من «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)
الضرب الرابع: وهو حذف المضاف والمضاف إليه، وإقامة كل واحد منهما مقام الآخر
وذلك باب عريض طويل شائع في كلام العرب، وإن كان أبو الحسن الأخفش ﵀ لا يرى القياس عليه.
فأما حذف المضاف، فكقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾، فحذف المضاف إلى يأجوج ومأجوج، وهو سدهما، كما حذف المضاف إلى القرية في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾، أي: أهل القرية.
ومن ذلك أيضًا قوله عزوجل: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾، أي: خصلة من اتقى، وإن شئت كان تقديره، ولكن ذا البر من اتقى، والأول أولى؛ لأن حذف المضاف
ضرب من الاتساع، والخبر أولى بذلك من المبتدأ؛ لأن الاتساع بحذف الأعجاز أولى منه بحذف الصدور.
وقد حذف المضاف مكررًا في قوله تعالى: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾.
أي: من أثر حافر فرس الرسول.
وهذا الضرب أكثر اتساعا من غيره.
ومما جاء منه شعرا قول بعضهم من شعراء الحماسة:
إذا لاقيت قومي فاسأليهمكفى قوما بصاحبهم خبيرا
هل اعفو عن أصول الحق فيهمإذا عسرت وأقتطع الصدورا
أراد: أنه يقتطع ما في الصدور من الضغائن والأوغام؛ أي يزيل ذلك بإحسانه من عفو وغيره، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه.
أما حذف المضاف إليه، فإنه قليل الاستعمال.
فمما جاء منه تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾، أي: من قبل ذلك ومن بعده.
وربما أدخل في هذا الموضع ما ليس منه، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾، قيل: أراد ظهر الأرض، فحذف المضاف
إليه، وليس كذلك، وفإن الهاء والألف قائمة مقام الأرض، ألا ترى أن قوله: "ظهرها" يريد الأرض؛ لأنه ضمير راجع إليها.
وكذلك ورد قول جرير:
إذا أخذت قيس عليك وخندفبأقطارها لم تدر من أين تسرح
وهذا لا يسمى إيجازا، وإنما هو تعويض بالضمير عن الضمير.
النص من طبعة نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع