من «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداود الأنطاكي (ت ١٠٠٨هـ)
الصنف الثالث في ذكر من عانده الزمان في مطلوبه حتى شورك في محبوبه فصنع
من الحيل ما أفضى إلى قتله وقتل من شاركه في فعله
حكى لي رجل بحب سنة ثلاث وستين وتسعمائة، أن رجلاً موصلياً علق امرأة فزاد بها وجده، فكان يصبر عنها ساعة وتلطف بها حتى فارقت زوجها وتزوج بها وأقاما مدة. وجاء يوماً فوجدها تأكل في طعام لم يكن جاء به هو، فسألها عنه فقالت من بعض أهلي.
فداخله من ذلك شيء وقوى عنده وتجسس عن أمرها فلم يقع على شيء فمضى وركب دواء سمياً، ثم جاء به إليها فقال احتفظي بهذا فإنه باهي، فقالت كل منه فأكل ورفعت الباقي ومضى فعالج نفسه من السم وعاودها بعد يوم متمرضاً فوجدها والرجل ميتين. فخرج وقد اتفق عليه الغم وباقي السم فمات من ليلته.
ورأيت في الشهنامة الفارسية ما ترجمته أن أبرويز أحد ملوك الفرس تزوج امرأة صغيرة بديعة في الحسن وقد بلغ ثمانين سنة فوجد بها وازداد عشقه لها هي تظهر حبه وتخفي بغضه، وعلقت ولده واشتد ميلها إليه، وأن الملك دخل فرآهما على الحالة المنكرة فكادت نفسه أن تزهق.
وعلم أنه إن أظهر أنه رآهما، أمرت المرأة ولده بقتله فرجع وأخذ في تدبير الحيلة فأخذ كتاباً وسم ورقه وجلده بالذهب ورصعه بالجواهر وأودعه صندوقاً وجاء به إلى المرأة فقال لها قلد علمت ما حوت يدي من الذخائر والنفائس.
غير أنه لم يكن يعدل نفسي إلا هذا الصندوق فاحتفظي به وعلم أنها ستطلع عليه. فلما خلت به أخبرته القصة فقال علي بالصندوق فأحضرته ففضه فلم يجد إلا الكتاب مطبوقاً، فحاول فتحه فوجد ورقه معتلقاً بعضه ببعض، فجعل يبل أصبعه من ريقه ويتصفح الأوراق فلعب السم فيه وعلم بالحيلة، فأخذ السيف وخرج فضرب أباه فسقطا ميتين.
ووقفت في سنة خمس وستين وتسعمائة بمحروسة دمشق على كتاب لم أعرف مؤلفه، سماه درر الأفكار في التحريض على تزويج الأبكار، ذكر فيه ما ملخصه.
أن قدماء الفرس كانوا يمنعون التزوج بالثيب لأن حكماءهم يقولون أن المرأة لا تلقي مقاليد طاعتها ولا تصدق لطائف شهوتها ولا تظهر حسن مودتها إلا لمن يفض ختام بكارتها لأنه القاطف لزهر محاسنها والمجتلي على أول مطالع بدر مواطنها فإن وقع منها الغيرة ودفنا در لا يعتديه ونزر لا ينبغي التمسك بسببه. ولم تزل هذه الوصايا عندهم محفوظة وبعين الكمال ملحوظة.
وأن ملكاً تجاوز الستين ولم يرزق ولداً وكان ذا ملك عظيم، ومال ورزق جسيم، فكان يتأسف على خروج ذلك منه وانتقاله عنه. فجمع أهل التنجيم والخطوط وأمرهم بالنظر في ذلك فرأوا أنه إن تزوج من الحبشة رزق ولداً يكون له الملك.
فأرسل فجيء له ببنت فاختاروا له طالعاً يبني بها فيه وواقعها، فحملت وجاءت بذكر صحيح سوى حسن الخلقة، فأولم الملك أربعين صباحاً ونشأ الولد فحفظ الأدب والحكمة، وأن أباه طلب تزوجيه ونادى بعرض البنات عليه، فوقع اختياره على واحدة ليست بالشريفة المناسبة للملك، فأرادوا تحويله عنها فأبى فزوجه بها على غضاضة في نفسه.
ودخل فوجدها ثيباً، فكتم أباه ذلك لشدة عشقه وشغفه بها، وأن أمه ودهاة النساء من خدمتها جعلن ينظرن في حب كل منهما لصاحبه فيجدنه أعظم حباً لها، فكن يخبرن الملك فيقول إن صدق الحدس فإنها ثيب ولا يستطيع أحد أن يكلمه في أمرها.
فلما أقضى الملك إليه بعد والده دخل يوماً فوجدها كالتي فرغت من الجماع وكان له مدة لم يتغشاها، وكان إذا جامعها تدوم حمرة وجهها مصفرة يوماً وهذه والتي تغيب حال الفعل تسمى الربوخ. فسألها عن العلة، فأجابت أنها تشكو صداعاً وكان عارفاً بالطب فلم يرض بذلك ولكن كره أن يغضبها، فأمسك وتكرر منه رؤيتها كذلك وكان قد برع في الدهاء فصنع قارورة طيب نفيسة وأتى بها إلى بيتها فوضعها في صندوق محرز في خزانة سره، وأخذ مفتاحها وجعل كلما جامعها أخرج من الطيب ودهن مذاكيره وسرته وأمرها فتدهن فرجها وأخبرها أن ذلك ذخيرة لم يظفر بها سواه وأنه يقوي الأعضاء ويعين على الفعل ويحفظ الصحة والصبا والقوة.
وخرج عنها فجاء صاحبها فكانت تطيبه من الطيب إلى أن علم ثبوت ذلك عندها فجاء بسم قاتل لوقته فأوهمها الأخذ من الدهن ووضع ذلك فيه وأعملها أنه خارج في شغل يقيم فيه سبعة أيام، وخرج بعسكره من البلد، ثم عاد من الغد على غفلة مستخفياً، فدخل عليها فوجدها والرجل فيهما رمق الحياة فرمى عنقهما وسأل عن الرجل فإذا هو جارها نشأ معها صغيراً، فعلم أنه الذي أزال بكارتها، ثم أقام مدة فكان يعاوده من حبها وهو على سرير ملكه ما يذهب عقله فيقوم إلى الخلوة ويذكر عشقها للسوقة عليه وإيثارها الأرذال فيسكن ما به ويعود فلم يزل أياماً على ذلك حتى غلب الحب على التآسي فمات.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع