أبلغ كان الإيجاز تقصيرا، وإذا كان الإيجاز كافيا كان الإكثار عيا.

أعرابي: كان والله مطلول المحادثة، ينبذ إليك الكلام على أدراجه، كأن في كل ركن من أركانه قلبا يعقل.

قيل لأعرابي: ما بال مراثيكم أجود؟ فقال: لأنا نقولها وأكبادنا تحترق.

سئل بعض العلماء عن بلاغة الأمين فقال: والله لقد أتته الخلافة يوم الجمعة، فما كان إلّا ساعة حتى نودي الصلاة قائمة، فخرج

ورقي المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، وخصوصا يا بني العباس، إن المنون مراصد ذوي الأنفاس، حتم من الله لا يدفع حلوله، ولا ينكر نزوله، فارتجعوا قلوبكم من الحزن على الماضي إلى السرور بالباقي تجروا أثواب الصابرين، وتعطوا أجور الشاكرين. فتعجبوا من بلة ريقه وجودة عارضته.

ذكر الحسن بني أمية وخطبهم فقال: أخصب ألسنة وأجدب قلوب. قال المبرد: قلت لمجنون أجز لي هذا البيت:

أرى اليوم يوما قد تكاثف يومهوإبراقه فاليوم لا شك ماطر

فقال:

وقد حجبت فيه السحائب شمسهكما حجبت ورد الخدود المعاجر

أعرابي: قد رعى الشيح، واستروح تلك الريح.

رؤبة: ما رأيت أروى لأشعارنا من أبي مسلم من رجل يرتضح لكنة أعجمية.

قال أبو زيد: وإذا قال رؤبة لرجل يرتضخ لكنة فهو من أفصح الناس.

فيلسوف: من كانت له حكمة أو أدب فلينطق به، فإن السكوت أولى بالجاهل من الأديب.

أعرابي: كان لسانه أرق من ورقة، وألين من سرقة.

قال رسول الله ﷺ لحسان: ما بقي من لسانك؟ فأخرج لسانه حتى ضرب بطرفه جبهته، ثم قال: والله ما يسرني به مقول من معد، والله لو وضعته على صخر لفلقه، أو على شعر لحلقه.

عرض عقبة بن رؤبة على أبيه شعرا فقال: كيف تراه؟ قال:

إن أباك ليعرض له مثل هذا يمينا وشمالا فلا يلتفت إليه.

قيل لابن المقفع: لم لا تقول الشعر؟ فقال: الذي يجيئني لا أرضاه، والذي أراه لا يجيئني.

قال الهيثم بن صالح لابنه: يا بني، إذا أقللت من الكلام أكثرت من الصواب، وإذا أكثرت من الكلام أقللت من الصواب، قال: يا أبت، فإن أكثرت وأكثرت، يعني كلاما وصوابا، قال: يا بني، ما رأيت موعوظا أحق بأن يكون واعظا منك.

أنشد الجاحظ:

فإن المنبر الشرقي يشكوعلى العلّاف إسحاق بن شمر
أضبيّ على خشبات ملككمركب ثعلب ظهر الهزبر

الأحنف: الكلام أفضل من الصمت، لأن الصمت لا يعدو فضله فاعله، وفضل المنطق ينتفع به من سمعه.

الكلمة مربوقة ما لم تنجم من الفم، فإذا نجمت فهي سبع مجرب أو نار تلهّب.

حصر خطيب بعد قوله الحمد لله فكرره، فقال مخنث: الذي ابتلانا بك.

قيل لكثّير: كيف تصنع إذا عز عليك قول الشعر؟ قال:

أطوف في الرباع المحيلة، والرياض المعشبة، فيسهل علي أريضه، ويسرع إلي أحسنه.

آخر: ما استدعى شارد الشعر بمثل الماء الجاري، والشرف العالي، والمكان الخضر الخالي. وله أوقات يسرع فيها أتيه ويسمح أبيه.

قيل لزيد بن علي: الصمت خير أم الكلام؟ فقال: أخزى الله المساكنة! فما أفسدها للسان وأخلبها للحصر ! فو الله لمماراة ساعة أسرع هدم العي من النار في يبيس العرفج. ومن السيل في الحدور.

أفحم النابغة الجعدي أربعين عاما، ثم أن بني جعدة غزوا وظفروا، فاستخفه الفرح، فرام القريض فذل له ما ساتصعب عليه. فقالوا والله لنحن باطلاق لسان شاعرنا أسر منا بالظفر بعدونا.

بعض المازنيين:

ختم الإله على لسان عذافرختما فليس على الكلام بقادر
وإذا أراد النطق خلت لسانهلحما يحركه لصقر فاقر

كان بعض ولد الزبير يسأل عما لا يحفظ من شعر عمر بن أبي ربيعة، فإذا ذكر له شيء كتبه ويده ترتعد من الفرح.

كان جرير إذا أنشد شعر عمر بن أبي ربيعة قال: شعر تهام إذا أنجد وجد البرد، حتى إذا سمع قوله:

رأت رجلا أيما إذا الشمس عارضتفيضحى وأيما بالعشي فيخصر

فقال: ما زال هذا القرشي يهذي حتى قال الشعر.

أبو نؤاس: ما قلت الشعر حتى رويت لستين امرأة منهن الخنساء وليلى، فما ظنك بالرجال؟.

قيل للزهري: ههنا قوم نساك يعيبون رواية الشعر، قال نسكوا نسكا أعجميا.

وعن مسلم بن يسار سمعت ابن المسيب ينشد شعرا، فقلت:

أتنشد الشعر؟ فقال: أو ما تنشدون؟ قلت: لا، قال: لقد نسكتم نسكا أعجمية، وقد قال رسول الله: شر النسك نسك الأعاجم.

قال رسول الله ﷺ: الشعر جزل من كلام العرب يشفى به الغيظ، ويوصل به إلى المجلس، وتقضى به الحاجة.

الخليل بن أحمد: الشعراء أمراء الكلام، يصرفونه أنّى شاؤوا وجاز لهم فيه ما لا يجوز لغيرهم من إطلاق المعنى وتقييده، ومن تسهيل اللفظ وتعقيده، ومد مقصوره وقصر محدوده، والجمع بين لغاته، وترصيف بين صلاته، واستخراج ما كلّت الألسن عن نعته، والأذهان عن فمه.

يبعدون القريب، ويقربون البعيد، يحتج بهم ولا يحتج عليهم.

بعض الروم: اختصار المعاني وحذف الفضول سلالة البلاغة.

[شاعر]:

أبى الشعر إلّا أن يفيء رديئهعليّ ويأبى منه ما كان محكما
فياليتني إذ لم أجد حوك وشيهولم أك من فرسانه كنت مفحما

مدح الفرزدق هشاما فأجازه بأربعة لآف، فتسخطها وتمثل ببيت زهير:

ومن يجعل المعروف من دون عرضهيفره ومن لا يتقي الشتم يشتم
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «أمن أم أوفى دمنة لم تكلم»

ومدحه جرير فكان مثل ذلك، فحكي للفرزدق فقال: نعم شيطاننا واحد، يلم به مرة وبي مرة.

سئل بعضهم عن البلاغة فقال: من عمد إلى معان كثيرة فأداها بلفظ قليل، أو معان قليلة ففخمها بلفظ جليل.

قال سليمان بن زيد العدوي لعمرو بن عبيد: يا أبا عثمان، قلبي متأق من الشعر. فقال له: قل في رفض الدنيا. فجعل شعره في الزهد.

قيل لعمرو بن عبيد: ما البلاغة؟ قال: ما بلغ بك الجنة، وعدل بك عن النار، وما بصرك مواقع رشدك، وعواقب غيك. حتى قال:

كأنك تريد تخير اللفظ في حسن إفهام.

الشعبي: كنت أحدث عبد الملك وهو يأكل، فيحبس اللقمة، فأقول؛ أجزها أصلحك الله فإن الحديث من ورائك، فيقول:

والله لحديثك أحبّ إلي منها.

ابن عيينة: الصمت منام العلم، والمنطق يقظته، ولا منام إلّا بيقظة، ولا يقظة إلّا بمنام.

ابن المبارك ﵀:

وهذا اللسان بريد الفؤاديدل الرجال على عقله

ليث بن نصر بن سيار: كنت أجمع بين رؤبة وابنه عقبة فيتسابان، فيقول له عقبة: أنا أشعر منك، فيقول له رؤبة: أسكت فانك ذهبان الشعر. يريد يسقط شعرك فلا يروى، وهو صفة على فعلان من الذهاب، كذلك فرس قطوان وصميان.

سئل يونس بن حبيب: أي الثلاثة أشعر؟ يعني جريرا والفرزدق والأخطل. قال: اتفقت العلماء على أن أشعرهم الأخطل. قيل من هم؟

قال: أبو عمرو بن العلاء، وعبد الله بن أبي إسحاق، وميمون الأقرن، وعنبسة الفيل، وعيسى بن عمر، هؤلاء الذين طرقوا الكلام وما شوه، فعلموا أمثلة وأبينة، لا كمن تحكون عنهم لا بدبريين ولا نحويين.

الفضل بن الربيع: إن من الشعر بيوتا ملس المتون، قليلة العيون، إن فقدتها لم تبالها، وإن سمعتها لم تفكه لها.

وصف رجل قوما بالعي فقال: منهم من ينقطع كلامه قبل أن يصل إلى لسانه، ومنهم من لا يبلغ كلامه أذن جليسه ومنهم من يفسد الآذان فيحملها إلى الأذهان شرا طويلا.

قيل لمعافي بن عمران: ما تقول في رجل يقول الشعر يلهج به؟ قال: هو عمرك فافته بما شئت.

ابن الرومي:

لقد ذهب الشعر والقائلوهوقل البصير بأبصارهم
فلو أن محتسبا عادلاعلى الشعراء وأشعارهم
لأفلت من يده عشرهمودرر تسعة أعشارهم

لقمان: يا بني، لا تقبل بحديثك على من لا يسمعه، فإن نقل الصخور من رؤوس الجبال أيسر من محادثة من لا يسمع.

عمر ﵁: من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه قسا قلبه، ومن قسا قلبه قل ورعه.

زياد بن أبيه: لحديث أسمعه من عاقل أحب من سلافة فثئت بماء ثغب في يوم ذي وديقة.

يجيش صدره إذا ارتجل كما جاش بجزل الحطب المرجل.

إن هذه الأبيان لا تتجاوز الأبيات.

ليس من الصيارفة الصيارفة الجهابذة، وما كلامه إلّا من خرافات الهرابذة. الهرابذة جمع هربذ وهو القائم على نار المجوس.

يقال: للمسحل: ينحت عن غير عضاهه، ويغرف من غير مياهه.

الكلمة إذا ندت من الفم لم يملك مقودها.

[شاعر]:

القول لا تملكه إذا نماكالسهم لا تملكه إذا رمى

لقي وجه الصواب ولقن فصل الخطاب.

من هو أقل من الصواب في مفرقي يتتبع الصواب في منطقي.

قال أعرابي لابنه: مالك ساكتا والناس يتكلمون؟ قال: لا أحسن ما يحسنون. قال: إن قيل لا فقل أنت نعم، وإن قيل نعم فقل أنت لا، وشاغبهم ولا تقعد غفلا لا يشعر بك.

كان ذو الرمة يقول: إذا قلت كأن ولم أجد لها مخرجا فقطع الله لساني.

أبو جعدة: ما أبرم عمر بن الخطاب ﵁ أمرا قط إلّا تمثل ببيت شعر معقر بن حمار البارقي:

الشعر لب المرء يعرضهوالقول مثل نوافذ النبل
منه المقصّر عن رميتهونوافذ يذهبن بالخبل

سئل جرير عن نصيب فقال: هو أشعر أهل جلدته. فقال عمر ابن لجأ: ما يقال لمثله أشعر أهل جلدته، ولا أشعر أهل بلدته. يقال:

أشعر الناس وإن كان فيهم من هو أشعر منه.

لكل شيء لسان، ولسان الزمان الشعر.

أبو بكر ﵁: مرّ به رجل معه ثوب، فقال:

أتبيعه؟ قال: لا رحمك الله. فقال أبو بكر: قد قومت ألسنتكم لو تستقيمون، ألا قلت: لا ورحمك الله.

ومنه ما حكي أن المأمون قال ليحيى بن أكثم: هل تغديت؟

قال: لا وأيد الله أمير المؤمنين. فقال المأمون: ما أظرف هذه الواو وأحسن موقعها!.

وكان الصاحب يقول هذه الواو أحسن من واوات الأصداغ.

يقال للحشو الحسن، نحو قوله وبلغتها، حشو اللوزينج، وللحشو القبيح حشو الأكر.

قال جحظة: أنشدت أبا الصقر فقال: يا أبا الحسن، لا تزال تأتينا بالغرر الدرر إذا جاءنا غيرك بحشو الأكر.

محمد بن الحسين بن علي: إني أكره أن يكون مقدار اللسان من الرجل فاضلا على مقدار علمه، كما أكره أن يكون مقدار علمه زائدا على مقدار عقله.

حج مع ابن المنكدر شبان، فكانوا إذا رأوا امرأة جميلة قالوا قد برقنا، وهم يظنون أنه لا يفطن، فرأوا قبة فيها امرأة فقالوا بارقة، وكانت قبيحة، فقال ابن المنكدر صاعقة.

وكان أصحاب أبي علي الثقفي إذا رأوا جميلة قالوا: حجة، فعنت لهم قبيحة، فقال لهم داحضة.

شر الخطباء من إذا خطب خبط.

اللسان سبع صغير الجرم عظيم الجرم.

أطال ربيعة الرأي الكلام وعنده أعرابي، فقال له: ما تعدون البلاغة فيكم؟ قال: ضد ما كنت فيه منذ اليوم.

عمر ﵁: أقل أهل المروءات أقدارا من كان الشعر دليل مروءته.

وفد عمر بن أبي ربيعة على عبد الملك فرحب به وأجلسه على سريره، فقال له: يا أبا الخطاب، هل أطرافتنا ببعض مديحك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن آل المغيرة كانوا يمدحون ولا يمدحون، ولست أول من أبدع ذلك فيهم. فقال: إذا كان الشاعر من قريش فليكن مثله.

عيسى بن فرخانشاه:

سحبان يقصر عن بحور بيانهعجزا ويغرق منه تحت عباب
وكذاك قس ناطقا بعكاظهيعيي لديه بحجة وجواب

استوفد الفضل بن سهل مسلم بن الوليد من البصرة إلى مرو فأمره بمعارضة دالية طرفة، فكان يغدو ويروح يكتب بين كل سطرين سطرا، فلما فرغ قال المأمون: تمنّ. قال: قرية القر بجرجان. فاشتريت له، فهي اليوم لعقبه.

كان شبيب بن شيبة المنقري أحد الخطباء المصاقع، فأمره المهدي بقتل رجل من أسارى الروم فأبى، فقال أبو الهول الحميري:

فزعت من الرومي وهو مقيدفكيف إذا لا قيته وهو مطلق
فنح شبيبا عن قراع كتيبةوأدن شبيبا من كلام يلفق

فلم يخطب بعد هذا البيت خطبة إلّا وفيها اضطراب.

كتب إبراهيم بن المهدي: إيّاك والتتبع لوحشي الكلام طمعا في نيل البلاغة، فإن ذلك العناء الأكبر، وعليك بما سهل مع تجنبك ألفاظه السفل.

قال شبيب بن شيبة: ما رأيت أبين بيانا، ولا أرق لسانا، ولا أربط جأشا، ولا أبل ريقا، ولا أغمض عروقا، ولا أومض بروقا، في تناثر كلامه، إذا وقف للخطبة على مقامه، من صالح ابن أمير المؤمنين أبي جعفر.

قال من سمع ذلك: ما رأيت بعد ذلك صالحا إلّا أربدت عيني عنه وعن كنه النظر إليه هيبة وجلالا.

قالت جارية ابن السماك له: ما أحسن كلامك لولا أنك تكثر تكراره، وتكرار ترداده! قال: أردده يفهمه من لم يفهمه. قالت: فإلى أن يفهمه من لم يفهمه قد مله من فهمه.

بعث إلى الوليد عمه عبد الله بقطيفة، وكتب إليه: بعثت إليك بقطيفة حمراء حمراء حمراء. فكتب إليه: وصلت القطيفة وأنت يا عم أحمق أحمق أحمق.

عمر ﵁: تعلموا محاسن الشعر فإنه يدل على مكارم الأخلاق.

مكتوب في التوراة: لا يعاد الحديث مرتين.

الشعبي: وجهني عبد الملك إلى أخيه عبد العزيز، فقدمت عليه مصر وهو واليها، فقدمت على رجل سخي صدوق اللسان، فقلت له يوما: أصلح الله الأمير، إنك تبلغ في منطقك وأنت في مجلسك. ولا

تفعل ذلك على منبرك، فقال: يا شعبي، إنني لأستحي من الله أن أقول على منبري خلاف ما يعلم الله من قلبي.

القول على حسب همة القائل يقع، والسيف بقدر عضد الضارب يقطع.

دارا الأكبر: خير الكلام حمد من خلق ورزق، وأنطق ووفق.

ابن عمرو الكندي قال لابنه امرىء القيس: يا بني إن أحسن الشعر أكذبه، ولا يحسن الكذب بالملوك.

لما ورد قتيبة بن مسلم خراسان قال: من كان في يده شيء من مال عبد الله بن خازم فلينبذه، ومن كان في فيه فيلفظه، ومن كان في صدره فلينفثه. فتعجبوا من حسن تفصيله.

تكلم قوم عند سليمان بن عبد الملك فأساؤوا، ثم تكلم رجل فأحسن، فقال: كان كلامه غب كلامهم مطرة لبدت عجاجه.

قال المهتدي بالله الخليفة من بني العباس: عاون على الخير تغنم، ولا تجزه فتندم. فقيل له: هذا بيت شعر. فقال والله ما تعمدته.

قال المعتضد لأحمد أبي الطيب: يا سرخسي، إن في لسانك طولا وفي عقلك قصرا.

قال معاوية لصحار بن عياش العبدي: ما هذه البلاغة فيكم؟

قال: شيء يعتلج في صدورنا فنقذفه على ألسنتنا كما يقذف البحر الزبد.

أوفد زياد ابنه عبيد الله على معاوية، فقال له: أقرأت القرآن؟ قال: نعم، قال: أفرضت الفرائض؟ قال: نعم، قال: أرويت الشعر؟ قال: لا. فكتب إلى زياد: بارك الله لك في إبنك، فقد وجدته

كاملا، فروّه الشعر، فإني سمعت عمر بن الخطاب يقول: ارووا الشعر فإنه يدل على محاسن الأخلاق وينفي مساوئها، وتعلموا الأنساب فربّ رحم مجهول قد وصلت بعرفان النسب، وتعلموا من النجوم ما يدلكم على سبلكم في البر والبحر ولا تجاوزوا.

ولقد هممت بالهرب يوم صفين فما ثبتني إلّا قول عمرو بن الأطنابة:

أقول لها إذا جشأت وجاشتمكانك تحمدي أو تستريحي

بعضهم: ما كتبت كتابا إلى ابن المقفع فاجتهدت في إيجازه إلّا كتب أوجز منه. كتبت إليه نحن صالحون فكيف أنتم؟ فكتب: نحن لكم.

قيل للعتابي: ما البلاغة؟ قال: كل من أفهمك حاجته دون إعادة ولا حبسة ولا استعانة فهو بليغ. قيل له: وما الاستعانة؟ قال:

أما تره إذا حدث قال: يا هناه، واسمع إلي، وأفهم، وأ لست تفهم؟ هذا كله عي وفساد.

أنشد عبد الرحمن بن حسان أباه شعرا، فقال: يا بني، إن شيطاني جاءني بهذا كله البارحة فرددته عليه.

قال معاوية لدغفل النسابة: ابغني رجلا يسامرني أعلم

منك. استريح منك إليه ومنه إليك. فقال يا أمير المؤمنين، أنا أعلم مني. فضحك معاوية وقال: أظن كثرة الكلام قد أغفل عقل دغفل.

أبو عمرو بن العلاء: لا يزال الرجل في فسحة من عقله ما لم يتكلف حوك الشعر.

اجتمع الشعراء عند موت المهدي، واندسّ بينهم اسكاف، فأنكروه فسألوه، فقال: شاعر، فاستنشدوه فقال: مات الخليفة أيها الثقلان، فأعجبوا بمفتتح شعره، فقالوا: تمر في المصراع الثاني، فقال: فكأنني أفطرت في رمضان. فاستضحكوا منه.

ورثى عبد الله بن طاهر رجل فقال:

مات الأمير وكان بازا قارحانعم المجبر للطحال الفاسد

دخل على المأمون جماعة من بني العباس، فاستنطقهم فوجدهم لكنا مع يسار وهيئة، فقال: ما أبين الخلة فيهم! لا أقول في أيديهم ولكن في ألسنتهم.

خطب المأمون فقال: اتقوا الله عباد الله، وأنتم في مهل، بادروا للأجل، ولا يغرنكم الأمل، فكأني بالموت قد نزل، فشغلت المرء شواغله، وتولت عنه بواطله، وهيئت أكفانه، وبكاه جيرانه، وصار إلى المنزل الخالي، بجسدة البالي، قد فارق الرفاهية، وعاين الكراهية، فوجهه في التراب عفير، وهو إلى ما قدم فقير.

ما رأيت على امرأة أحسن من شحم، ولا على رجل أحسن من فصاحة.

الشعبي: ما سمعت أحدا يخطب إلّا تمنيت أن يسكت مخافة أن يخطىء ما خلا زيادا فإنه لا يزداد إكثارا إلّا إزداد إحسانا.

ارتج على خالد بن عبد الله القسري فقال: إن هذا القول يجيء أحيانا ويذهب أحيانا، فيمتد عند مجيئه سببه، ويعز عند غروبه طلبه، وربما كوبر فأبى، وعولج فقسا، وقد يختلج من الجريء جنانه، وقد يرتج على البليغ لسانه.

كان أيوب يقول: ما أحد سمع كلام الحسن إلّا ثقل عليه كلام الرجال بعده.

أعرابي:

إني إذا استنشدت لا أحنبطيولا أزيد كثرة القميطي

الأحنف سمعت كلام أبي بكر حتى مضى، وكلام عمر حتى مضى، وكلام عثمان حتى مضى، وكلام علي حتى مضى، ولا والله ما رأيت فيهم أبلغ من عائشة.

قال معاوية: ما رأيت أبلغ من عائشة، ما أغلقت بابا فأرادت فتحه إلّا فتحته، ولا فتحت بابا فأرادت اغلاقه إلّا أغلقته.

ابن عون: كنت أشبّه لهجة رؤبة بلهجة الحسن.

قال المنتجع لرجل: ما علمت ولدك؟ قال: الفرائض.

قال: إنما ذلك علم الموالي لا أبا لك. علّمهم الرجز فإنه يهرت أشداقهم.

لم ير قط أعلم بالشعر والشعراء من خلف الأحمر. وكان يعمل الشعر على ألسنة الفحول من القدماء فلا يميز عن مقولهم، ثم نسك وكان يختم القرآن كل يوم وليلة. وبذل له بعض الملوك مالا خطيرا على أن يتكلم في بيت شعر شكّوا فيه فأبى.

أنشد أبو مقاتل الضرير الحسن بن زيد بن علي قصيدة أولها:

الله فرد وابن زيد فرد. فزبره وقال: بغيك التراب، هلا قلت: وابن زيد عبد، ونزل عن سريره فسجد لله، وعفر جبينه وكرر: الله فرد وابن زيد عبد.

ابن برد الشامي الفقيه:

قد جاءني لك شعر لم يكن حسناولا صوابا ولا قصدا ولا سددا
وجدت فيه عيوبا غير واحدةولم أزل لعيوب الشعر منتقدا
كأن ذا خبرة بالشعر جمعهثم انتقى لك منه شرّ ما وجدا
إني نصحتك فيما قد أتيت بهمن الفضائح نصح الوالد الولدا
فعدّ عن ذاك وادفنه كما دفنتهر خراها ولم تعلم به أحدا

كان بين سلمة بن عياش القرشي وبين أبي حية النميري صداقة، فقال لأبي حية يوما: أتدري ما يقول الناس؟ قال: ما يقولون؟

قال: يزعمون أني أشعر منك. فقال أبو حية: إنا لله هلك الناس.

