تجاوز إلى المحتوى

من «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)

الضرب الأول: حذف الفاعل والاكتفاء في الدلالة عليه بذكر الفعل

القسم الثاني: حذف المفردات

أما القسم الثاني المشتمل على حذف المفردات، فإنه يتصرف على أربعة عشر ضربًا:

الضرب الأول: حذف الفاعل والاكتفاء في الدلالة عليه بذكر الفعل

كقول العرب: "أرسلت"، وهم يريدون جاء المطر، ولا يذكرون السماء، ومنه قول حاتم:

أما وي، ما يغني الثراء عن الفتىإذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر

يريد: النفس، ولم يجر لها ذكر.

وعلى هذا ورد قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ، وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾، والضمير في: ﴿بَلَغَتِ﴾ للنفس، ولم يجر لها ذكر.

وقد نص عثمان بن جني -رحمه الله تعالى- على عدم الجواز في حذف الفاعل، وهذه الآية وهذا البيت الشعري، وهذه الكلمة الواردة عن العرب على خلاف ما ذهب إليه.

إلا أن حذف الفاعل لا يجوز على الإطلاق، بل يجوز فيما هذا سبيله، وذاك أنه لا يكون إلا فيما لا يكون إلا فيما دل الكلام عليه.

ألا ترى أن التي تبلغ التراقي إنما هي النفس، وذلك عند الموت، فعلم حينئذ أن

النفس هي المرادة، وإن كان الكلام خاليا عن ذكرها، وكذلك قول حاتم" حشرجت"، فإن الحشرجة إنما تكون عند الموت.

وأما قول العرب: "أرسلت" -وهم يريدون أرسلت السماء- فإن هذا يقولونه نظرا إلى الحال، وقد شاع فيما بينهم أن هذه كلمة تقال عند مجيء المطر، ولم ترد في شيء من أشعارهم، ولا في كلامهم المنثور، وإنما يقولها بعضهم لبعض إذا جاء المطر.

فالفرق بينها وبين "حشرجت"، وبين: ﴿بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ ظاهر، وذاك أن "حشرجت"، و ﴿بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ يفهم منها أن النفس التي حشرجت، وأنها هي التي بلغت التراقي.

وأما "أرسلت"، فلولا شاهد الحال، وإلا لم يجز أن تكون دالة على مجيء المطر، ولو قيل في معرض الاستسقاء: "إنا خرجنا نسأل لله، فلم نزل حتى أرسلت"، لفهم من ذلك أن التي أرسلت هي السماء، ولا بد في الكلام من دليل على المحذوف، وإلا كان لغوا لا يلتفت إليه.

النص من طبعة نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.