من «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)
الفصل السادس: في الحكمة التي هي ضالة المؤمن
قال النبي ﷺ: "الحكمة ضالَّة المؤمن فهو أحق بها إذا وجدها" والمراد بذلك أن الحكمة قد يستفيدها أهلها من غير أهلها، كما يقال: "رب رمية من غير رام"، وهذا لا يخص علمًا واحدًا من العلوم، بل يقع في كل علم، والمطلوب منه ههنا هو ما يخص علم البيان من الفصاحة والبلاغة، دون غيره.
ومذ سمعت هذا الخبر النبوي جعلت كَدِّي في تتبُّع أقوال الناس في مفاوضاتهم ومحاوراتهم، فإنه قد تصدر الأقوال البليغة والحكم والأمثال ممن لا يعلم ما يقوله، فاستفدت بذلك فوائد كثيرة لا أحصرها عددًا، وأنا أذكر منها طرفًا يستدل به على أشباهه ونظائره.
فمن ذلك أنِّي سرت في بعض الطرق وفي صحبتي رجل بدوي من الأنباط لا يعتدُّ بقوله، فكان يقول: "غدًا ندخل البلد وتشتغل عني"، وكان الأمر كما قال، فدخلت مدينة حلب وشغلت عنه أيامًا، ثم لقيني فقال لي: "مَنْ تَرَوَّى فَتُرَتْ عِظَامُه"، وهذا القول من الأقوال البليغة, وهي من الحكمة التي هي الضالة المطلوبة عند مؤمني الفصاحة والبلاغة.
ثم إني سمعت منه بعد ذلك شيئًا يناسب قوله الأول، فإني سفرت له إلى صاحب في حلب في شيء أخذته منه، فاستقلَّه، وقال: "الماء أروى لشدوق النيب". وهذا أيضًا من الحكمة في بابها.
وسافرت مرة أخرى على طريق المناظرة، وكان في صحبتي رجل بدوي، فسألته عن مسافة ما بين تدمر وأراك، فقال: إذا "خرج سرحاهما تلاقيا"، فعبَّر عن قرب المسافة بينهما بأوجز عبارة وأبلغها.
ثم سألته ليلة من الليالي عن الصبح لنرتحل من موضعنا، فقال: "قد ظهر الصبح إلّا أنه لم يملك الإنسان بصره"، وهذا القول من الحكمة أيضًا.
وكان تزوَّج غلام من غلماني دمشق، فوقعت المرأة منه بموقع، وشغِفَ بها ثَمَّ سافرت عن دمشق لمهَمٍّ عرض لي، وسافر ذلك الغلام في صحبتي، فلما عدنا من السفر شغل بامرأته والمقام عندها، فسألته عن حاله فقال: إنها قد طالت وحسنت، وهي كذا وكذا، وأخذ يصفها، فقال أخ له كان حاضرًا: يا مولاي، هي تلك لم تزد شيئًا، وإنما هي في عينه جبَّارٌ من الجبابرة!
وهذا القول قد ورد في بعض أبيات الحماسة وهي معدود من أبيات المعاني:
أهابك إجلالًا وما بك قدرةٌعلي ولكن ملء عينٍ حبيبها
فكثيرًا ما يصدر مثل هذه الأقوال عن ألسنة الجهال.
وسمعت ما يجري هذا المجرى من بعض العبيد الأحابش الذين لا يستطيعون تقويم صيغ الألفاظ، فضلًا عمَّا وراء ذلك، وذاك أنه رأى صبيًّا في يده طاقة ريحان، فقال: "هذه طاقة آسٍ تحمل طاقة ريحان". فلمَّا سمعت ذلك منه أخذتني هزة التعجب، وذكرت شعر أبي نواس الذي تواصفه الناس في هذا المعنى، وهو قوله:
ووردةٍ بها شادنٌفي كفه اليمنى فحيَّانا
سَبَّحْتُ ربي حين أبصرتهاريحانة تحمل ريحانَا
وحضر عندي في بعض الأيام رجل نصراني موسوم بالطب، وكان لا يحسن أن يقول كلمة واحدة، وهو أقلف اللسان، يسيء العبارة, فسألته عن زيارة شخص وهل يتردد إليه أم لا، فقال: "ظلام الليل يهديني إلى باب من أوده، وضوء النهار يضل به عن باب من لا أوده"، وهذا من ألطف المعاني وأحسنها وهو من الحكمة المطلوبة.
وكنت قصدت زيارة بعض الإخوان من الأجناد وهو من الأغتام الأعجام، فسألته عن حاله، وكان توالت عليه نكبات طالت أيامها، وعظمت
آلامها، فقال لي في الجواب ما معناه: إنه لم يبق عندي ارتياع لوقوع نائبة من النوائب, وهذا معنى لو أتى به شاعر مُفْلِقٌ، أو كاتب بليغ, لاستحسن منه غاية الاستحسان.
وكنت في سنة ثمان وثمانين وخمسمائة بأرض فلسطين في الجيش الذي كان قبالة العدو الكافر من الفرنج -لعنهم الله، وتقابل الفريقان على مدينة يافا، وكان إلى جانبي ثلاثة فرسان من المسلمين، فتعاقدوا على الحملة إلى نحو العدو، فلمَّا حملوا صدق منهم اثنان وتلكأ واحد، فقيل له في ذلك، فقال: "الموت طعام لا تجشه المعدة". فلمَّا سمعت هذه الكلمة استحسنتها، وإذا هي صادرة عن رجل من أهل "بصرى" قدم من الأقدام.
ولو أخذت في ذكر ما سمعته من هذا لأطلت، وإنما دللت بيسير ما ذكرته على المراد، وهو أنه يجب على المتصدي للشعر والخطابة أن يتتبَّع أقوال الناس في محاوراتهم, فإنه لا يعدم مما يسمعه منهم حكمًا كثيرة، ولو أراد استخراج ذلك بفكره لأعجزه.
ويحكى عن أبي تمام أنه لما نظم قصيدته البائية التي أولها:
على مثلها من أربعٍ وملاعب
انتهى منها إلى قوله:
يرى أقبح الأشياء أوبة آملٍكسته يد المأمول حلّة خائب
ثم قال:
وأحسن من نورٍ يفتِّحه الصِّبَا
ووقف عند صدر هذا البيت يردِّدُه، وإذا سائل يسأل على الباب، وهو يقول: "من بياض عطاياكم في سواد مطالبنا" فقال أبو تمام:
بياض العطايا في سواد المطالب
فأتمَّ صدر البيت الذي كان يردده من كلام السائل.
وسمعت امرأة قد توفي لها ولد، وهو بكرها الذي هو أوّل أولادها فقالت: كيف لا أحزن لذهابه وهو أول درهمٍ وقع في الكيس؟ فأخذت أنا هذا المعنى وأودعته كتابًا من كتبي في التعازي، وهو كتاب كتبته إلى بعض الإخوان, وقد توفِّي بكره من الأولاد فقلت: "وهو أول درهمٍ ادخرته في كيس الادخار، وأعددته لحوادث الليل والنهار".
وبلغني عن الشيخ أبي محمد [عبد الله بن] أحمد بن أحمد المعروف بابن الخشاب البغدادي، وكان إمامًا في علم العربية وغيره، فقيل: إنه كان كثيرًا ما يقف على حلق القُصَّاصِ والمشَعْبِذين، فإذا أتاه طلبة العلم لا يجدونه في أكثر أوقاته إلّا هناك، فَلِيمَ على ذلك، وقيل له: أنت إمام الناس في العلم، وما الذي يبعثك على الوقوف بهذه المواقف الرذيلة، فقال: "لو علمتم ما أعلم لما لمتم! ولطالما استفدت من هؤلاء الجهال فوائد كثيرة, فإنه يجري في ضمن هذيانهم معانٍ غريبة لطيفة، ولو أردت أنا وغيري أن نأتي بمثلها لما استطعنا ذلك", ولا شك أن هذا الرجل رأى ما رأيته ونظر إلى ما نظرت إليه.
النص من طبعة نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع