من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الْحَادِي وَالتِّسْعُون
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
الشَّاهِد الْحَادِي وَالتِّسْعُونَ قَول أبي طَالب عَم النَّبِي ﷺ َ:
إِذن لاتبعناه على كل حَالَةمن الدَّهْر جدا غير قَول التهازل
على أَن الْمصدر الْمُؤَكّد لغيره يكون فِي الْحَقِيقَة مؤكداُ لنَفسِهِ لِأَنَّهُ إِمَّا مَعَ صَرِيح القَوْل كَقَوْلِه تَعَالَى: ذَلِك عِيسَى ابْن مَرْيَم قَول الْحق أَو مَا هُوَ فِي معنى القَوْل كَمَا فِي هَذَا الْبَيْت فَإِن قَوْله جدا مصدر مُؤَكد لما يحْتَمل غَيره فَإِن قَوْله اتبعناه يحْتَمل أَن يكون قَالَه على سَبِيل الْجد وَهُوَ الْمَفْهُوم من اللَّفْظ وَأَن يكون قَالَه على طَرِيق الْهزْل وَهُوَ احْتِمَال عَقْلِي. فأكد الْمَعْنى الأول بِمَا هُوَ فِي معنى القَوْل لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ: قولا جدا والقرينة عَلَيْهِ مَا بعده فَإِن قَول التهازل يُقَابل قَول الْجد فَكَانَ الأولى أَن يَقُول: قَول جد بِالْإِضَافَة ليناسب مَا بعده فَيكون لما حذف
الْمُضَاف أعرب الْمُضَاف إِلَيْهِ بإعرابه.
وَغير بِالنّصب صفة لقَوْله جدا وَلَا تضر الْإِضَافَة إِلَى الْمعرفَة فَإِنَّهَا متمكنة فِي الْإِبْهَام لَا وَزعم ابْن السراج أَن غيرا إِذا وَقعت بَين ضدين كَمَا هُنَا اكْتسبت التَّعْرِيف من الْإِضَافَة. وَيَردهُ قَوْله تَعَالَى: نعمل صَالحا غير الَّذِي كُنَّا نعمل وَإِن زعم أَنَّهَا فِي مثل هَذَا بدل يردهُ أَن غيراً وضعت للوصف وَالْبدل بِالْوَصْفِ ضَعِيف. والتهازل بِمَعْنى الْهزْل فَإِن تفَاعل قد يَأْتِي بِمَعْنى فعل كتوانيت بِمَعْنى ونيت لكنه أبلغ من الْمُجَرّد. وَقَوله: إِذن لاتبعناه جَوَاب قسم فِي بَيت قبله وَهُوَ:
فو الله لَوْلَا أَن أجيء بسبةتجر على أشياخنا فِي الْقَبَائِل
وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِي اتبعناه رَاجع للنَّبِي ﷺ َ. وروى لَكنا اتبعناه. والسبة بِضَم السِّين يُقَال صَار عَلَيْهِ هَذَا الْأَمر سبة أَي: عاراً يسب بِهِ. وتجر: بِفَتْح الْجِيم مضارع جر من جر عَلَيْهِم جريرة أَي: جنى عَلَيْهِم جِنَايَة. وَفِي بِمَعْنى بَين.
والبيتان من قصيدة طَوِيلَة تزيد على مائَة بَيت لأبي طَالب عاذ فِيهَا بحرم مَكَّة وبمكانه مِنْهَا وتودد فِيهَا إِلَى أَشْرَاف قومه وَأخْبر قُريْشًا أَنه غير مُسلم مُحَمَّدًا رَسُول الله ﷺ َ لأحد أبدا حَتَّى يهْلك دونه ومدحه فِيهَا أَيْضا. وَقَالَهَا فِي الشّعب لما اعتزل مَعَ بني هَاشم وَبني عبد الْمطلب قُريْشًا.
وَسبب دُخُوله الشّعب: أَن كفار قُرَيْش اتّفق رَأْيهمْ على قتل رَسُول الله ﷺ َ)
وَقَالُوا: قد أفسد أبناءنا وَنِسَاءَنَا. فَقَالُوا لِقَوْمِهِ: خُذُوا منا دِيَة مضاعفة ويقتله رجل من غير قُرَيْش وتريحوننا وتريحون أَنفسكُم فَأبى بَنو هَاشم من ذَلِك وظاهرهم بَنو عبد الْمطلب.
فَاجْتمع الْمُشْركُونَ من قُرَيْش على منابذتهم وإخراجهم من مَكَّة إِلَى الشّعب.
فَلَمَّا دخلُوا الشّعب أَمر رَسُول الله ﷺ َ من كَانَ بِمَكَّة من الْمُؤمنِينَ أَن يخرجُوا إِلَى أَرض الْحَبَشَة وَكَانَت متجراً لقريش وَكَانَ يثني على النَّجَاشِيّ بِأَنَّهُ لَا يظلم عِنْده أحد.
فَانْطَلق عَامَّة من آمن بِاللَّه وَرَسُوله إِلَى الْحَبَشَة وَدخل بَنو هَاشم وَبَنُو عبد الْمطلب الشّعب مؤمنهم وكافرهم: فالمؤمن دينا وَالْكَافِر حمية. فَلَمَّا عرفت قُرَيْش أَن رَسُول الله ﷺ َ قد مَنعه قومه أَجمعُوا على أَن لَا يبايعوهم وَلَا يدخلُوا إِلَيْهِم شَيْئا من الرِّفْق وَقَطعُوا عَنْهُم الْأَسْوَاق وَلم يتْركُوا طَعَاما وَلَا إدَامًا إِلَّا بَادرُوا إِلَيْهِ واشتروه وَلَا يناكحوهم وَلَا يقبلُوا مِنْهُم صلحا أبدا وَلَا تأخذهم بهم رأفة حَتَّى يسلمُوا رَسُول الله ﷺ َ للْقَتْل وَكَتَبُوا بذلك صحيفَة وعلقوها فِي الْكَعْبَة وتمادوا على الْعَمَل بِمَا فِيهَا من ذَلِك ثَلَاث سِنِين.
فَاشْتَدَّ الْبلَاء على بني هَاشم وَمن مَعَهم فَأَجْمعُوا على نقض مَا تَعَاهَدُوا عَلَيْهِ من الْغدر والبراءة وَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ لأبي طَالب: يَا عَم إِن رَبِّي قد سلط الأرضة على صحيفَة قُرَيْش فلحستها إِلَّا مَا كَانَ اسْما لله فأبقته. قَالَ: أربك أخْبرك بِهَذَا قَالَ: نعم قَالَ: فو الله مَا يدْخل عَلَيْك أحد ثمَّ خرج إِلَى قُرَيْش فَقَالَ: يَا معشر قُرَيْش إِن ابْن أخي أَخْبرنِي وَلم يكذبنِي أَن هَذِه الصَّحِيفَة الَّتِي فِي أَيْدِيكُم قد بعث الله عَلَيْهَا دَابَّة فلحست مَا فِيهَا فَإِن كَانَ كَمَا يَقُول فأفيقوا فَلَا وَالله لَا نسلمه حَتَّى نموت وَإِن كَانَ يَقُول بَاطِلا دفعناه إِلَيْكُم.
فَقَالُوا: قد رَضِينَا. ففتحوا الصَّحِيفَة فوجدوها كَمَا أخبر بِهِ ﷺ َ وَقَالُوا: هَذَا سحر ابْن أَخِيك وَزَادَهُمْ ذَلِك بغياً وعدواناً. فَقَالَ أَبُو طَالب: يَا معشر قُرَيْش علام نحصر ونحبس وَقد بَان الْأَمر وَتبين أَنكُمْ أهل الظُّلم والقطيعة ثمَّ دخل هُوَ وَأَصْحَابه بَين أَسْتَار الْكَعْبَة وَقَالَ: اللَّهُمَّ انصرنا على من ظلمنَا وَقطع أرحامنا واستحل مَا يحرم عَلَيْهِ منا. ثمَّ انْصَرف إِلَى الشّعب وَقَالَ هَذِه القصيدة.
قَالَ ابْن كثير: هِيَ قصيدة بليغة جدا لَا يَسْتَطِيع أَن يَقُولهَا إِلَّا من نسبت إِلَيْهِ وَهِي أفحل من المعلقات السَّبع وأبلغ فِي تأدية الْمَعْنى.
وَقد أَحْبَبْت أَن أوردهَا هُنَا منتخبة مشروحةً بشرح يُوفي الْمَعْنى محبَّة فِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ)
وَسلم وَهِي هَذِه:
خليلي مَا أُذُنِي لأوّل عاذلبصغواء فِي حق وَلَا عِنْد بَاطِل
بصغواء: خبر مَا النافية وَهِي حجازية وَلذَا زيدت الْبَاء. والصغو: الْميل. وأصغيت إِلَى فلَان: إِذا ملت بسمعك نَحوه. ولأول عاذل: مُتَعَلق بصغواء. وَفِي حق مُتَعَلق بعاذل أَي: لَا أميل بأذني لأوّل عاذل فِي الْحق وَإِنَّمَا قيد العاذل بِالْأولِ لِأَنَّهُ إِذا لم يقبل عذل العاذل الأول فَمن بَاب أولى أَن لَا يقبل عذل العاذل الثَّانِي فَإِن النَّفس إِذا كَانَت خَالِيَة الذِّهْن فَفِي الْغَالِب أَن يسْتَقرّ فِيهَا أول مَا يرد عَلَيْهَا.
خليلي إِن الرَّأْي لَيْسَ بشركةٍوَلَا نهنه عِنْد الْأُمُور البلابل
أَرَادَ أَن الرَّأْي الْجيد يكون بمشاركة الْعُقَلَاء فَإِن لم يتشاركوا: بِأَن كَانُوا متباغضين لم ينْتج شَيْئا والرأي مَا لم يتخمر فِي الْعُقُول كَانَ فطيرا. والنهنه بنونين وهائين كجعفر: المضيء والنير الشفاف الَّذِي يظْهر الْأَشْيَاء على جليتها وَأَصله الثَّوْب الرَّقِيق النسج وَمن شَأْنه أَن لَا يمْنَع النّظر إِلَى مَا وَرَاءه وَهُوَ مَعْطُوف على شركَة.
والبلابل: إِمَّا جمع بلبلة بِفَتْح البائين أَو جمع بلبال بفتحمها وهما بِمَعْنى الْهم ووساوس الصَّدْر كزلازل جمع زَلْزَلَة وزلزال بِالْفَتْح وَهُوَ إِمَّا على حذف مُضَاف أَي: ذَات البلابل أَو إِنَّهَا بدل من الْأُمُور.
وَلما رَأَيْت الْقَوْم لَا ود عِنْدهموَقد قطعُوا كل العرى والوسائل
أَرَادَ بالقوم كفار قُرَيْش. والعرا: جمع عُرْوَة وَهِي مَعْرُوفَة وَأَرَادَ بهَا هُنَا مَا يتَمَسَّك بِهِ من
وَقد صارحونا بالعداوة والأذىوَقد طاوعوا أَمر الْعَدو المزايل
صارحونا: كاشفونا بالعداوة صَرِيحًا والصراحة وَإِن كَانَت لَا زمة لَكِنَّهَا لما نقلت إِلَى بَاب المفاعلة تعدت. والمزايل: اسْم فَاعل من زايله مزايلة وزيلاً: فَارقه وباينه وَإِنَّمَا يكون الْعَدو مفارقاً إِذا صرح بالعداوة فَلَا تمكن الْعشْرَة. وَمن قَالَ: المزايل: المعالج وظنه من المزاولة لم يصب.
وَقد حالفوا قوما علينا أظنةًيعضون غيظاً خلفنا بالأنامل
حالفوا قوما: مثل صارحونا فِي أَنه كَانَ لَازِما وتعدى إِلَى الْمَفْعُول بنقله إِلَى بَاب المفاعلة.
والتحالف: التعاهد والتعاقد على أَن يكون الْأَمر وَاحِدًا فِي النُّصْرَة والحماية وَبَينهمَا حلف أَي:)
عهد والحليف: الْمعَاهد. وعلينا مُتَعَلق بحالفوا. والأظنة جمع ظنين وَهُوَ الرجل الْمُتَّهم والظنة بِالْكَسْرِ التُّهْمَة وَالْجمع الظنن. يُقَال مِنْهُ أطنه وَأَظنهُ: بِالطَّاءِ والظاء إِذا اتهمه.
قَالَ الشاطبي فِي شرح الألفية: أفعلة قياسٌ فِي كل اسْم مُذَكّر رباعي فِيهِ مُدَّة ثَالِثَة فَهَذِهِ أَرْبَعَة أَوْصَاف مُعْتَبرَة فَإِن كَانَ صفة لم يجمع قِيَاسا على أفعلة فَإِن جَاءَ عَلَيْهِ فمحفوظ لَا يُقَاس عَلَيْهِ قَالُوا فِي شحيح. أشحة وَفِي ظنين: أظنة. قَالَ تَعَالَى: أشحة عَلَيْكُم وَقَالَ أَبُو طَالب.. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
الصَّبْر: الْحَبْس. والسمراء: الْقَنَاة. والسمحة: اللدنة اللينة الَّتِي
تسمح بالهز والانعطاف.
والأبيض: السَّيْف. والعضب: الْقَاطِع. والمقاول: جمع مقول بِكَسْر الْمِيم: الرئيس وَهُوَ دون الْملك كَذَا فِي الْمِصْبَاح عَن ابْن الْأَنْبَارِي.
وَقَالَ السُّهيْلي فِي الرَّوْض الْأنف: أَرَادَ بالمقاول آباءه شبههم بالملوك وَلم يَكُونُوا ملوكاً وَلَا كَانَ فيهم ملك بِدَلِيل حَدِيث أبي سُفْيَان حِين قَالَ لَهُ هِرقل: هَل كَانَ فِي آبَائِهِ من ملك فَقَالَ: لَا.
وَيحْتَمل أَن يكون هَذَا السَّيْف من هبات الْمُلُوك لِأَبِيهِ فقد وهب ابْن ذِي يزن لعبد الْمطلب هباتٍ جزيلةً حِين وَفد عَلَيْهِ مَعَ قُرَيْش يهنئونه بظفره بِالْحَبَشَةِ وَذَلِكَ بعد مولد رَسُول الله ﷺ َ بعامين.
وأحضرت عِنْد الْبَيْت رهطي وإخوتيوَأَمْسَكت من أثوابه بالوصائل
الوصائل: ثِيَاب مخططة يَمَانِية كَانَ الْبَيْت يكسى بهَا.
قيَاما مَعًا مُسْتَقْبلين رتاجهلَدَى حَيْثُ يقْضى حلفه كل نافل
الرتاج: الْبَاب الْعَظِيم وَهُوَ مفعول مُسْتَقْبلين. والنافل: فَاعل من النَّافِلَة وَهُوَ التَّطَوُّع.
أعوذ بِرَبّ النَّاس من كل طاعنٍعلينا بسوءٍ أَو ملحٍ بباطل
وَمن كاشحٍ يسْعَى لنا بمعيبةوَمن ملحقٍ فِي الدَّين مَا لم نحاول
ملح: اسْم فَاعل من ألح على الشَّيْء: إِذا أقبل عَلَيْهِ مواظباً. والمعيبة: الْعَيْب والنقيصة.
ونحاول نُرِيد.
وثورٍ وَمن أرسى ثبيراً مَكَانَهُوراقٍ لبرٍ فِي حراء ونازل
وثورٍ: مَعْطُوف على رب النَّاس. وَهُوَ وثبير وحراء. جبال بِمَكَّة. وَالْبر: خلاف الْإِثْم. وَهُوَ رِوَايَة ابْن اسحاق وَغَيره وروى ابْن هِشَام:
ليرقى وَهُوَ خطأ لِأَن الراقي لَا يرقى. وَإِنَّمَا هُوَ لبر)
أَي: فِي طلب بر. أقسم بطالب الْبر بصعوده فِي حراء للتعبد فِيهِ وبالنازل مِنْهُ.
وبالبيت حق الْبَيْت من بطن مَكَّةوَبِاللَّهِ إِن الله لَيْسَ بغافل
وبالحجر الْأسود إِذْ يمسحونهإِذا اكتنفوه بالضحى والأصائل
قَالَ السُّهيْلي: وَقَوله بِالْحجرِ الْأسود فِيهِ زحاف يُسمى الْكَفّ وَهُوَ حذف النُّون من مفاعيلن وَهُوَ بعد الْوَاو من الْأسود. والأصائل: جمع أصيلة وَالْأَصْل: جمع أصيل وَذَلِكَ لِأَن فعائل جمع فعيلة. والأصيلة: لُغَة مَعْرُوفَة فِي الْأَصِيل انْتهى. وَهُوَ مَا بعد صَلَاة الْعَصْر إِلَى الْغُرُوب.
وموطئ إِبْرَاهِيم فِي الصخر رطبَةعلى قَدَمَيْهِ حافياً غير ناعل
موطئ إِبْرَاهِيم ﵇: هُوَ مَوضِع قَدَمَيْهِ حِين غسلت كنته رَأسه وَهُوَ رَاكب فاعتمد بقدمه على الصَّخْرَة حِين أمال رَأسه ليغسل وَكَانَت سارة قد أخذت عَلَيْهِ عهدا حِين استأذنها فِي أَن يطالع مَا تَركه بِمَكَّة. فَحلف لَهَا أَنه لَا ينزل عَن دَابَّته وَلَا يزِيد على السَّلَام واستطلاع الْحَال غيرَة من سارة عَلَيْهِ من هَاجر فحين اعْتمد على الصَّخْرَة ألْقى الله فِيهَا أثر قدمه آيَة. قَالَ تَعَالَى: فِيهِ آياتٌ بيناتٌ مقَام إِبْرَاهِيم. أَي مِنْهَا مقَام إِبْرَاهِيم. وَمن جعل مقَام إِبْرَاهِيم بَدَلا من آيَات قَالَ: الْمقَام جمع مقامة. وَقيل: بل هُوَ أثر قدمه حِين رفع الْقَوَاعِد من الْبَيْت وَهُوَ قَائِم عَلَيْهِ.
وأشواط بَين المروتين إِلَى الصَّفَاوَمَا فيهمَا من صورةٍ وتماثل
هُوَ جمع تماثلن وَأَصله تماثيل فَحذف الْيَاء....
وَمن حج بَيت الله من كل رَاكبوَمن كل ذِي نذرٍ وَمن كل راجل
فَهَل بعد هَذَا من معاذٍ لعائذٍوَهل من معيذٍ يَتَّقِي الله عَادل
المعاذ بِالْفَتْح: اسْم مَكَان من عاذ فلَان بِكَذَا إِذا لَجأ إِلَيْهِ واعتصم بِهِ. والمعيذ: اسْم فَاعل من أَعَاذَهُ بِاللَّه أَي: عصمه بِهِ. وعادل: صفة معيذ بِمَعْنى غير جَائِر.
يطاع بِنَا العدا وودوا لَو أنناتسد بِنَا أَبْوَاب تركٍ وكابل
العدا بِضَم الْعين وَكسرهَا: اسْم جمع لِلْعَدو ضد الصّديق وروى الأعدا وَهُوَ جمع عَدو.
وتسد بِنَا أَي: علينا. وَالتّرْك وكابل بِضَم الْبَاء. صنفان من الْعَجم.
أَي: وَالله لَا نَتْرُك مَكَّة وَلَا نظعن مِنْهَا لَكِن أَمركُم فِي هموم ووساوس صدر. وروى: فِي تلاتل بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّة جمع تلتلة وَهُوَ الِاضْطِرَاب وَالْحَرَكَة.)
كَذبْتُمْ وَبَيت الله نبزى مُحَمَّدًاوَلما نطاعن دونه ونناضل
الْوَاو للقسم ونبزى جَوَاب الْقسم على تَقْدِير لَا النافية فَإِنَّهَا يجوز حذفهَا فِي الْجَواب كَقَوْلِه تَعَالَى: تالله تفتؤ أَي: لَا تفتؤ. ونبزى بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول أَي: نغلب ونقهر عَلَيْهِ يُقَال أَبْزَى فلَان بفلان إِذا غَلبه وقهرهن كَذَا فِي الصِّحَاح. فَهُوَ بِالْبَاء وَالزَّاي المنقوطة. ومحمداً مَنْصُوب بِنَزْع الْبَاء. وَلما: نَافِيَة جازمة وَالْجُمْلَة المنفية حَال من نَائِب فَاعل نبزى. والطعن يكون بِالرُّمْحِ والنضال يكون بِالسَّهْمِ.
ونسلمه حَتَّى نصرع حولهونذهل عَن أَبْنَائِنَا والحلائل
ونسلمه بِالرَّفْع مَعْطُوف على نبزى أَي: لَا نسلمه من أسلمه بِمَعْنى سلمه لفُلَان أَو من أسلمه بِمَعْنى خذله. ونصرع ونذهل بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول. والحلائل: جمع حَلِيلَة وَهِي الزَّوْجَة.
قَالَ ابْن هِشَام فِي السِّيرَة: قَالَ عُبَيْدَة بن الْحَارِث بن الْمطلب لما أُصِيب فِي قطع رجله يَوْم بدر: أما وَالله لَو أدْرك أَبَا طَالب هَذَا الْيَوْم لعلم أَنِّي أَحَق بِمَا قَالَ مِنْهُ حَيْثُ يَقُول: كَذبْتُمْ وَبَيت الله نبزى مُحَمَّدًا..... الْبَيْت وَمَا بعده.
وينهض بِفَتْح الْيَاء وَهُوَ مَنْصُوب مَعْطُوفًا على نصرع والنهوض فِي الْحَدِيد عبارَة عَن لبسه واستعماله فِي الْحَرْب. والروايا: جمع راوية وَهُوَ الْبَعِير أَو الْبَغْل أَو الْحمار الَّذِي يستقى عَلَيْهِ.
وَذَات الصلاصل هِيَ المزادة الَّتِي ينْقل فِيهَا
المَاء وتسميها الْعَامَّة الراوية والصلاصل جمع صلصلة بِضَم الصادين وَهِي بَقِيَّة المَاء فِي الإدرة. يُرِيد: أَن الرِّجَال مثقلين بالحديد كالجمال الَّتِي تحمل الْمِيَاه مثقلة شبه قعقعة الْحَدِيد بصلصلة المَاء فِي المزادات.
وَحَتَّى نرى ذَا الضغن يركب ردعهمن الطعْن فعل الأنكب المتحامل
نرى بالنُّون من رُؤْيَة الْعين. والضغن بِالْكَسْرِ الحقد. وَجُمْلَة يركب حَال من مفعول نرى يُقَال للقتيل. ركب ردعه: إِذْ خر لوجهه على دَمه. والردع بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الدَّال: اللطخ والأثر من الدَّم والزعفران. وَمن الطعْن مُتَعَلق بيركب. والأنكب: المائل إِلَى جِهَة وَأَرَادَ كَفعل الأنكب فِي الصِّحَاح: والنكب أَي: بِفتْحَتَيْنِ: دَاء يَأْخُذ الْإِبِل فِي مناكبها فتظلع مِنْهُ وتمشي منحرفة يُقَال نكب الْبَعِير بِالْكَسْرِ ينكب نكباً فَهُوَ أنكبٌ. وَهُوَ من صفة المتطاول الجائر. والمتحامل بِالْمُهْمَلَةِ: الجائر والظالم.
وَإِنَّا لعمر الله إِن جد مَا أرىلتلتبسن أسيافنا بالأماثل
)
عمر الله مُبْتَدأ وَالْخَبَر مَحْذُوف أَي: قسمي وَجُمْلَة لتلتبسن جَوَاب الْقسم وَالْجُمْلَة القسمية خبر وَقَوله إِن جد إِن شَرْطِيَّة وجد بِمَعْنى لج ودام وَعظم وَمَا مَوْصُولَة وَأرى من رُؤْيَة الْبَصَر وَالْمَفْعُول مَحْذُوف وَهُوَ الْعَائِد وَجَوَاب الشَّرْط مَحْذُوف وجوبا لسد جَوَاب الْقسم مَحَله.
والالتباس: الِاخْتِلَاط والملابسة وَالنُّون الْخَفِيفَة للتوكيد وأسيافنا فَاعل تَلْتَبِس. والأماثل: الْأَشْرَاف جمع أمثل. وَالْمعْنَى إِن دَامَ هَذَا العناد الَّذِي أرَاهُ تنَلْ سُيُوفنَا أشرافكم.
بكفي: تَثْنِيَة كف وَالْبَاء مُتَعَلقَة بقوله تَلْتَبِس وَقد حقق الله مَا تفرسه أَبُو طَالب يَوْم بدر.
وَقَوله: مثل الشهَاب يُرِيد أَنه شجيع لَا يقاومه أحد فِي الْحَرْب كَأَنَّهُ شعلة نَار يحرق من يقرب مِنْهُ. والسميدع بِفَتْح السِّين وَضمّهَا خطأ وبفتح الدَّال الْمُهْملَة وإعجامها لَا أصل لَهُ خلافًا لصَاحب الْقَامُوس وَمَعْنَاهُ السَّيِّد الْمُوَطَّأ الأكناف.
قَالَ الْمبرد فِي أول الْكَامِل: معنى موطأ الأكناف: أَن ناحيته يتَمَكَّن فِيهَا صَاحبهَا غير مؤذى وَلَا نَاب بِهِ مَوْضِعه. والتوطئة التذليل والتمهيد يُقَال دَابَّة وطئ يَا فَتى وَهُوَ الَّذِي لَا يُحَرك رَاكِبه فِي مسيره وفراش وطئ إِذا كَانَ وثيراً لَا يُؤْذِي جنب النَّائِم عَلَيْهِ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: حَدثنِي الْعَبَّاس بن الْفرج الرياشي قَالَ: حَدثنِي الْأَصْمَعِي قَالَ: قيل لأعرابي وَهُوَ المنتجع بن نَبهَان: مَا السميدع فَقَالَ: السَّيِّد الْمُوَطَّأ الأكناف. وَتَأْويل الأكناف: الجوانب يُقَال فِي الْمثل: فلَان فِي كنف فلَان كَمَا يُقَال فلَان فِي ظلّ فلَان وَفِي ذرا فلَان وَفِي نَاحيَة فلَان وَفِي والثقة: مصدر وثقت بِهِ أَثِق بكسرهما: إِذا ائتمنته. وَالْأَخ يسْتَعْمل بِمَعْنى الملازم والمداوم.
والحقيقة: مَا يحِق على الرجل أَن يحميه. والباسل: الشجيع الشَّديد الَّذِي يمْتَنع أَن يَأْخُذهُ أحد فِي الْحَرْب والمصدر البسالة وَفعله بسل بِالضَّمِّ. وَأَرَادَ بِصَاحِب هَذِه الصِّفَات الفاضلة مُحَمَّدًا ﷺ َ.
وَمَا ترك قومٍ لَا أَبَا لَك سيداًيحوط الذمار غير ذربٍ مواكل
مَا: استفهامية تعجبية مُبْتَدأ عِنْد سِيبَوَيْهٍ وَترك: خبر الْمُبْتَدَأ وَعند الْأَخْفَش بِالْعَكْسِ. وَقَوله: لَا أَبَا لَك يسْتَعْمل كِنَايَة عَن الْمَدْح والذم وَوجه الأول: أَن يُرَاد نفي نَظِير الممدوح بِنَفْي أَبِيه وَوجه الثَّانِي: أَن يُرَاد أَنه مَجْهُول النّسَب والمعنيان محتملان هُنَا. وَالسَّيِّد من السِّيَادَة وَهُوَ الْمجد والشرف. وحاطه يحوطه حوطاً. رعاه وَفِي الصِّحَاح: وَقَوْلهمْ فلَان حامي الذمار أَي إِذا ذمر وَغَضب حمي وَفُلَان أمنع ذماراً من فلَان. وَيُقَال الذمار: مَا وَرَاء الرجل مِمَّا يحِق عَلَيْهِ أَن)
يحميه لأَنهم قَالُوا: حلمي الذمار كَمَا قَالُوا حامي الْحَقِيقَة.
وَسمي ذماراً لِأَنَّهُ يجب على أَهله التذمر لَهُ وَسميت حَقِيقَة لِأَنَّهُ يحِق على أَهلهَا الدّفع عَنْهَا.
وظل يتذمر على فلَان: إِذا تنكر لَهُ وأوعده.
والذرب بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء لكنه سكنه هُنَا وَهُوَ الْفَاحِش
البذي اللِّسَان.
والمواكل: اسْم فَاعل من واكلت فلَانا موكلة: إِذا اتكلت عَلَيْهِ واتكل هُوَ عَلَيْك وَرجل وكل بِفتْحَتَيْنِ ووكله كهمزة وتكله أَي عَاجز يكل أمره إِلَى غَيره ويتكل عَلَيْهِ.
وأبيض يستسقى الْغَمَام بِوَجْهِهِثمال الْيَتَامَى عصمَة للأرامل
أَبيض: مَعْطُوف على سيد الْمَنْصُوب بِالْمَصْدَرِ قبله وَهُوَ من عطف الصِّفَات الَّتِي موصوفها وَاحِد هَكَذَا أعربه الزَّرْكَشِيّ فِي نكته على البُخَارِيّ الْمُسَمّى بالتنقيح لألفاظ الْجَامِع الصَّحِيح وَقَالَ: لَا يجوز غير هَذَا. وَتَبعهُ ابْن حجر فِي فتح الْبَارِي وَكَذَلِكَ الدماميني فِي تَعْلِيق المصابيح على الْجَامِع الصَّحِيح وَفِي حَاشِيَته على مُغنِي اللبيب أَيْضا.
وَزعم ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: أَن أَبيض مجرور بِرَبّ مقدرَة وَأَنَّهَا للتقليل. وَالصَّوَاب الأول فَإِن الْمَعْنى لَيْسَ على التنكير بل الْمَوْصُوف بِهَذَا الْوَصْف واحدٌ مَعْلُوم. والأبيض هُنَا بِمَعْنى الْكَرِيم.
قَالَ السمين فِي عُمْدَة الْحفاظ: عبر عَن الْكَرم بالبياض فَيُقَال: لَهُ عِنْدِي يَد بَيْضَاء أَي: مَعْرُوف وَأورد هَذَا الْبَيْت. وَالْبَيَاض أشرف الألوان وَهُوَ أَصْلهَا إِذْ هُوَ قَابل لجميعها وَقد كني بِهِ عَن السرُور والبشر وبالسواد عَن الْغم. وَلما كَانَ الْبيَاض أفضل الألوان قَالُوا: الْبيَاض أفضل والسواد أهول والحمرة أجمل والصفرة أشكل.
ويستسقى بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَالْجُمْلَة صفة أَبيض. والثمال: الْعِمَاد والملجأ والمطعم وَالْمُغني وَالْكَافِي. والعصمة: مَا يعتصم بِهِ ويتمسك قَالَ الزَّرْكَشِيّ: يجوز فيهمَا النصب وَالرَّفْع.
والأرامل جمع أرملة وَهِي الَّتِي لَا زوج لَهَا لافتقارها إِلَى من ينْفق عَلَيْهَا وَأَصله من أرمل الرجل: إِذا نفذ زَاده وافتقر فَهُوَ مرمل وَجَاء أرمل على غير قِيَاس. قَالَ الْأَزْهَرِي: لَا يُقَال للْمَرْأَة أرملة إِلَّا إِذا كَانَت فقيرة فَإِن كَانَت موسرة فَلَيْسَتْ بأرملة وَالْجمع أرامل حَتَّى قيل رجل أرمل إِذا لم يكن لَهُ زوج.
قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: وَهُوَ قَلِيل لِأَنَّهُ لَا يذهب بفقد امْرَأَته لِأَنَّهَا لم تكن قيمَة عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْن السّكيت: الأرامل: الْمَسَاكِين رجَالًا كَانُوا أَو نسَاء.)
قَالَ السُّهيْلي فِي الرَّوْض الْأنف: فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ أَبُو طَالب: وأبيض يستسقى الْغَمَام بِوَجْهِهِ وَلم يره قطّ استسقي بِهِ إِنَّمَا كَانَت استقاءاته ﵊ ُ بِالْمَدِينَةِ فِي سفر وَحضر وفيهَا شوهد مَا كَانَ من سرعَة إِجَابَة الله لَهُ فَالْجَوَاب: أَن أَبَا طَالب قد شَاهد من ذَلِك فِي حَيَاة عبد الْمطلب مَا دله على مَا قَالَ. انْتهى.
ورده بَعضهم بِأَن قَضِيَّة الاسْتِسْقَاء متكررة إِذْ وَاقعَة أبي طَالب كَانَ الاسْتِسْقَاء بِهِ عِنْد الْكَعْبَة وواقعة عبد الْمطلب كَانَ أَولهَا أَنهم أمروا باستلام الرُّكْن ثمَّ بصعودهم جبل أبي قبيس ليدعو عبد الْمطلب وَمَعَهُ النَّبِي ﷺ َ ويؤمن الْقَوْم فسقوا بِهِ.
قَالَ ابْن هِشَام فِي السِّيرَة: حَدثنِي من أَثِق بِهِ قَالَ: أقحط أهل الْمَدِينَة فَأتوا رَسُول الله ﷺ َ فشكوا ذَلِك إِلَيْهِ فَصَعدَ رَسُول الله ﷺ َ الْمِنْبَر فَاسْتَسْقَى فَمَا لبث أَن جَاءَ من الْمَطَر مَا أَتَاهُ أهل الضواحي يَشكونَ مِنْهُ الْغَرق فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ: اللَّهُمَّ حوالينا وَلَا علينا فانجاب السَّحَاب عَن الْمَدِينَة فَصَارَ حواليها كالإكليل فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ: لَو أدْرك أَبُو طَالب هَذَا الْيَوْم لسره. فَقَالَ لَهُ بعض أَصْحَابه وَهُوَ عَليّ ﵁: كَأَنَّك أردْت يَا رَسُول الله قَوْله
وأبيض يستسقى الْغَمَام بِوَجْهِهِ.. الْبَيْت قَالَ أجل انْتهى.
وبتصديق النَّبِي ﷺ َ كَون هَذَا الْبَيْت لأبي طَالب وَعلي اتّفق أهل السّير سقط مَا أوردهُ الدَّمِيرِيّ فِي شرح الْمِنْهَاج فِي بَاب الاسْتِسْقَاء عَن الطَّبَرَانِيّ وَابْن سعد: أَن عبد الْمطلب استسقى بِالنَّبِيِّ ﷺ َ فسقوا وَلذَلِك يَقُول عبد الْمطلب فِيهِ يمدحه.
وأبيض يستسقى الْغَمَام بِوَجْهِهِ.. الْبَيْت قَالَ ابْن حجر الهيتمي فِي شرح الهمزية: وَسبب غلط الدَّمِيرِيّ فِي نِسْبَة هَذَا الْبَيْت لعبد الْمطلب: أَن رقيقَة برَاء مَضْمُومَة وقافين بنت أبي صَيْفِي بن هَاشم وَهِي الَّتِي سَمِعت الْهَاتِف فِي النّوم أَو فِي الْيَقَظَة لما تَتَابَعَت على قُرَيْش سنُون أهلكتهم يصْرخ: يَا معشر قُرَيْش إِن هَذَا النَّبِي الْمَبْعُوث قد أَظَلَّتْكُم أَيَّامه فَحَيَّهَلا بالحيا وَالْخصب. ثمَّ امرهم بِأَن يستسقوا بِهِ وَذكر كَيْفيَّة يطول ذكرهَا.. فَلَمَّا ذكرت الرِّوَايَة فِي الْقِصَّة أنشأت تمدح النَّبِي ﷺ َ بِأَبْيَات آخرهَا:)
مبارك الْأَمر يستسقى الْغَمَام بِهِمَا فِي الْأَنَام لَهُ عدلٌ وَلَا خطر
فَإِن الدَّمِيرِيّ لما رأى هَذَا الْبَيْت فِي رِوَايَة قصَّة عبد الْمطلب الَّتِي رَوَاهَا الطَّبَرَانِيّ وَهُوَ يشبه بَيت أبي طَالب إِذْ فِي كل استسقاء الْغَمَام بِهِ توهم أَن بَيت أبي طَالب لعبد الْمطلب. وَإِنَّمَا هُوَ لرقيقة الْمَذْكُورَة.
وَالْحكم عَلَيْهِ بِأَنَّهُ عين الْبَيْت الْمَنْسُوب لأبي طَالب لَيْسَ كَذَلِك بل شتان مَا بَينهمَا. فَتَأمل هَذَا الْمحل فَإِنَّهُ مُبْهَم. وَقد اغْترَّ بِكَلَام الدَّمِيرِيّ من لَا خيرة لَهُ بالسير انْتهى.
يلوذ بِهِ الْهَلَاك من آل هاشمٍفهم عِنْده فِي رَحْمَة وفواضل
يلوذ صفة أُخْرَى لموصوف سيد. والهلاك: الْفُقَرَاء والصعاليك الَّذين ينتابون النَّاس طلبا لمعروفهم من سوء الْحَال وَهُوَ جمع هَالك قَالَ جميل:
أَبيت مَعَ الْهَلَاك ضيفاً لأَهْلهَاوَأَهلي قريب موسعون ذَوُو فضلٍ
ترى الأرامل والهلاك تتبعهيستن مِنْهُ عَلَيْهِم وابلٌ رذم
جزى الله عَنَّا عبد شمسٍ ونوفلاًعُقُوبَة شَرّ عَاجلا غير آجل
نَوْفَل هُوَ ابْن خويلد بن أَسد ابْن عبد الْعُزَّى بن قصي وَهُوَ ابْن العدوية وَكَانَ من شياطين قُرَيْش قَتله عَليّ بن أبي طَالب يَوْم بدر....
بميزان قسطٍ لَا يخس شعيرَةلَهُ شاهدٌ من نَفسه غير عائل
بميزان مُتَعَلق بجزى الله. والقسط بِالْكَسْرِ: الْعدْل. وخس يخس من بَاب ضرب: إِذا نقص وخف وَزنه فَلم يعادل مَا يُقَابله. وَله أَي: للميزان شَاهد أَي: لِسَان من نَفسه أَي: من نفس الْقسْط غير عائل صفة شَاهد أَي غير مائل يُقَال: عَال الْمِيزَان يعول: إِذا مَال كَذَا فِي الْعباب وَأنْشد هَذَا الْبَيْت كَذَا:
(بميزان صدق لَا يغل شعيرَة... لَهُ شَاهد..... الْبَيْت)
وَنحن الصميم من ذؤابة هاشمٍوأل قصي فِي الخطوب الْأَوَائِل
الصميم: الْخَالِص من كل شَيْء. والذؤابة: الْجَمَاعَة الْعَالِيَة وَأَصله الْخصْلَة من شعر الرَّأْس.
وكل صديقٍ وَابْن أختٍ نعدهلعمري وجدنَا غبه غير طائل
الغب بِالْكَسْرِ: الْعَاقِبَة. وَيُقَال هَذَا الْأَمر لَا طائل فِيهِ إِذا لم يكن فِيهِ غناء ومزية مَأْخُوذ من
سوى أَن رهطاً من كلاب بن مرةٍبراءٌ إِلَيْنَا من معقة خاذل
)
قَالَ السُّهيْلي: يُقَال قوم برَاء بِالضَّمِّ وبراء بِالْفَتْح وبراء بِالْكَسْرِ: فَأَما برَاء بِالْكَسْرِ فَجمع بَرِيء مثل كريم وكرام وَأما برَاء فمصدر مثل سَلام والهمزة فِيهِ وَفِي الَّذِي قبله لَام الْفِعْل وَيُقَال رجل برَاء ورجلان برَاء وَإِذا كسرتها أَو ضممت لم يجز إِلَّا فِي الْجمع وَأما برَاء بِضَم الْبَاء فَالْأَصْل فِيهِ بُرَآء مثل كرماء واستثقلوا اجْتِمَاع الهمزتين فحذفوا الأولى وَكَانَ وَزنه فعلاء فَلَمَّا حذفوا الَّتِي هِيَ لَام الْفِعْل صَار وَزنه فعاء وَانْصَرف لِأَنَّهُ أشبه فعالا. والمعقة بِفَتْح الْمِيم: مصدر بِمَعْنى العقوق.
وَنعم ابْن أُخْت الْقَوْم غير مكذبٍزهيرٌ حساماً مُفردا من حمائل
قَالَ ابْن هِشَام فِي السِّيرَة: زُهَيْر هُوَ ابْن أبي أُميَّة بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم وَأمه عَاتِكَة بنت عبد الْمطلب انْتهى.
وَزُهَيْر هُوَ الْمَخْصُوص بالمدح مُبْتَدأ وَجُمْلَة نعم ابْن أُخْت الْقَوْم هُوَ الْخَبَر وَغير مكذب بِالنّصب حَال من فَاعل نعم وَهُوَ ابْن. ومكذب: على صِيغَة اسْم الْمَفْعُول يُقَال كَذبته بِالتَّشْدِيدِ إِذا نسبته إِلَى الْكَذِب وَوَجَدته كَاذِبًا أَي: هُوَ صَادِق فِي مودته لم يلف كَاذِبًا فِيهَا. والحسام: السَّيْف الْقَاطِع وَهُوَ مَنْصُوب على الْمَدْح بِفعل مَحْذُوف أَي: يشبه الحسام المسلول فِي المضاء.
وَرَوَاهُ الْعَيْنِيّ فِي شرح شَوَاهِد الألفية: حسامٌ مفردٌ برفعهما وَقَالَ:
حسام صفة لزهير وَقَوله مُفْرد من حمائل صفة للحسام وَهَذَا على تَقْدِير صِحَة الرِّوَايَة خبط عشواء فَإِن زهيراً علم وحسام نكرَة والمفرد: الْمُجَرّد. والحمائل: جمع حمالَة وَهِي علاقَة السَّيْف مثل الْمحمل بِكَسْر الْمِيم هَذَا قَول الْخَلِيل وَقَالَ الْأَصْمَعِي: حمائل السَّيْف لَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا وَإِنَّمَا وَاحِدهَا محمل كَذَا فِي الْعباب.
وَهَذَا الْبَيْت اسْتشْهد بِهِ شرَّاح الألفية على أَن فَاعل نعم مظهر مُضَاف إِلَى مَا أضيف إِلَى الْمُعَرّف بِاللَّامِ.
أَشمّ من الشم البهاليل ينتميإِلَى حسبٍ فِي حومة الْمجد فَاضل
الشمم: ارْتِفَاع فِي قَصَبَة الْأنف مَعَ اسْتِوَاء أَعْلَاهُ وَهَذَا مِمَّا يمدح بِهِ وَهُوَ أَشمّ من قوم شم.
والبهاليل: جمع بهْلُول بِالضَّمِّ.
قَالَ الصَّاغَانِي: والبهلول من الرِّجَال الضَّحَّاك وَقَالَ ابْن عباد: هُوَ الْحَيِي الْكَرِيم. وينتمي: ينتسب. وفاضل بالضاد الْمُعْجَمَة صفة حسب.)
لعمري لقد كلفت وجدا بأحمدٍوَإِخْوَته دأب الْمُحب المواصل
كلفت بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَالتَّشْدِيد: مُبَالغَة كلفت بِهِ كلفاً من بَاب تَعب: إِذا أحببته وأولعت بِهِ ووجداً أَي: كلف وجد يُقَال: وجدت بِهِ وجدا: إِذا حزنت عَلَيْهِ. وبأحمد مُتَعَلق بكلفت وَهُوَ اسْم نَبينَا مُحَمَّد ﷺ َ. وَيجوز أَن يكون من كلفته الْأَمر فتكلفه مثل حَملته فتحمله وزنا وَمعنى مَعَ مشقة فوجداً مَفْعُوله الثَّانِي وَبِدُون التَّضْعِيف مُتَعَدٍّ لوَاحِد يُقَال كلفت الْأَمر من بَاب تَعب: حَملته على مشقة. وَأَرَادَ بإخوته أَوْلَاده جعفراً وعقيلاً وعلياً ﵃ فَإِن أَبَا طَالب كَانَ عَم النَّبِي ﷺ َ وَالْعم أَب فأولاده إخْوَة النَّبِي ﷺ َ. ودأب مصدر مَنْصُوب بِفِعْلِهِ الْمَحْذُوف أَي: ودأبت دأب الْمُحب يُقَال فلَان دأب فِي عمله: إِذا جد وتعب.
فَلَا زَالَ فِي الدُّنْيَا جمالاً لأَهْلهَاوزيناً لمن ولاه ذب المشاكل
الذب: الدّفع والمشاكل: جمع مشكلة
فَمن مثله فِي النَّاس أَي مؤملٍإِذا قاسه الْحُكَّام عِنْد التَّفَاضُل
أَي هِيَ الدَّالَّة على الْكَمَال خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هُوَ والمؤمل الَّذِي يُرْجَى لكل خير: والتفاضل بالضاد الْمُعْجَمَة وَهُوَ التغالب بِالْفَضْلِ.
حليمٌ رشيدٌ عادلٌ غير طائشيوالي إِلَهًا لَيْسَ عَنهُ بغافل
أَي: هُوَ حَلِيم. والطيش: النزق والخفة: ويوالي إِلَهًا أَي: يَتَّخِذهُ وليا. وَهُوَ فعيل بِمَعْنى فَاعل.
فأيده رب الْعباد بنصرهوَأظْهر دينا حَقه غير ناصل
الْحق: خلاف الْبَاطِل وَهُوَ مصدر حق الشَّيْء من بَاب ضرب وَقتل: إِذا وَجب وَثَبت.
والناصل: الزائل المضمحل يُقَال نصل السهْم: إِذا خرج مِنْهُ النصل ونصل الشّعْر ينصل نصولاً: زَالَ عَنهُ الخضاب.
فو الله لَوْلَا أَن أجيء بسبةٍتجر على أشياخنا فِي الْقَبَائِل
لَكنا اتبعناه على كل حالةٍمن الدَّهْر جدا غير قَول التهازل
تقدم شرحهما أَولا.
لقد علمُوا أَن ابننا لَا مكذبٌلدينا وَلَا يعْنى بقول الأباطل
فِي النِّهَايَة: يُقَال عنيت بحاجتك أعنى بهَا فَأَنا بهَا معني وعنيت بهَا فَأَنا عانٍ وَالْأول أَكثر أَي:)
اهتممت بهَا واشتغلت. انْتهى. وَهُوَ من بَاب تَعب.
فَأصْبح فِينَا أحمدٌ فِي أرومةٍيقصر عَنْهَا سُورَة المتطاول
تَنْوِين أَحْمد للضَّرُورَة. والأرومة بِفَتْح الْهمزَة وَضم الرَّاء الْمُهْملَة: الأَصْل وَالسورَة بِالضَّمِّ: الْمنزلَة وبفتح السِّين السطوة والاعتداء. والمتطاول من الطول بِالْفَتْح وَهُوَ الْفضل وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمنزلَة أَو من تطاول عَلَيْهِ: إِذا قهره وغلبه وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى السطوة.
حدب عَلَيْهِ كفرح وتحدب عَلَيْهِ أَيْضا بِمَعْنى تعطف عَلَيْهِ وَحَقِيقَته جعل نَفسه كالأحدب بالانحناء أَمَامه ليتلقى عَنهُ مَا يُؤْذِيه. ودونه أَمَامه. والذرا
بِالضَّمِّ: أعالي الشَّيْء جمع ذرْوَة بِكَسْر الذَّال وَضمّهَا. والكلاكل: جمع كلكل كجعفر بِمَعْنى الصَّدْر.
تَنْبِيه رِوَايَة هَذِه القصيدة كَمَا سطرت نقلتها من سيرة الشَّامي وَرَوَاهَا ابْن هِشَام فِي السِّيرَة أَزِيد من ثَمَانِينَ بَيْتا ومطلعها عِنْده:
وَلما رَأَيْت الْقَوْم لَا ود فيهموَقد قطعُوا كل العرى والوسائل
وَلم يذكر الْبَيْتَيْنِ الْأَوَّلين مطلع القصيدة فِي رِوَايَة الشَّامي وَلَا تعرض لَهما السُّهيْلي بِشَيْء.
وَأَبُو طَالب هُوَ عَم النَّبِي ﷺ َ وناصره. ولد قبل النَّبِي ﷺ َ بِخمْس وَثَلَاثِينَ سنة. وَلما مَاتَ عبد الْمطلب وصّى بِالنَّبِيِّ ﷺ َ إِلَيْهِ فَكَفَلَهُ وَأحسن تَرْبِيَته وسافر بِهِ إِلَى الشَّام وَهُوَ شَاب وَلما بعث ﷺ َ قَامَ بنصرته وذب عَنهُ من عَادَاهُ ومدحه عدَّة مدائح.
واسْمه عبد منَاف على الْمَشْهُور واشتهر بكنيته وَقيل: اسْمه عمرَان وَقيل: شيبَة. قَالَ الْوَاقِدِيّ: وَتُوفِّي أَبُو طَالب فِي النّصْف من شَوَّال فِي السّنة الْعَاشِرَة من النُّبُوَّة وَهُوَ ابْن بضع وَثَمَانِينَ وَاخْتلف فِي إِسْلَامه قَالَ ابْن حجر: رَأَيْت لعَلي بن حَمْزَة الْبَصْرِيّ جُزْءا جمع فِيهِ شعر أبي طَالب وَزعم أَنه كَانَ مُسلما وَمَات على الْإِسْلَام وَأَن الحشوية تزْعم أَنه مَاتَ كَافِرًا وَاسْتدلَّ لدعواه بِمَا لَا دلَالَة فِيهِ. انْتهى.
وَمن شعره قَوْله:
وَدَعَوْتنِي وَزَعَمت أَنَّك صادقٌوَلَقَد صدقت وَكنت قبل أَمينا
وَلَقَد علمت بِأَن دين محمدٍمن خير أَدْيَان الْبَريَّة دينا
)
وَمن شعره الَّذِي قَالَه وَهُوَ فِي الشّعب:
أَلا أبلغا عني على ذَات بَيْننَالؤياً وخصا من لؤَي بني كَعْب
ألم تعلمُوا أَنا وجدنَا مُحَمَّدًانَبيا كموسى خطّ فِي أول الْكتب
وَأَن عَلَيْهِ فِي الْعباد مَوَدَّةوَخير فِيمَن خصّه الله بالحب
وَهِي قصيدة جَيِّدَة على هَذَا الأسلوب.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع