من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الثَّانِي
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّانِي من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ
وَلَا أَرض أبقل إبقالها
أَوله
فَلَا مزنة ودقت ودقها
أوردهُ نظيرا لعرفات فِي كَونهَا مُؤَنّثَة لَا يجوز فِيهَا التَّذْكِير إِلَّا بِتَأْوِيل بعيد وَهُوَ أَن يُرَاد بهما الْمَكَان وَأوردهُ أَيْضا فِي بَاب الْمُذكر والمؤنث على أَنه لَا يحذف عَلامَة التَّأْنِيث من الْمسند إِلَى ضمير الْمُؤَنَّث الْمجَازِي إِلَّا لضَرُورَة الشّعْر وَهُوَ من شَوَاهِد الْكتاب وَمُغْنِي اللبيب قَالَ ابْن خلف الشَّاهِد فِيهِ أَنه ذكر أبقل وَهُوَ صفة للْأَرْض ضَرُورَة حملا على معنى الْمَكَان فَأَعَادَ الضَّمِير على الْمَعْنى وَهُوَ قَبِيح وَالصَّحِيح أَنه ترك فِيهِ عَلامَة التَّأْنِيث للضَّرُورَة وَاسْتغْنى عَنهُ مِمَّا علم من تَأْنِيث الأَرْض وَإِلَى هَذَا الْوَجْه أَشَارَ أَبُو عَليّ وَقَالَ غَيره وَإِنَّمَا قبح ذَلِك لاتصال الْفَاعِل الْمُضمر بِفِعْلِهِ فَكَأَنَّهُ كالجزء مِنْهُ حَتَّى لَا يُمكن الْفَصْل بَينهمَا بِمَا يسد مسد عَلامَة التَّأْنِيث وَلَا يخفي مَا فِيهِ وَعند ابْن كيسَان والجوهري أَن الْفِعْل إِذا كَانَ مُسْندًا لضمير الْمُؤَنَّث الْمجَازِي لَا يجب إِلْحَاق عَلامَة التَّأْنِيث وَقَول بَعضهم وَهَذَا لَيْسَ بضرورة لِأَنَّهُ كَانَ يُمكنهُ أَن يَقُول وَلَا أَرض أبقلت إبقالها بِنَقْل حَرَكَة الْهمزَة إِلَى مَا قبلهَا وإسقاطها لَيْسَ بجيد لِأَن الصَّحِيح أَن الضَّرُورَة مَا وَقع فِي الشّعْر سَوَاء كَانَ للشاعر عَنهُ فسحة أم لَا وَأجَاب السيرافي بِأَنَّهُ يجوز أَن يكون هَذَا الشَّاعِر لَيْسَ من لغته تَخْفيف الْهمزَة وَحِينَئِذٍ لَا يُمكنهُ مَا ذكره وَذكر ابْن يسعون أَن بَعضهم رَوَاهُ بِالتَّاءِ بِالنَّقْلِ الْمَذْكُور وَقَالَ ابْن هِشَام فَإِن صحت الرِّوَايَة وَصَحَّ أَن الْقَائِل ذَلِك هُوَ الَّذِي قَالَ وَلَا أَرض أبقل بالتذكير صَحَّ لِابْنِ كيسَان مدعاه وَإِلَّا فقد كَانَت الْعَرَب ينشد بَعضهم بَعْضًا وكل يتَكَلَّم على مُقْتَضى لغته الَّتِي فطر عَلَيْهَا وَمن هُنَا كثرت الرِّوَايَات فِي بعض الأبيات وَزعم جمَاعَة أَنه لَا شَاهد فِيهِ فَقَالَ ابْن القواس فِي شرح ألفية ابْن معطي أَنه روى إبقالها بِالرَّفْع مُسْندًا إِلَى الْمصدر وَيَردهُ أَن إبقالها مَنْصُوب على الْمصدر التشبيهي أَي وَلَا أَرض أبقلت كإبقال هَذِه الأَرْض وَلَو كَانَ كَمَا زعم كَانَ مَعْنَاهُ نفي الإبقال وَهُوَ نقيض مُرَاد الشَّاعِر وَزعم بَعضهم أَن ضمير أبقل عَائِد على مُذَكّر مَحْذُوف أَي وَلَا مَكَان أَرض فَقَالَ أبقل بِاعْتِبَار الْمَحْذُوف وَقَالَ إبقالها بِاعْتِبَار الْمَذْكُور وَهَذَا فَاسد أَيْضا لِأَن ضمير إبقالها لَيْسَ عَائِدًا على الأَرْض الْمَذْكُورَة هُنَا فتذكير أبقل بِاعْتِبَار الْمَحْذُوف لَا دَلِيل عَلَيْهِ وَلَو قَالَ إِن الأَرْض مِمَّا يذكر وَيُؤَنث كَمَا قَالَ أَبُو حنيفَة الدينَوَرِي فِي كتاب النَّبَات عِنْدَمَا أنْشد هَذَا الْبَيْت إِن الأَرْض تذكر وتؤنث وَكَذَلِكَ السَّمَاء وَلِهَذَا قَالَ أبقل إبقالها
لَكَانَ وَجها قَالَ ابْن الْحَاجِب فِي أَمَالِيهِ الضَّمِير فِي ودقها وإبقالها رَاجع إِلَى غير المزنة وَالْأَرْض المذكورتين وَلَا يَسْتَقِيم أَن يعود إِلَيْهِمَا لِئَلَّا يصير مخبرا أَنه لَيْسَ مزنة تدق مثل ودق نَفسهَا وَهُوَ فَاسد وَإِن لم تقدر محذوفا كَانَ أفسد إِذْ يصير الْمَعْنى أَنه لَيْسَ مزنة تدق ودق نَفسهَا وَالْأَمر على خِلَافه إِذْ لَا تدق مزنة إِلَّا ودق نَفسهَا فَوَجَبَ أَن يكون التَّقْدِير فَلَا مزنة ودقت ودقا مثل هَذِه المزنة المحذوفة وَزعم الصَّاغَانِي فِي الْعباب أَن الرِّوَايَة وَلَا روض أبقل إباقلها وَهَذَا لَا يصادم نقل سِيبَوَيْهٍ لِأَنَّهُ ثِقَة والاعتماد عَلَيْهِ أَكثر فَقَوله فَلَا مزنة الخ لَا الأولى نَافِيَة للْجِنْس على سَبِيل الظُّهُور عاملة عمل لَيْسَ أَو ملغاة وَالثَّانيَِة نَافِيَة للْجِنْس على سَبِيل التَّنْصِيص ومزنة اسْم لَا إِن كَانَت عاملة عمل لَيْسَ أَو مُبْتَدأ إِن كَانَت غير عاملة وَصَحَّ الِابْتِدَاء بالنكرة إِمَّا للْعُمُوم وَإِمَّا للوصف وَجُمْلَة ودقت محلهَا نصب خبر لَا أَو رفع خبر الْمُبْتَدَأ أَو نعت ل مزنة وَالْخَبَر مَحْذُوف أَي مَوْجُودَة أَو معهودة وَجُمْلَة أبقل خبر لَا فَقَط وَلَا يجوز كَونهَا صفة لاسم لَا كَمَا جوزه شرَّاح الشواهد لِأَنَّهُ يجب حِينَئِذٍ تَنْوِين اسْم لَا لكَونه مضارعا للمضاف والمزنة وَاحِدَة المزن السحابة الْبَيْضَاء وَيُقَال المطرة وَالْمعْنَى هُنَا على الأول انْتهى وَكِلَاهُمَا غير صَحِيح أما الأول فَلِأَن السحابة الْبَيْضَاء لَا ودق لَهَا وَأما الثَّانِي فَيردهُ قَوْله تَعَالَى ﴿أأنتم أنزلتموه من المزن﴾ والودق الْمَطَر قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل يُقَال ودقت السَّمَاء يَا فَتى تدق ودقا قَالَ تَعَالَى ﴿فترى الودق يخرج من خلاله﴾ وَأنْشد هَذَا الْبَيْت وأبقل قَالَ الدينَوَرِي فِي كتاب النَّبَات يُقَال بقل الْمَكَان يبقل بقولا إِذا نبت بقله وأبقل يبقل إبقالا وَهَذَا أَكثر اللغتين وأعرفهما وَأكْثر الْعلمَاء يرد بقل الْمَكَان وَقَالَ بعض الروَاة أبقلت الأَرْض وأبقلها الله وبقل وَجه الْغُلَام إِذا خرج وَجهه وَقَالَ بعض عُلَمَاء الْعَرَبيَّة أبقل الْمَكَان ثمَّ يَقُولُونَ مَكَان بَاقِل