محمد بن عبد الله بن أسحاق بن الفضل بن عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم: قال لي أبي: يا بني، أنا شاعر، وأبي شاعر، وجدي شاعر، وجد أبي شاعر. لا ينقطع بك الحبل.

أتى أمرؤ القيس قتادة بن التوأم اليشكري وإخوته، فقال للحارث أجز: أحار ترى بريقا هب وهنا. فقال: كنار مجوس تستعر استعارا. فقال قتادة:

أرقت له ونام أبو شريحإذا ما قلت قد هدأ استطارا

أبو شريح كنية الحارث، فقال الحارث:

كأن هزيزه بوراء غيبعشار ولّه لاقت عشارا

فقال أخوهما الثالث:

قلما أن علا شرجي أضاخوهت أعجاز ريقه فحارا
فلم يترك ببطن السرّ ظبياولم يترك بجلهتها حمارا

فقال امرؤ القيس: إني لأعجب من بيتكم هذا كيف لا يحترق عليكم من جودة شعركم. فقيل لهم بنو النار.

عبد الله بن المعتز: شعر آل أبي حفصة كماء أسخن وصب في قدح، فكان أيام مروان الأكبر على حرارته، ثم انتهى إلى عبد الله بن السمط، ففتر، ثم إلى إدريس وأبي الجنوب فبرد، ثم إلى مروان الأصغر فاشتد برده، ثم إلى أبي متوج فثخن لبرده، ثم إلى متوج فجمد.

أبو أحمد يحيى بن المنجم:

رب شعر نقدته مثل ما ينقد رأس الصيارف الدينارا

لو تأنى لقالة الشعر ما أسقط منه حلوا به الأشعارا

علي ﵇: وإنما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه، ولم يكن من قبل ذلك كائنا، ولو كان قديما لكان إلها ثانيا.

وسئل علي ﵇ عن أشعر الشعراء، فقال: إن القوم لم يجروا في حلبة تعرف الغاية عند قصبتها، فإن كان ولا بد فالملك الضليل محمد بن أبي عائشة: إذا أراد المتكلم بكلامه غير الله زل عن قلوب جلسائه كما يزل الماء عن الصفا.

حسان بن ثابت: إنا إذا نافرتنا العرب فأردنا أن نخرج الحبرات من شعرنا أتينا بشعر قيس بن الخطيم، وكان من النبيت بن مالك بن أوس.

الجاحظ: كان واصل بن عطاء ينزع الراء من كلامه المرتجل، ولست أعني خطبه المحفوظة ورسائله المجلدة، لأن ذلك يحتمل الصنعة. وقال فيه أبو الطروق الضبي.

عليم بابدال الحروف وقامعلكل خطيب يغلب الحق باطله

زعم بشار أن المسلمين كفروا بعد رسول الله ﷺ، فقيل له:

وعلي أيضا؟ فأنشد: وما شر الثلاثة أم عمرو. فقال واصل عند ذلك: أما لهذا الملحد أما لهذا الأعمى المشنف المكتني بأبي معاذ من يقتله؟ أما والله لولا أن الغيلة سجية من سجايا الغالية لبعثت إليه من يبعج بطنه في

جوف منزله في يوم حفله، ثم كان لا يتولى ذلك منه إلا عقيلي أو سدوسي. أبدل الملحد من الكافر، والأعمى من الضرير، والمشنف من المرعث، وأبا معاذ من بشار وابن برد. والغالية من المنصورية والمغيرية، ويبعج من يبقر، وبعث من أرسلت. وذكر بني عقيل وبني سدوس لأنه كان نازلا فيهم.

وكان بشار قبل أن يدين بالرجعة يمدح واصلا، فمن قوله فيه يذكر خطبة ارتجلها ونزع منها الراء:

تكلف القول والأقوام قد حفلواوعبروا خطبا ناهيك من خطب
فقام مرتجلا تغلي بداهتهكمرجل القين لما حفّ باللهب
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «تكلفوا القول والأقوام قد حفلوا»
وجانب الراء لم يشعر به أحدقبل التصفح والإغراف في الطلب
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «تكلفوا القول والأقوام قد حفلوا»

قال معاوية يوما: من أفصح الناس! فقام رجل من جرم فقال: قوم تباعدوا عن فراتية العراق، وتيامنوا عن كشكشة تميم وتياسروا عن كسكسة بكر، ليس فيهم غمغمة قضاعة، ولا طمطمانية حمير. قال معاوية: فمن أولئك؟ قال قومي.

سئل حماد الراوية عن شعر عمر بن أبي ربيعة، فقال: ذلك الفستق المقشر لا يشبع منه.

الأصمعي: أنشد ابن أبي ربيعة عبد الله بن عباس أو طلحة بن عبيد الله قصيدة، فما زال شانقا ناقته حتى كتبت له.

قحطت البادية في أيام هشام بن عبد الملك، فقدمت عليه العرب، فهابوا أن يتكلموا، وفيهم درواس بن حبيب، ابن ست عشرة سنة، له ذؤابة، وعليه شملتان، فوقعت عليه عين هشام، فقال لحاجبه:

ما يشاء أحد أن يدخل علي إلّا دخل حتى الصبيان! فوثب درواس حتى وقف بين يديه مطرقا، فقال: يا أمير المؤمنين، إن للكلام نشرا وطيا وأنه لا يعرف ما في طيه إلّا بنشره، فإن أذنت لي أن أنشره نشرته. قال: أنشر لا أبالك! وقد أعجبه كلامه مع حداثة سنه، فقال: إنه أصابتنا سنون ثلاث: سنة أذابت الشحم، وسنة أكلت اللحم، وسنة أنفقت العظم، وفي أيديكم فضول أموال، فإن كانت لله تعالى ففرقوها في عباده، وإن كانت لهم فعلام تحبسونها عنهم؟ وإن كانت لكم فتصدقوا بها عليهم فإن الله يجزي المتصدقين. فقال هشام: ما ترك لنا الغلام في واحدة من الثلاثة عذرا. فأمر للبوادي بمائة ألف دينار وله بمائة ألف درهم.

فقال: أرددها يا أمير المؤمنين إلى جائزة العرب، فإني أخاف أن تعجز عن بلوغ كفايتهم. فقال: أما لك حاجة؟ قال: ما لي حاجة في خاصة نفسي دون عامة المسلمين. فخرج وهو أنبل القوم.

مرّ الزبير ﵁ بمجلس من الصحابة وحسان ينشدهم من شعره، وهم غير نشاط لما يسمعون، فجلس معهم الزبير وقال: ما لي أراكم غير أذنين لما تسمعون من شعر ابن الفريعة ؟ فلقد كان يعرض به لرسول الله فيحسن استماعه، ويحول عليه أثوابه، ولا يشتغل عنه بشيء. فقال حسان:

أقام على عهد النبي وهديهحواريه والقول بالفعل يعدل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أقام على عهد النبي وهديه»
وإن امرأ كانت صفية أمهومن أسد في بيتها لمرفل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أقام على عهد النبي وهديه»
فكم كربة ذب الزبير بسيفهعن المصطفى والله يعطي ويجزل
ثناؤك خير من فعال معاشروفعلك يا بن الهاشيمة أفضل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أقام على عهد النبي وهديه»

كان الحسين بن علي يعطي الشعراء، فقيل له، فقال: خير مالك ما وقيت به عرضك.

أبو الزناد: ما رأيت أروى للشعر من عروة.

فقلت له: ما أرواك يا أبا عبد الله! فقال: ما روايتي مع رواية عائشة؟ ما كان ينزل بها شيء إلّا أنشدت شعرا.

تناشدوا عند عمر ﵁ قول طرفة:

ولو ثلاث هن من لذة الفتىوجدك لم أحفل متى قام عوّدي
فمنهن سبقي العاذالات بشربةكميت متى تعل بالماء تزبد
وكرّي إذا نادى المضاف مجنباكسيد الغضا نبهته المتورد
وتقصير يوم الدجن والدجن معجبببهكنة تحت الخباء المعمّد
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لِخَولة َ أطْلالٌ بِبُرقَة ِ ثَهمَدِ، ( معلقة )»

فقال عمر: وأنا والله لولا ثلاث: أن أسير في سبيل الله، أو أضع جبهتي في التراب لله، أو أجالس قوما يتلقطون أطايب الحديث كما يتلقط

أطايب الثمر، لأحببت أن أكون قد لحقت بربي.

امتدح أبو أسماء عليا ﵇ بصفين فقال:

وجدنا عليا إذ بلونا فعالهصبورا على اللأواء صلب المكاسر
هو الليث إن جرّبته وندبتهمشى حاسرا للموت أو غير حاسر
يجود بنفس للمنايا كريمةعلي إذا ما جاد كل مغاور
يصول عليّ حين يشتجر القناويضرب رأس المستغيث المساور

فقال له ﵇: رحمك الله أبا أسماء، وأسمعك خيرا وأراكه، فإنك من قوم نجباء، أهل حسبة ووفاء. ووهب له مملوكا.

ومدحه كعب بن زهير بشعر يقول فيه:

صهر النبيّ وخير الناس كلهمفكل من رامه بالفخر مفخور

فأجازه بجائزة سنية، وكساه، ووهب له فرسا.

وكان رسول الله ﷺ يتمثل ويقول: كفى الإسلام والشيب للمرء ناهيا. فقال أبو بكر: يا رسول الله، إنما قال الشاعر:

كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا، فجعل لا يطيقه، فقال أبو بكر: أشهد أنك رسول الله. وتلا: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ

الفرزدق: ما رأيت أحدا أشعر من ابن حطان. فقال له ابن

شبرمة: كيف ذاك؟ قال: لو أراد أن يقول مثل ما نقول لقال، وإنا لا نحسن ما قاله.

عن ابن شبرمة: ليتني كويت بكل بيت قلته كية تبلغ العظم، مع ما أني لم أقذف محصنة، ولم أنف رجلا من أبيه.

في الحديث: لما فتحت مكة رن إبليس رنة، فاجتمعت إليه ذريته فقال: أيأسوا من أن تردوا أمة محمد إلى الشرك بعد يومهم هذا، ولكن أفتنوهم في دينهم، وافشوا فيهم النوح والشعر.

بشّار بن برد يصف نفسه:

زور ملوك عليه أبهةيعرف من شعره ومن خطبه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا مالك الناس في مسيرهم»
لله ما راح في جوانحهمن لؤلؤ لا ينام عن طلبه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا مالك الناس في مسيرهم»
يخرج من فيه في الندى كمايخرج ضوء السراج من لهبه
ترنو إليه الحداث غاديةولا تمل الحديث عن عجبه
تلعابة تعكف الملوك بهتأخذ من جده ومن لعبه
يزدحم الناس كل شارقةببابه مشرعين في أدبه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا مالك الناس في مسيرهم»

لما ظهر السفاح وصعد المنبر بالكوفة: وعمه داود دونه بمرقاة، أراد الكلام فلم يؤاته، فقال لداود تكلم، فقال: الحمد لله أحمده واستعينه، وأؤمن به وأتوكل عليه وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا ﷺ عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.

عباد الله، شكرا شكرا، إنا والله ما خرجنا لنحتفر فيكم نهرا، ولا لنبتني قصرا، ولا لنسير سيرة الجبابرة الذين ساموكم الخسف، ومنعوكم النصف. أظن عدو الله مروان أن لن يقدر عليه؟ أرخى له في زمانه حتى عثر في فضل خطامه. فالآن عاد الأمر إلى نصابه، وطلعت الشمس من مطلعها، وأخذ القوس باريها، وثار السهم إلى النزعة، ورجع الحق إلى مستقره، إلى أهل بيت نبيكم، أهل الرأفة والرحمة.

خرج الربيع من عند المنصور ومعه رقعة فيها بيت شعر:

وهاجرة نصبت لها جبينييقطع حرها ظهر العظاية
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وهاجرة نصبت لها جبيني»

وقال أجيزوه، فما أجازه إلّا بشّار فقال:

وقفت بها القلوص ففاض دمعيعلى خدي وأقصر واعظايه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وقفت بها القلوص ففاض دمعي»

أول شعر قاله الرشيد أنه حج في أول خلافته، فدخل دارا بفيد، فرأى في صدرها:

ألا يا أمير المؤمنين ألا ترىفديتك هجران الحبيب كبيرا
للشاعر هارون الرشيد، اقرأ القصيدة

فكتب تحته:

بلى أيها المشعرات وما مشىبمكة مرفوع الأطلّ حسيرا

إسحاق الموصلي: أنشد الرشيد قولي فيه:

وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنىورأي أمير المؤمنين جميل
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة

فقال: لا كيف، الله درّ أبيات تأتينا بها، ما أحكم أصولها أو أحسن فصولها! وأقل فضولها! فقلت هذا الكلام، والله أحسن من شعري.

عن محمد بن عباد: قال المأمون: من أحسن المراثي عندي مرثية زياد الأعجم فخذها علي. فأنشدها كلها وترك هذا البيت:

هل ليالي فوقهن بزاتهيغشى الأسنة فوق نهد قارح

فقال المأمون: هاه هاه، ما أنشدت هذا البيت، وإنه لمن خيرها، يهدد المنايا فيقول: هلّا أتيت في تلك الساعة. فعجبت من حسن علمه بالشعر.

واستنشد لأبي نواس فأنشد:

لا تبك ليلى ولا تطرب إلى هندواشرب على الورد من حمراء كالورد
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لا تبك ليلى ولا تطرب إلى هند»

فقال، هذا هو الشعر، لا قوله: ألا هبي بسلحك فالطخينا.

وكان مشغوفا بشعره، ويتأسف على فقده، ويقول: ذهب ظرف الزمان بموته، وانحطت مرتبه الشعر بذهابه.

تكلم المأمون فأحسن، فأقبل سهل بن هارون على الناس فقال: ما لكم تسمعون فلا تعون؟ وتشاهدون فلا تفهمون؟ وتفهمون فلا تتعجبون؟ وتتعجبون فلا تصنعون؟.

والله أن أمير المؤمنين ليفعل ويقول في اليوم القصير مثل ما فعل بنو مروان وقالوا في الدهر الطويل. على أن عربكم كعجمهم، وعجمكم كعبيدهم، ولكن قدر الدواء مجهول عند من لم يبتل بالداء.

وكان المأمون قد تغيّر له، فرجع فشكره.

النص من طبعة مؤسسة الأعلمي ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «ربيع الأبرار ونصوص الأخيار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.