قَالَ وَلَا نعلمهُمْ يَقُولُونَ بقل الْمَكَان وَمثله قَوْلهم أدرست الأَرْض وَنبت دارس وَلَا يَقُولُونَ غَيرهَا وَقَالَ أَيْضا أعشب الْبَلَد ثمَّ قَالَ بلد عاشب وَكَذَا قَالَ ابو عُبَيْدَة والأصمعي وتبعهما ابْن السّكيت وَغَيره قَالُوا يُقَال بلد عاشب وَلَا يُقَال إِلَّا أعشب وباقل الرمث وَهُوَ نبت وَقد أبقل ودارس الرمث وَقد أدرس فَيَقُولُونَ فِي النَّعْت على فَاعل وَفِي الْفِعْل على أفعل كَذَا تَكَلَّمت بِهِ الْعَرَب قَالَ الدينَوَرِي وَتَبعهُ عَليّ بن حَمْزَة الْبَصْرِيّ فِي كتاب التَّنْبِيهَات على أغلاط الروَاة وَقد جَاءَ عَن الْعَرَب مَا يرد عَلَيْهِم قَالَ رؤبة
يملحن من كل غميس مبقل
وَقَالَ ابْن هرمة
لرعت بصفراء السحالة حرَّةلَهَا مرتع بَين النبيطين مبقل
وَقَالَ آخر
وَلَا أَرض أبقل إبقالها
فجَاء بِهِ على أبقل يبقل فَهُوَ مبقل وَقَالَ النَّابِغَة الْجَعْدِي
على جَانِبي حائر مفرطببرث تبوأنه معشب
وَقَالَ الدينَوَرِي فِي مَوضِع آخر النَّبَات كُله ثَلَاثَة أَصْنَاف شَيْء بَاقٍ على الشتَاء أَصله وفرعه وَشَيْء آخر يبيد الشتَاء فَرعه وَيبقى أَصله فَيكون نَبَاته فِي أرومته الْبَاقِيَة وَشَيْء ثَالِث يبيد الشتَاء أَصله وفرعه فَيكون نَبَاته من بزره وكل
ذَلِك يتفرق ثَلَاثَة أَصْنَاف آخر فصنف يسمو صعدا على سَاقه مستغنيا بِنَفسِهِ عَن غَيره وصنف يسمو أَيْضا صعدا لَا يَسْتَغْنِي بِنَفسِهِ وَيحْتَاج إِلَى مَا يتَعَلَّق بِهِ ويرتقي فِيهِ وصنف ثَالِث لَا يسمو وَلَكِن يتسطح على الأَرْض فينبت مفترشا فَيُقَال لكل مَا سما بِنَفسِهِ شجر دق أَو جلّ قاوم أَو عجز عَنهُ وَقيل لَهُ شجر لِأَنَّهُ شجر فسما فَكل مَا سمكته ورفعته فقد شجرته وَمَا كَانَ مِنْهُ ينْبت فِي بزره وَلَا ينْبت فِي أرومته فاسمه البقل وكل نابته بقلة فِي أول مَا تنْبت وَلذَلِك قيل لوجه الْغُلَام أول مَا يخرج بقل. وَمَا نبت فِي أرومة وَكَانَ مِمَّا يهْلك فَرعه فاسمه الجنبة لِأَنَّهُ فَارق الَّذِي يبْقى فَرعه وَأَصله وَفَارق البقل الَّذِي يبيد أَصله وفرعه فَكَانَ جنبة بَينهمَا وَمَا تعلق بِالشَّجَرِ فرقى فِيهِ وَعصب بِهِ فَهُوَ فِي طَريقَة الْعصبَة وَمَا افترش وَلم يسم فَهُوَ فِي طَريقَة السطاح وَقد زعم أَبُو عُبَيْدَة أَنه النَّجْم على ان كل مَا طلع من الأَرْض فقد نجم فَهُوَ نجم إِلَى أَن تتبين وجوهه اهـ وَقَالَ الجواليقي فِي لحن الْعَامَّة يذهب الْعَامَّة إِلَى أَن البقل مَا يَأْكُلهُ النَّاس خَاصَّة دون الْبَهَائِم من النَّبَات الناجم الَّذِي لَا يحْتَاج فِي أكله إِلَى طبخ وَلَيْسَ كَذَلِك إِنَّمَا البقل العشب وَمَا ينْبت الرّبيع مِمَّا تألكه الْبَهَائِم قَالَ الشَّاعِر
وَلَا أَرض أبقل إبقالها
وَقَالَ آخر
قوم إِذا نبت الرّبيع لَهُمنَبتَت عداتهم مَعَ البقل
وَقَالَ زُهَيْر الطَّوِيل)
رَأَيْت ذَوي الْحَاجَات حول بُيُوتهمقطينا لَهُم حَتَّى إِذا أنبت البقل
يُقَال مِنْهُ بقلت الأَرْض وأبقلت لُغَتَانِ فصيحتان إِذا أنبتت البقل قَالَ أَبُو النَّجْم يصف الْإِبِل
تبقلت فِي أول التبقل
وَالْفرق بَين البقل ودق الشّجر أَن البقل إِذا رعي لم يبْق لَهُ سَاق وَالشَّجر يبْقى لَهُ
(تَتِمَّة)
قَالَ شرَّاح شَوَاهِد الْكتاب هَذَا الْبَيْت لعامر بن جُوَيْن الطَّائِي وَهُوَ أحد الخلعاء الفتاك قد تَبرأ قومه من جرائره وَله حِكَايَة مَعَ امْرِئ الْقَيْس وَسَتَأْتِي فِي تَرْجَمته إِن شَاءَ الله وصف بِهِ أَرضًا مخصبة بِكَثْرَة مَا نزل بهَا من الْغَيْث وَلم يذكرُوا مِمَّا قبله وَلَا مِمَّا بعده شَيْئا وَقَالَ شَارِح شَوَاهِد الْمُغنِي قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ أَوله
(وَجَارِيَة من بَنَات الْمُلُوك... قعقعت بِالرُّمْحِ خلْخَالهَا ككرفئة الْغَيْث ذَات الصَّبِي ر ترمي السَّحَاب وَيَرْمِي لَهَا تواعدتها بعد مر النجو م كلفاء تكْثر تهطالها فَلَا مزنة ودقت ودقها الْبَيْت انْتهى وَقد رَأَيْت الْبَيْتَيْنِ الْأَوَّلين فِي شعر الخنساء من قصيدة ترثي بهَا أخاها صخرا أَولهَا المتقارب أَلا مَا لعَيْنِي أَلا مَالهَا لقد أخضل الدمع سربالها
ثمَّ وصفت جَيْشًا فَقَالَت:
ورجراجة فَوْقهَا بيضهاعَلَيْهَا المضاعف زفنا لَهَا
(ككرفئة الْغَيْث ذَات الصبير...... (الْبَيْت الْمَذْكُور))
وَقَالَ الشارد ديوانها الْأَخْفَش: " الرجراجة ": الكتيبة، كَأَنَّهَا تتحرك وتتمخض من كثرتها. و" المضاعف " من الدروع: الَّتِي تنسج حلقتين حلقتين. و" زفنا لَهَا ": مشينا لَهَا باختيال، وَهِي بالزاي الْمُعْجَمَة وَالْفَاء، زاف يزيف زيفاً وزيفاناً: تبختر فِي مشيته. وَشبه الرجراجة فِي كثرتها وحركتها وتمخضها بالكرفئة، وَهِي السحابة الْعَظِيمَة الَّتِي يركب بَعْضهَا على بعض حملا للْمَاء. وَالْحمل - بِالْفَتْح -: مَا كَانَ فِي الْجوف مستكناً. وَالْحمل - بِالْكَسْرِ -: ظَاهر مثل الوقر على الظّهْر. شبه الكرفئة بالناقة يكثر لَحمهَا وشحمها، يُقَال: إِن عَلَيْهَا لكرافئ من اللَّحْم والشحم. و" يَرْمِي لَهَا " بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول، أَي: يضم إِلَيْهَا حَتَّى يَسْتَوِي ويخلولق. قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: هَذَا الْبَيْت لعامر بن جُوَيْن الطَّائِي. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الْكُوفَة وَجمعه كرافئ: قطع من السَّحَاب بَعْضهَا فَوق بعض. والصبير: السَّحَاب الْأَبْيَض. ثمَّ قَالَت تخاطب أخاها:
وبيض منعت غَدَاة الصَّباحوَقد كفت الروع أذيالها
وهاجرة حرهَا وَاقدجعلت رداءك أظلالها
وجامعة الْجمع قد سقتهاوأعلمت بِالرُّمْحِ أغفالها
ورعبوبة من بَنَات الْمُلُوكقعقعت بِالرُّمْحِ خلْخَالهَا
" بيض "، تَعْنِي جواري سبين. " كفت ": كشفت. و" الروع ": الْفَزع. وروى ابْن الْأَعرَابِي: " تكشف للروع أذيالها ". " وَاقد ": شَدِيد الْحر. قد سقتها إِمَّا لتزويج وَإِمَّا لسباء تفكه. وروى ابْن الْأَعرَابِي: " ومعلمة سقتها قَاعِدا ". معلمة: إبل. قَاعِدا: أَي: قَاعِدا على فرسك. و" الأغفال ": الَّتِي لَا
سمات عَلَيْهَا وَلَا عَلَامَات تَقول أعلمت مِنْهَا مَا كَانَ أغفالا وألرعبوبة الناعمة الرُّخْصَة اللينة قعقعت خلْخَالهَا أَي تزوجت بهَا أَو سبيتها فَهُوَ سلبها
وَلَا يخفى أَن هَذِه الأبيات غير مرتبطة بِبَيْت الشَّاهِد وَلَا مُنَاسبَة لَهَا بِهِ وَالله أعلم وَقد نسب أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي فِي فرحة الأديب الأبيات الَّتِي نقلت عَن الزَّمَخْشَرِيّ إِلَى عَامر الْمَذْكُور
وَقَالَ المظهري فِي شرح الْمفصل كلَاما يشبه كَلَام المبرسمين وهذيان المحمومين وَهُوَ قَوْله قصَّة هَذَا الْبَيْت أَن جَارِيَة هربت من غَارة وَفِي رجلهَا خلخال يَقُول الشَّاعِر إِن هَذِه الْجَارِيَة تعدو ويصوت خلْخَالهَا كصوت الرَّعْد فَلَيْسَ مزنة تمطر مَطَرا مثل السَّحَاب الَّذِي يشبه هَذِه الْجَارِيَة وَلَيْسَ أَرض تخرج النَّبَات مثل أَرض أَصَابَهَا ذَلِك السَّحَاب هَذَا كَلَامه وعامر بن جُوَيْن صَاحب الشَّاهِد هُوَ كَمَا قَالَ مُحَمَّد بن حبيب فِي أَسمَاء المغتالين من الْأَشْرَاف فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام هُوَ عَامر بن جُوَيْن بن عبد رِضَاء بن قمران الطَّائِي أحد بني جرم بن عَمْرو بن الْغَوْث بن طَيئ كَانَ سيدا شَاعِرًا فَارِسًا شريفا وَهُوَ الَّذِي نزل بِهِ أمرؤ الْقَيْس بن حجر وَكَانَ سَبَب قَتله أَن كَلْبا غزت بني جرم فَأسر بشر بن حَارِثَة وهبيرة بن صَخْر الْكَلْبِيّ عَامر بن جُوَيْن وَهُوَ شيخ فَجعلُوا يتدافعونه لكبره فَقَالَ عَامر بن جُوَيْن لَا يكن لعامر بن جُوَيْن الهوان فَقَالُوا لَهُ وَإنَّك لَهو قَالَ نعم فذبحوه ومضوا فَأقبل الْأسود بن عَامر فَلَمَّا رأى أَبَاهُ قَتِيلا تتبعهم فَأخذ مِنْهُم ثَمَانِيَة نفر وَكَانُوا قتلوا عَامِرًا وَقد هبت الصِّبَا فكعمهم وَوضع أَيْديهم فِي جفان فِيهَا مَاء وَجعل كلما هبت الصِّبَا ذبح وَاحِدًا حَتَّى أَتَى عَلَيْهِم قَالَ أَبُو حَاتِم السجسْتانِي فِي كتاب المعمرين عَاشَ عَامر بن جُوَيْن مِائَتي سنة ورضاء بِضَم الرَّاء وَالْمدّ قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ فِي كتاب الْأَصْنَام وَقد كَانَت الْعَرَب تسمى بأسماء يعبدونها لَا أدرى أعبدوها للأصنام أم لَا مِنْهَا عبد رِضَاء كَانَ بَيْتا لأبي ربيعَة بن كَعْب بن سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم وهدمه المستوغر فِي الْإِسْلَام وَقَالَ
وَلَقَد شددت على رِضَاء شدَّةفتركتها تَلا تنَازع أسحما
وقمران بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْمِيم وَبعدهَا رَاء مُهْملَة وجرم اسْم ثَعْلَبَة حضنته أمة يُقَال لَهَا جرم فَسُمي بهَا وَابْنه الْأسود كَانَ شريفا شَاعِرًا وَقبيصَة بن الْأسود وَفد إِلَى النَّبِي
وَهَذِه نِسْبَة عَامر بن جُوَيْن من الجمهرة عَامر بن جُوَيْن بن عبد رِضَاء بن قمران بن ثَعْلَبَة بن جيان وَهُوَ جرم بن عَمْرو بن الْغَوْث بن طَيء وَأَبُو حنيفَة الدينَوَرِي هُوَ أَحْمد بن دَاوُد بن ونند أَخذ عَن الْبَصرِيين والكوفيين وَأكْثر أَخذه عَن ابْن السّكيت وَكَانَ نحويا لغويا مهندسا منجما حاسبا راوية ثِقَة فِيمَا يرويهِ ويحكيه مَاتَ فِي جُمَادَى الأولى سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ قَالَ أَبُو حَيَّان التوحيدي أَبُو حنيفَة الدينَوَرِي من نَوَادِر الرِّجَال جمع بَين حِكْمَة الفلاسفة وَبَيَان الْعَرَب لَهُ فِي كل فن سَاق وَقدم وَهَذَا كَلَامه فِي الأنواء يدل على حَظّ وافر من علم النُّجُوم وأسرار الْفلك وَأما كِتَابَة فِي النَّبَات فَكَلَامه فِيهِ فِي عرُوض كَلَام أبدى بدوي وعَلى طباع أفْصح عَرَبِيّ وَلَقَد قيل لي إِن لَهُ فِي الْقُرْآن كتابا يبلغ ثَلَاثَة عشر مجلدا وَمَا رَأَيْته وَإنَّهُ مَا سبق إِلَى ذَلِك النمط مَعَ ورعه وزهده وجلاله قدره وَله من الْكتب كتاب الْبَاءَة كتاب مَا تلحن فِيهِ الْعَامَّة كتاب الشّعْر وَالشعرَاء كتاب الفصاحة كتاب الأنواء كتاب فِي حِسَاب الدّور كتاب الْبَحْث فِي حِسَاب الْهِنْد كتاب الْجَبْر والمقابلة
كتاب الْبلدَانِ كَبِير كتاب النَّبَات لم يصنف مثله فِي مَعْنَاهُ كتاب الْجمع والتفريق كتاب الْأَخْبَار الطوَال كتاب الْوَصَايَا كتاب نَوَادِر الْجَبْر كتاب إصْلَاح الْمنطق كتاب الْقبْلَة والزوال كتاب الْكُسُوف وَله غير ذَلِك رُوِيَ أَن أَبَا الْعَبَّاس الْمبرد ورد الدينور زَائِرًا لعيسى بن ماهان فَأول مَا دخل عَلَيْهِ وَقضى سَلامَة قَالَ لَهُ عِيسَى أَيهَا الشَّيْخ مَا الشَّاة الْمُجثمَة الَّتِي نهى النَّبِي
عَن أكل لَحمهَا فَقَالَ هِيَ الشَّاة القليلة اللَّبن مثل اللجبة فَقَالَ هَل من شَاهد قَالَ نعم قَول الراجز الرجز)
لم يبْق من آل الحميد نسمهإِلَّا عنيز لجبة مجثمه
فَإِذا الْحَاجِب يسْتَأْذن لأبي حنيفَة الدينَوَرِي فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ قَالَ أَيهَا الشَّيْخ مَا الشَّاة الْمُجثمَة الَّتِي نهينَا عَن أكل لَحمهَا فَقَالَ هِيَ الَّتِي جثمت على ركبهَا وذبحت من خلف قفاها فَقَالَ كَيفَ تَقول وَهَذَا شيخ أهل الْعرَاق يَقُول هِيَ مثل اللجبة وأنشده الشّعْر فَقَالَ أَبُو حنيفَة أَيْمَان الْبيعَة تلْزم أَبَا حنيفَة إِن كَانَ هَذَا التَّفْسِير سَمعه هَذَا الشَّيْخ أَو قَرَأَهُ وَإِن كَانَ الشّعْر إِلَّا لساعته هَذِه فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس صدق الشَّيْخ فإنني أنفت أَن أرد عَلَيْك من الْعرَاق وذكري مَا قد شاع فَأول مَا تَسْأَلنِي عَنهُ لَا أعرفهُ فَاسْتحْسن مِنْهُ هَذَا الْإِقْرَار
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع