من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الْخَامِس وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْخَامِس وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَة)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: لما تقدم فِي الْبَيْت قبله أَعنِي أَن نصب وُجُوه على الشتم.
قَالَ النّحاس: وَيجوز رَفعه على إِضْمَار مُبْتَدأ أَو على أَن تَجْعَلهُ بَدَلا من أقارع عَوْف: تبدل النكرَة من الْمعرفَة مثل: لنسفعاً بالناصية. ناصيةٍ كاذبةٍ. وَنقل ابْن السَّيِّد البطليوسي عَن يُونُس بن حبيب فِي أَبْيَات الْمعَانِي أَنه قَالَ: لَو شِئْت رفعت مَا نصبته على الِابْتِدَاء وتضمر فِي نَفسك شَيْئا لَو أظهرته لم يكن مَا بعده إِلَّا رفعا كَأَنَّك قلت: لَهُم وُجُوه قرودٍ ا. هـ.
وَهَذَا الْبَيْت للنابغة الذبياني من قصيدةٍ يعْتَذر بهَا إِلَى النُّعْمَان بن الْمُنْذر مِمَّا وشت بِهِ بَنو قريع. وَقَبله:
لعمري وَمَا عمري عَليّ بهينٍلقد نطقت بطلاً عَليّ الأقارع
وَاسْتشْهدَ بِهِ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي على أَن جملَة وَمَا عمري عَليّ بهين مُعْتَرضَة بَين الْقسم وَجَوَابه.. الْعُمر بِفَتْح الْعين هُوَ الْعُمر بضَمهَا لَكِن خص اسْتِعْمَال المفتوح بالقسم أَي: مَا قسمي بعمري هينٌ عَليّ حَتَّى يتهم متهمٌ بِأَنِّي أَحْلف بِهِ كَاذِبًا. والبطل بِالضَّمِّ هُوَ الْبَاطِل وَنصب على الْمصدر أَي: نطقت نطقاً بَاطِلا.)
وَقَوله: أقارع عَوْف بدلٌ من الأقارع. ولَا أحاول لَا أُرِيد. والمجادعة بِالْجِيم وَالدَّال الْمُهْملَة هُوَ أَن يَقُول كلٌ من شَخْصَيْنِ: جدعاً لَك أَي: قطع الله أَنْفك. وَهِي كلمة سبّ من الجدع وَهُوَ قطع الْأذن وَالْأنف. يَقُول: هم سُفَهَاء يطْلبُونَ من يشاتمهم. والأقارع: هم بَنو قريع بن عَوْف بن كَعْب بن زيد مَنَاة بن تَمِيم الَّذين كَانُوا سعوا بِهِ إِلَى النُّعْمَان حَتَّى تغير لَهُ. وَسَمَّاهُمْ أقارع لِأَن قريعاً أباهم سمي بِهَذَا الِاسْم. وَهُوَ تَصْغِير أَقرع وَلِهَذَا جمعه على الأَصْل.
وَالْعرب إِذا نسبت الْأَبْنَاء إِلَى الْآبَاء فَرُبمَا سمتهم باسم الْأَب كَمَا قَالُوا: المهالبة والمسامعة فِي بني الْمُهلب وَبني مسمع. وَزعم الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة
أَن الأقارع جمع أَقرع. ثمَّ نقل من الصِّحَاح أَن الأقرعين: الْأَقْرَع بن حَابِس وَأَخُوهُ مرْثَد. وَهَذَا كَمَا ترى لَا مُنَاسبَة لَهُ هُنَا.
وَالسَّبَب فِي غضب النُّعْمَان على النَّابِغَة هُوَ مَا حَكَاهُ شَارِح ديوانه وَغَيره عَن أبي عَمْرو وَابْن الْأَعرَابِي أَنَّهُمَا قَالَا: كَانَ النَّابِغَة مِمَّن يُجَالس النُّعْمَان ويسمر عِنْده ورجلٌ آخر من بني يشْكر يُقَال لَهُ: المنخل وَكَانَ جميلاً يتهم بالمتجردة امْرَأَة النُّعْمَان. وَكَانَ النُّعْمَان قَصِيرا دميماً قَبِيح الْوَجْه أبرش. وَكَانَت المتجردة ولدت للنعمان غلامين. وَكَانَ النَّاس يَزْعمُونَ أَنَّهُمَا ابْنا المنخل. وَكَانَ النَّابِغَة رجلا حَلِيمًا عفيفاً وَله منزلَة يحْسد عَلَيْهَا. فَقَالَ لَهُ النُّعْمَان يَوْمًا وَعِنْده المتجردة والمنخل صفها يَا نَابِغَة فِي شعرك. فَقَالَ قصيدته الدالية الَّتِي أَولهَا: أَمن آل مية رائحٌ أَو مغتدي وَسَتَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي هَذَا الْكتاب فوصف النَّابِغَة فِيهَا بَطنهَا وروادفها وفرجها وَلَذَّة مجامعتها. فَلَمَّا سمع المنخل هَذِه القصيدة لحقته غيرَة. فَقَالَ للنعمان: مَا يَسْتَطِيع أَن يَقُول هَذَا الشّعْر إِلَّا من قد جرب فوقر ذَلِك فِي نفس النُّعْمَان.
ثمَّ أَتَى النُّعْمَان بعد ذَلِك رهطٌ من بني سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم وهم بَنو قريع فبلغوه أَن النَّابِغَة يصف المتجردة وَيذكر فِيهَا وان ذَلِك قد شاع بَين النَّاس. فَتغير النُّعْمَان عَلَيْهِ. وَكَانَ للنعمان بوابٌ يُقَال لَهُ عِصَام بن شهبر الْجرْمِي. فَأتى النَّابِغَة فَقَالَ لَهُ عِصَام: إِن النُّعْمَان واقعٌ بك فَانْطَلق. فهرب النَّابِغَة إِلَى غَسَّان مُلُوك الشَّام وَهُوَ آل جَفْنَة وَمكث عِنْدهم ومدحهم بقصائد كَمَا تقدم فِي الشَّاهِد السَّابِع وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة.
وَكَانَ سَبَب وُقُوع بني قريع فِي النَّابِغَة عِنْد النُّعْمَان: هُوَ مَا حَكَاهُ أَبُو عبيد والأصمعي قَالَا: كَانَ لمرة بن ربيعَة بن قريع بن عَوْف بن كَعْب بن سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم سيف جيد. فحسده)
النَّابِغَة فَدلَّ على السَّيْف النُّعْمَان بن الْمُنْذر فَأَخذه من مرّة فحقد مرّة على النَّابِغَة وأرصد لَهُ بشر حَتَّى تمكن مِنْهُ فَوَقع فِيهِ عِنْد
النُّعْمَان فَبعد أَن هرب النَّابِغَة وَمكث عِنْد آل جَفْنَة أرسل إِلَى النُّعْمَان قصائد يعْتَذر إِلَيْهِ بهَا وَيحلف لَهُ: أَنه مَا فرط مِنْهُ ذَنْب.
وَاشْتَدَّ ذَلِك على النُّعْمَان وَعرف أَن الَّذِي بلغه كذب. فَبعث النُّعْمَان إِلَى النَّابِغَة: إِنَّك لم تعتذر من سخطةٍ إِن كَانَت بلغتك وَلَكنَّا تغيرنا لكمن شَيْء مِمَّا كُنَّا لَك عَلَيْهِ وَلَقَد كَانَ فِي قَوْمك ممنع وتحصين فتركته ثمَّ انْطَلَقت إِلَى قومٍ قتلوا جدي وبيني وَبينهمْ مَا قد علمت. وَكَانَ النُّعْمَان وَأَبوهُ وجده قد أكْرمُوا النَّابِغَة وشرفوه وَأَعْطوهُ مَالا عَظِيما حَتَّى كَانَ لَا يَأْكُل وَلَا يشرب إِلَّا فِي أواني الذَّهَب وَالْفِضَّة. فَرضِي عَنهُ النُّعْمَان ووهب لَهُ مائَة بعير من عصافيره وَهِي إبل كَانَت للنعمان تسمى بهَا.
والنابغة قد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الرَّابِع بعد الْمِائَة.
والنعمان هَذَا آخر مُلُوك الْحيرَة. ثمَّ ولي بعده إِيَاس بن قبيصَة الطَّائِي ثَمَانِيَة أشهر واضطرب ملك فَارس وضعفوا وَكَانَت مُلُوك الْحيرَة من تَحت أَيْديهم وأتى الله ﷿ بِالْإِسْلَامِ فغزا أَهله النَّبِي ﷺ َ.
وَأول من ملك الْحيرَة مَالك بن فهم بن عَمْرو بن دوس بن الأزد. ملك الْعَرَب بالعراق عشْرين سنة. والحيرة هِيَ أَرض فِي الْعرَاق بَلْدَة قريبَة من الْكُوفَة. قَالَ الْهَمدَانِي فِي جَزِيرَة الْعَرَب: سَار تبع أَبُو كرب فِي غزوته الثَّانِيَة. فَلَمَّا أَتَى مَوضِع الْحيرَة خلف هُنَاكَ مَالك بن فهم بن غنم بن دوس على أثقاله. وتخلف مَعَه من ثقل من أَصْحَابه فِي نَحْو اثْنَي عشر ألفا.
وَقَالَ: تحيروا هَذَا الْموضع فَسُمي الْموضع الْحيرَة وَهُوَ من قَوْلهم: تحير المَاء.
إِذا اجْتمع وَزَاد وتحير الْمَكَان بِالْمَاءِ: إِذا امْتَلَأَ فمالكٌ أول مُلُوك الْحيرَة وأبوهم. وَكَانُوا يملكُونَ مابين الْحيرَة والأنبار وَكَانَ مَكَان الْحيرَة من أطيب الْبِلَاد وأرقه هَوَاء وأخفه مَاء وأعذاه تربة وأصفاه جواً قد تَعَالَى عَن عمق الأرياف واتضع عَن حزونة الْغَائِط واتصل بالمزارع والجنان والمتاجر الْعِظَام لِأَنَّهَا كَانَت من ظهر الْبَريَّة على مرفأ سفن الْبَحْر من الْهِنْد والصين وَغَيرهمَا ا. هـ.
قَالَ ابْن رَشِيق فِي الْعُمْدَة: وَملك بعد مَالك بن فهم ابْنه جذيمة بن مَالك وَهُوَ الأبرش والوضاح وَكَانَ ملكه سِتِّينَ سنة. ثمَّ عَمْرو بن عدي بن نر ابْن ربيعَة اللَّخْمِيّ وَعَمْرو هَذَا هُوَ ابْن أُخْت جذيمة الأبرش وَفِيه قيل: شب عمروٌ عَن الطوق ثمَّ امْرُؤ الْقَيْس بن عَمْرو بن عدي)
وَيُقَال: بل الْحَارِث بن عَمْرو وَأَنه هُوَ الَّذِي كَانَ يدعى محرقاً. ثمَّ النُّعْمَان ابْن امْرِئ الْقَيْس وَهُوَ النُّعْمَان الْأَكْبَر الَّذِي بنى الخورنق. ثمَّ الْمُنْذر بن امْرِئ الْقَيْس وَهُوَ الْمُنْذر الْأَكْبَر ابْن مَاء السَّمَاء أَخُو النُّعْمَان الْأَكْبَر. ثمَّ الْمُنْذر بن الْمُنْذر وَهُوَ الْأَصْغَر. ثمَّ أَخُوهُ عَمْرو بن الْمُنْذر وَهُوَ عَمْرو بن هِنْد وَسمي محرقاً أَيْضا. لِأَنَّهُ حرق بني تَمِيم وَقيل بل حرق نخل الْيَمَامَة. ثمَّ النُّعْمَان بن الْمُنْذر بن الْمُنْذر صَاحب النَّابِغَة وَهُوَ آخر مُلُوك لخم كَمَا ذكرنَا.
وَاعْلَم أَن هَذِه القصيدة غَالب أبياتها شَوَاهِد فِي كتب الْعَرَبيَّة وَهِي خَمْسَة وَثَلَاثُونَ بَيْتا. فَلَا بَأْس بإيرادها مختصرةً تتميماً للفائدة. وَهِي على هَذَا التَّرْتِيب:
عَفا ذُو حسىً من فرتنى فالفوارعفجنبا أريكٍ فالتلاع الدوافع
عَفا: درس وامحى. وذُو حسى: بلد فِي بِلَاد بني مرّة وَهُوَ بِضَم الْحَاء وَالسِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ وَالْقصر. وفرتنى: أَي: من منَازِل فرتنى وَهُوَ بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الرَّاء وَبعدهَا تَاء مَفْتُوحَة يَليهَا نون قَالَ فِي الصِّحَاح: هُوَ مَقْصُور وَهُوَ اسْم امْرَأَة. وَالْعرب تسمي الْأمة فرتنى. والفوارع: جمع فارعة قَالَ فِي الصِّحَاح: وفارعة الْجَبَل: أَعْلَاهُ. وتلاع فوارع: مشرفات المسايل. وأريك بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الرَّاء قَالَ الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم: هُوَ مَوضِع فِي ديار غَنِي بن يعصر.
وَأنْشد هَذَا الْبَيْت ثمَّ قَالَ: وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أريك فِي بِلَاد ذبيان قَالَ: وهما أريكان: أريكٌ الْأسود وأريكٌ الْأَبْيَض. والأريك: الْجَبَل الصَّغِير. وَقَالَ الْأَخْفَش: إِنَّمَا سمي أريكاً لِأَنَّهُ جبل كثير الْأَرَاك. والتلاع بِالْكَسْرِ: مجاري المَاء إِلَى الأودية وَهِي مسايل عِظَام. والدوافع: تدفع المَاء إِلَى الميث والميث يدْفع المَاء إِلَى الْوَادي الْأَعْظَم. كَذَا فِي الشَّرْح.
فمجتمع الأشراج عفى رسومهامصايف مرت بَعدنَا ومرابع
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: مُجْتَمع الأشراج: مسايل فِي الأَرْض تصب إِلَى الأودية وَالْوَاحد شرج بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء وَآخره جِيم. والرسوم: الْآثَار. وعفى: درس ومحا. والمصايف: جمع مصيف. ومرابع: جمع مربع.
أَرَادَ آيَات الدَّار. وَاللَّام بِمَعْنى بعد أَي: بعد سِتَّة أَعْوَام. وتوهمت: تفرست.
وَهَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ أنْشدهُ على أَن الْعَام صفة ذَا وسابع خبر اسْم الْإِشَارَة. وَأوردهُ ابْن هِشَام أَيْضا فِي شرح الألفية على أَن سابعاً اسْتعْمل مُفردا ليُفِيد)
الاتصاف بِمَعْنَاهُ مُجَردا وَهَذَا بِخِلَاف مَا يَسْتَعْمِلهُ الشَّخْص مَعَ أَصله ليُفِيد أَن الْمَوْصُوف بِهِ بعض الْعدَد الْمعِين نَحْو: سَابِع سَبْعَة وثامن ثَمَانِيَة وَنَحْوهمَا:
رمادً ككحل الْعين مَا إِن تبينهونؤيٌ كجذم الْحَوْض أثلم خاشع
أَي: من الْآيَات رماد ونؤيٌ. اسْتَأْنف وَفسّر بعض الْآيَات. زَعَمُوا: أَن الرماد يبْقى ألف سنة.
وروى: لأياً أبينه اللأي بِفَتْح اللَّام وَسُكُون الْهمزَة: البطء وَنصب على نزع الْخَافِض: أَي: أستبينه بعد بطء. والنؤي بِضَم النُّون وَسُكُون الْهمزَة حفيرة تحفر حول الخباء وَيجْعَل ترابها حاجزاً لِئَلَّا يدْخلهُ الْمَطَر. والجذم بِكَسْر الْجِيم وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة: الأَصْل وَالْبَاقِي.
وخاشع: لاطيء بِالْأَرْضِ قد اطْمَأَن وَذهب شخوصه.
كَأَن مجر الرامسات ذيولهاعَلَيْهِ قضيمٌ نمقته الصوانع
هَذَا الْبَيْت أوردهُ الشَّارِح الْمُحَقق فِي شرح الشافية فِي بَاب الْمَنْسُوب على أَن فِيهِ حذف مُضَاف: أَي: كَأَن أثر مجر الرامسات. ومجر مصدر ميمي لَا اسْم مَكَان فَإِن أَسمَاء الْمَكَان وَالزَّمَان والآلة لَا ترفع فضلا عَن أَن تنصب. وذيولها:
قد انتصب بمجر فمجر مصدر مُضَاف لفَاعِله وذيولها مَفْعُوله وَإِنَّمَا كَانَ بِتَقْدِير مُضَاف وَهُوَ أثر مجر أَو مَكَان مجر لِأَنَّهُ إِذا كَانَ مصدرا فَلَا يَصح الْإِخْبَار بقوله قضيم وَإِن كَانَ اسْم مَكَان فَلَا يَصح نَصبه الْمَفْعُول. والرامسات: الرِّيَاح الشَّدِيدَة الهبوب من الرمس وَهُوَ الدّفن. وذيولها: مآخيرها: وَذَلِكَ أَن أوائلها تَجِيء بِشدَّة ثمَّ تسكن. وَرُوِيَ بجر ذيولها على أَنه بدل من الرامسات وَعَلِيهِ فالمجر اسْم مَكَان وَلَا حذف. والقضيم: حَصِير منسوج خيوطه سيور. كَذَا فِي الْقَامُوس وَكَذَا قَالَ شَارِح ديوانه: شبه آثَار هَذِه الرامسات فِي هَذَا الرَّسْم بحصير من جريد أَو أَدَم ترمله الصوانع أَي: تعمله وتخرزه.
وَمثله لذِي الرمة: ريحٌ لَهَا هباب الصَّيف تمنيم أَي: نمنمة كالوشي. وَقَالَ العجاج: سجاحة الأولى دروج الأذيال وَلَا يُنَاسِبه قَول الجاربردي فِي شرح الشافية: إِن القضيم جلدٌ أَبيض يكْتب فِيهِ فَإِن الصوانع جمع صانعة والمعهود فِي نسَاء الْعَرَب النسج وَمَا أشبهه لَا الْكِتَابَة. وَالْمعْنَى يَقْتَضِيهِ أَيْضا فَإِن)
الرمل الَّذِي تمر عَلَيْهِ الرّيح يشبه نسج الْحَصِير. والصنع: إجادة الْفِعْل وَلَيْسَ كل صنع فعلا وَلَا يجوز نسبته إِلَى الْحَيَوَانَات غير الْآدَمِيّين وَلَا إِلَى الجمادات وَإِن كَانَ الْفِعْل ينْسب إِلَيْهِمَا. وَلَا يُقَال صنعٌ بِفتْحَتَيْنِ إِلَّا للرجل الحاذق الْمجِيد وَلَا صناع بِالْفَتْح إِلَّا لامْرَأَة تتقن مَا تعمله ضد الخرقاء.
وَفِي الْقَامُوس: رجل صنع الْيَدَيْنِ بِالْكَسْرِ والتحريك وصنيع الْيَدَيْنِ وصناعهما: حاذقٌ فِي الصَّنْعَة. وَامْرَأَة صناع الْيَدَيْنِ كسحاب: حاذقة ماهرة بِعَمَل
الْيَدَيْنِ وجمعهما صنع ككتب.
وَقَوله: نمقته: أَي: حسنته. قَالَ الشَّارِح: كل مَا ألزق بعضه إِلَى بعض وأقيم سطوره من نخل أَو كتاب فَهُوَ منمق:
على ظهر مبناةٍ جديدٍ سيورهايطوف بهَا وسط اللطيمة بَائِع
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: المبناة بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: نطع يَقُول: هَذَا الْحَصِير على هَذَا النطع يطوف بِهِ بَائِع فِي الْمَوْسِم. قَالَ الْأَصْمَعِي: كَانَ من يَبِيع مَتَاعا يفرش نطعاً وَيَضَع عَلَيْهِ مَتَاعه والنطع يُسمى مبناة. فَيَقُول: نشر هَذَا التَّاجِر حَصِيرا على نطع. وَإِنَّمَا سميت مبناة لِأَنَّهَا كَانَت تتَّخذ قباباً والقبة وَالْبناء سَوَاء والأنطاع تبنى عَلَيْهَا القباب. والنطع بِكَسْر فَسُكُون وبفتحتين وكعنب: بِسَاط من الْأَدِيم. واللطيمة قَالَ أَبُو عَمْرو: سوقٌ فِيهَا بز وَطيب. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: اللطيمة: العير الَّتِي تحمل دق الْمَتَاع وأفضله وَتحمل إِلَى الْأَسْوَاق والمواسم وَلَا تسمى لطيمة إِلَّا وفيهَا طيب. وَقَوله: جَدِيد سيورها أَرَادَ الْأَدِيم وَأنْشد: وقدت من أديمهم سيوري
فأسبل مني عبرةٌ فرددتهاعلى النَّحْر: مِنْهَا مستهلٌ ودامع
مستهلٌ: سَائل منصب لَهُ وَقع وَمِنْه استهلت السَّمَاء بالمطر: إِذا رام مطرها. ودامع: قاطر
على حِين عاتبت المشيب على الصِّبَافَقلت: ألما تصح والشيب وازع
يَأْتِي شَرحه إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي بَاب الظروف.
وَقد حَال همٌ دون ذَلِك داخلٌدُخُول الشغاف تبتغيه الْأَصَابِع
أَي: دون هَذَا الَّذِي أشبب بِهِ وأبكي عَلَيْهِ دون الصِّبَا. وَرُوِيَ: وَقد جال همٌ وَرُوِيَ أيضاُ:
(وَلَكِن هما دون ذَلِك داخلٌ... مَكَان الشغاف...........))
أَي: غلاف الْقلب. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الشغاف: دَاء يدْخل تَحت الشراسيف فِي الْبَطن فِي الشق الْأَيْمن إِذا التقى هُوَ وَالطحَال مَاتَ صَاحبه. يَقُول: هَذَا الْهم الَّذِي هُوَ لي هُوَ مضوع الشغاف الَّذِي يكون فِيهِ الْقلب.
ثمَّ رَجَعَ إِلَى الشغاف فَقَالَ: تبتغيه الْأَصَابِع: أَي: تلتمسه أَصَابِع المتطببين ينظرُونَ أنزل من ذَلِك الْموضع أم لَا وَإِنَّمَا ينزل عِنْد الْبُرْء.
قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات أدب الْكَاتِب: هَذَا قَول الْأَصْمَعِي وَأبي عُبَيْدَة. وَقيل مَعْنَاهُ: تلتمسه هَل انحدر نَحْو الطحال فيتوقع على صَاحبه الْمَوْت أم لم ينحدر فترجى لَهُ السَّلامَة.
وَقَالَ أَبُو عَليّ الْبَغْدَادِيّ يَعْنِي أَصَابِع الْأَطِبَّاء يلمسونني هَل وصل إِلَى الْقلب أم لَا لِأَنَّهُ إِذا اتَّصل بِالْقَلْبِ تلف صَاحبه. وَإِنَّمَا أَرَادَ النَّابِغَة: أَنه من موجدة النُّعْمَان عَلَيْهِ بَين رَجَاء ويأس كَهَذا العليل الَّذِي يخْشَى عَلَيْهِ الْهَلَاك وَلَا يأس مَعَ ذَلِك من برئه. وَهَذَانِ التأويلان أشبه بغرض النَّابِغَة من التَّأْوِيل الأول:
وَعِيد أبي قَابُوس فِي غير كنههأَتَانِي ودوني راكسٌ فالضواجع
أَبُو قَابُوس: كنية النُّعْمَان بن الْمُنْذر. قَالَ الْأَصْمَعِي: أَي: جَاءَنِي وعيده فِي غير قدر الْوَعيد.
أَي: لم أكن بلغت مَا يغْضب عَليّ غفيه. وراكس: وَاد. والضواجع: جمع ضاجعة وَهُوَ منحنى الْوَادي.
فَبت كَأَنِّي ساورتني ضئيلةٌمن الرقش فِي أنيابها السم ناقع
المساورة: المواثبة والأفعى لَا تلدغ إِلَّا وثباً. وضئيلة: هِيَ الْحَيَّة الدقيقة القليلة اللَّحْم.
وَالْعرب تَقول: سلط الله عَلَيْهِ أَفْعَى حارية. تحري. أَي: ترجع من غلظ إِلَى دقة ويقل دَمهَا ويشتد سمها. قَالَ:
داهيةٌ قد صغرت من الْكبرجَاءَ بهَا الطوفان أَيَّام زخر
وَقَوله: ناقع. أَي: ثَابت يُقَال: نقع ينقع نقوعاً: إِذا ثَبت. والرقش من الْحَيَّات: المنقطة بسواد.
وَهِي من شِرَارهَا فَلِذَا خصها بِالذكر. وَقَالَ شَارِح ديوَان الحطيئة فِي شرح هَذَا الْبَيْت من شعره:
كَأَنِّي ساورتني ذَات سمنقيعٍ مَا يلائمها رقاها
النقيع: المنقوع الْمَجْمُوع وَذَلِكَ: أَن الْحَيَّة تجمع سمها من أول الشَّهْر إِلَى النّصْف مِنْهُ فَإِن)
أَصَابَت شَيْئا لفظته فِيهِ وَإِن جَاءَ النّصْف وَلم تصب شَيْئا تنهشه لفظته من فِيهَا بِالْأَرْضِ ثمَّ استأنفت تجمع إِلَى رَأس الشَّهْر ثمَّ تفعل كفعلها الأول فَهَذَا دأبها الدَّهْر كُله ا. هـ.
وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ أوردهُ على أَن ناقعاً رفع على أَنه خبر عَن السم وَيجوز فِي غير الشّعْر ناقعاً على الحالية. وَقَوله: فِي أنيابها هُوَ الْخَبَر. وَأوردهُ الْمرَادِي فِي شرح الألفية وَكَذَلِكَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي على أَن بَعضهم قَالَ ناقع صفة للسم وَهُوَ ابْن الطراوة فَإِنَّهُ قَالَ: يجوز وصف الْمعرفَة بالنكرة إِذا كَانَ الْوَصْف خَاصّا لَا يُوصف بِهِ إِلَّا ذَلِك الْمَوْصُوف. وَهَذَا لَا يُجِيزهُ أحد من الْبَصرِيين إِلَّا الْأَخْفَش. وَلَا حجَّة فِي هَذَا الْبَيْت قَالَ ابْن هِشَام: إِنَّه خبر للسم. والظرف مُتَعَلق بِهِ أَو خبر ثَان.
يسهد فِي ليل التَّمام سليمهالحلي النِّسَاء فِي يَدَيْهِ قعاقع
ليل التَّمام بِكَسْر التَّاء: أطول لَيْلَة فِي السّنة. والسليم: اللديغ. قَالَ الزجاجي فِي أَمَالِيهِ الصُّغْرَى: سمت الْعَرَب الملسوع سليما تفاؤلاً كَمَا سموا الْمهْلكَة مفازة من قَوْلهم فوز الرجل: إِذا مَاتَ كَأَنَّهُمَا لفظتان لِمَعْنى. وَكَانَ ينشد قَول الشَّاعِر:
كَأَنِّي من تذكر آل ليلىإِذا مَا أظلم اللَّيْل البهيم
سليمٌ بَان عَنهُ أقربوهوأسلمه المداوي وَالْحَمِيم
وَلَو كَانَ على مَا ذهب إِلَيْهِ فِي السَّلِيم لقيل لكل من بِهِ عِلّة صعبة: سليم مثل المبرسم وَالْمَجْنُون والمفلوج بل كَانَ يلْزم أَن يُقَال للْمَيت: سليم ا. هـ.
وَفِيه أَن الْمَنْقُول عَنهُ أَنه هُوَ وَابْن الْأَعرَابِي قَالَا: إِن بني أَسد تَقول: إِنَّمَا سمي السَّلِيم سليما لِأَنَّهُ أسلم لما بِهِ. على أَن الْعلَّة لَا يجب إطرادها: فَتَأمل.
وَقَوله: لحلي النِّسَاء الخ كَانَ الملدوغ يَجْعَل الْحلِيّ فِي يَدَيْهِ والجلاجل
حَتَّى لَا ينَام فيدب السم فِيهِ.
وَرُوِيَ أَيْضا: نناذرها الحاوون وَهُوَ جمع حاوٍ وَهُوَ الَّذِي يمسك الْحَيَّات. أَي: أنذر بَعضهم بَعْضًا بِأَنَّهَا لَا تجيب راقياً. وَرُوِيَ: من سوء سَمعهَا يَعْنِي أَنَّهَا حَيَّة صماء وَقَوله: تطلقه: تخف عَنهُ مرّة وتشتد عَلَيْهِ مرّة.
قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل عِنْدَمَا أنْشد هَذِه الأبيات الْأَرْبَعَة من قَوْله: وَعِيد أبي قَابُوس إِلَى هَذَا الْبَيْت وَمن التَّشْبِيه الصَّحِيح هَذِه الأبيات وَهَذِه صفة الْخَائِف المهموم وَمثل ذَلِك قَول الآخر:)
تبيت الهموم الطارقات يعدننيكَمَا تعتري الأوصاب رَأس الْمُطلق
والْمُطلق: هُوَ الَّذِي ذكره النَّابِغَة فِي قَوْله: تطلقه طوراً.. الخ. وَذَلِكَ أَن المنهوش إِذا ألح الوجع بِهِ تَارَة وَأمْسك عَنهُ تَارَة فقد قَارب أَن يوأس من برئه. وَإِنَّمَا ذكر خَوفه من النُّعْمَان وَمَا يَعْتَرِيه من لوعة فِي أثر لوعة والفترة بَينهمَا. والخائف لَا ينَام إِلَّا غراراً فَلذَلِك شبه بالملدوغ المسهد. ا. هـ.
أَتَانِي أَبيت اللَّعْن أَنَّك لمتنيوَتلك الَّتِي تستك مِنْهَا المسامع
مقَالَة أَن قد قلت: سَوف أنالهوَذَلِكَ من تِلْقَاء مثلك رائع
قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي شرح المفضليات: قَوْله: أَبيت اللَّعْن: أَي: أَبيت أَن تَأتي من الْأَخْلَاق المذمومة مَا تلعن عَلَيْهِ. وَكَانَت هَذِه تَحِيَّة لخم وجذام وَكَانَت مَنَازِلهمْ الْحيرَة وَمَا يَليهَا. وتحية مُلُوك غَسَّان: يَا خير الفتيان وَكَانَت مَنَازِلهمْ الشَّام. وَحكى ثَعْلَب عَن الْفراء أَن المشيخة كَانُوا يضيفونه على الْغَلَط لِأَنَّهُ إِذا أَضَافَهُ خرج دَمًا فَيَقُول: أَبيت اللَّعْن كَأَنَّهُمْ شبهوه بِالْإِضَافَة على الْغَلَط. وَقَالَ: أَرَادَ بَيت اللَّعْن أَي: يَا من هُوَ بَيت اللَّعْن. وَالْقَوْل هُوَ الأول ا. هـ. وتستك: تنسد وَلَا تسمع. ورائع مفزع ومخوف. وَقَوله: مقَالَة أَن قد قلت تَفْسِير لِأَنَّك رَوَاهُ الْأَصْمَعِي بِرَفْع مقَالَة على أَنه بدل من: أَنَّك لمتني. وَرُوِيَ بِفَتْح التَّاء أَيْضا.
قَالَ الْأَخْفَش فِي كتاب المعاياة: إِنَّه نصب ملامة على: أَنَّك لمتني فجَاء بِهِ من بعد مَا تمّ الِاسْم وَهُوَ من الصِّلَة وَهَذَا رَدِيء. ا. هـ. وَقَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: ويحكى أَن ابْن الْأَخْضَر سُئِلَ بِحَضْرَة ابْن الأبرش عَن وَجه النصب كَذَا
فِي النّسخ وَصَوَابه عَن وَجه الْفَتْح فِي قَول النَّابِغَة: مقَالَة أَن قد قلت وَأنْشد الْبَيْتَيْنِ فَقَالَ: وَلَا تصْحَب الأردى فتردى مَعَ الردي فَقيل لَهُ: الْجَواب فَقَالَ ابْن الأبرش: قد أجَاب. يُرِيد أَنه لما أضيف إِلَى الْمَبْنِيّ اكْتسب مِنْهُ الْبناء فَهُوَ مَفْتُوح لَا مَنْصُوب. وَمحله الرّفْع بَدَلا من: أَنَّك لمتني وَقد رُوِيَ بِالرَّفْع. وَهَذَا الْجَواب عِنْدِي غير جيد لعدم إِبْهَام الْمُضَاف. وَلَو صَحَّ لصَحَّ الْبناء فِي نَحْو: غلامك وفرسه وَنَحْو هَذَا مِمَّا لَا قَائِل بِهِ.
ثمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا هُوَ مَنْصُوب على إِسْقَاط الْبَاء أَو بإضمار أَعنِي أَو على المصدرية. وَفِي الْبَيْت إشكالٌ لَو سَأَلَ السَّائِل عَنهُ كَانَ أولى وَهُوَ إِضَافَة مقَال إِلَى أَن قد قلت فَإِنَّهُ فِي التَّقْدِير مقَالَة)
قَوْلك وَلَا يُضَاف الشَّيْء إِلَى نَفسه. وَجَوَابه: أَن الأَصْل مقَالَة فَحذف التَّنْوِين للضَّرُورَة لَا للإضافة وَأَن وصلتها بدلٌ من مقَالَة أَو من أَنَّك لمتني أَو خبرٌ لمَحْذُوف.
وَقد يكون الشَّاعِر إِنَّمَا قَالَ: مقَالَة أَن بِإِثْبَات التَّنْوِين وَنقل حَرَكَة الْهمزَة فأنشده النَّاس بتحقيقها فاضطروا إِلَى حذف التَّنْوِين. ا. هـ.
وَلَا يخفى أَن هَذَا كُله تعسفٌ وَإِنَّمَا هُوَ من إِضَافَة الْأَعَمّ إِلَى الْأَخَص لِأَن مقَالَة أَعم من قَوْلك. وَهِي من الْإِضَافَة البيانية كشجر الْأَرَاك. أَي: مقَالَة هِيَ هَذَا القَوْل.
أتوعد عبدا لم يخنك أَمَانَةوتترك عبدا ظَالِما وَهُوَ ضالع
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: ظَالِم: جَائِر مُتَحَامِل. وضلع أَي: جَار. وَرُوِيَ: ظالع
أَي: مذنب وَأخذ من ظلع الْبَعِير وَهُوَ أَن يقي ويعرج.
حملت عَليّ ذَنبه وَتركتهكذي العر يكوى غَيره وَهُوَ راتع
هَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد أدب الْكَاتِب لِابْنِ قُتَيْبَة. قَالَ الْأَصْمَعِي: العر بِالْفَتْح: الجرب نَفسه.
وَأنْشد:
والعر بِالضَّمِّ: قرح يَأْخُذ الْإِبِل فِي مشافرها وأطرافها شَبيه بالقرع وَرُبمَا تفرق فِي مشافرها مثل القوباء يسيل مِنْهُ مَاء أصفر.
قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شَرحه لأدب الْكَاتِب: فِي مَعْنَاهُ خَمْسَة أَقْوَال.
أَحدهمَا: أَن هَذَا أمرٌ كَانَ يَفْعَله جهال الْأَعْرَاب كَانُوا إِذا وَقع العر فِي إبل أحدهم اعْترضُوا بَعِيرًا صَحِيحا من تِلْكَ الْإِبِل فكووا مشفره وعضده وَفَخذه يرَوْنَ أَنهم إِذا فعلوا ذهب العر من إبلهم. كَمَا كَانُوا يعلقون على أنفسهم كعوب الأرانب خشيَة العطب ويفقؤون عين فَحل الْإِبِل لِئَلَّا تصيبها الْعين. وَهَذَا قَول الْأَصْمَعِي وَأبي عَمْرو وَأكْثر اللغويين.
ثَانِيهَا: قَالَ يُونُس: سَأَلت رؤبة بن العجاج عَن هَذَا فَقَالَ: هَذَا وَقَول الآخر:
كالثور يضْرب لما عافت الْبَقر شيءٌ كَانَ قَدِيما ثمَّ تَركه النَّاس. وَيدل عَلَيْهِ قَول الراجز:
وَكَانَ شكر الْقَوْم عِنْد المننكي الصحيحات وفقء الْأَعْين
ثَالِثهَا: قيل: إِنَّمَا كَانُوا يكوون الصَّحِيح لِئَلَّا يتَعَلَّق بِهِ الدَّاء لَا ليبرأ السقيم حكى ذَلِك ابْن دُرَيْد.)
رَابِعهَا: قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هَذَا أَمر لم يكن وَإِنَّمَا هُوَ مثل لَا حَقِيقَة.
أَي: أخذت البريء وَتركت المذنب فَكنت كمن كوى الْبَعِير الصَّحِيح وَترك السقيم لَو كَانَ هَذَا مِمَّا يكون. قَالَ: وَنَحْو من هَذَا قَوْلهم: يشرب عجلَان ويسكر ميسرَة. وَلم يَكُونَا شَخْصَيْنِ موجودين.
خَامِسهَا: قيل: أصل هَذَا: أَن الفصيل كَانَ إِذا أَصَابَهُ العر لفسادٍ فِي لبن أمه عَمدُوا إِلَى أمه فكووها فتبرأ: وَيبرأ فصيلها ببرئها لِأَن ذَلِك الدَّاء إِنَّمَا كَانَ سرى إِلَيْهِ فِي لَبنهَا. وَهَذَا أغرب الْأَقْوَال وأقربها إِلَى الْحَقِيقَة.
وَمن روى كذي العر بِفَتْح الْعين فقد غلط. لِأَن العر الجرب وَلم يَكُونُوا يكوون من الجرب وَإِنَّمَا كَانُوا يكوون من القروح الَّتِي تخرج فِي مشافر الْإِبِل وقوائمها خَاصَّة.
وَقَوله: كذي العر حَال من مفعول تركته أَو تَقْدِيره: تركا كَتَرْكِ ذِي العر وَجُمْلَة: يكوى غَيره تفسيرية وَجُمْلَة: هُوَ راتعٌ حَال من غير. وَهَذَا ضربه مثلا لنَفسِهِ. يَقُول: أَنا بَرِيء وغيري سقيم فحملتني ذَنْب السقيم وَتركته.
وَقد قَالَ الْكُمَيْت:
وَلَا أكوي الصِّحَاح براتعاتٍبِهن العر قبلي مَا كوينا
قَالَ ابْن أبي الإصبع: فِي التحبير أنْشد ابْن شرف القيرواني ابْن رَشِيق:
غَيْرِي جنى وَأَنا المعاقب فِيكُمفكأنني سبابة المتندم
وَقَالَ لَهُ هَل سَمِعت هَذَا الْمَعْنى فَقَالَ: سمعته وأخذته أَنْت وأفسدته فَقَالَ مِمَّن فَقَالَ: من النَّابِغَة الذبياني حَيْثُ يَقُول:
وكلفتني ذَنْب امرئٍ وَتركته كذي العر يكوى غَيره وَهُوَ راتع فَهَذَا الْمَعْنى الَّذِي أَخَذته. وأما إفساده فلأنك قلت فِي صدر بَيْتك: إِنَّك عوقبت بِجِنَايَة غَيْرك وَلم يُعَاقب صَاحب الْجِنَايَة ثمَّ قلت فِي عجز بَيْتك: إِن صَاحب الْجِنَايَة قد شركك فِي الْعقُوبَة. فتناقض معناك: وَذَلِكَ أَنَّك شبهت نَفسك بسبابة المتندم وسبابة المتندم أول شَيْء يألم فِي المتندم ثمَّ يشركها المتندم فِي الْأَلَم فَإِنَّهُ مَتى تألم عُضْو من الْحَيَوَان تألم كُله لِأَن الْمدْرك من كل مدركٍ حَقِيقَته وَحَقِيقَته على الْمَذْهَب الصَّحِيح هِيَ جملَته الْمُشَاهدَة مِنْهُ والمكوي من الْإِبِل يألم وَمَا بِهِ عر وَصَاحب العر لَا يألم جملَة. فَمن هَهُنَا أخذت الْمَعْنى وأفسدته انْتهى.
وَهَذَا تدقيق فلسفي لَا مدْخل لَهُ فِي الشّعْر.)
وَذَلِكَ أمرٌ لم أكن لأقولهوَلَو كبلت فِي ساعدي الْجَوَامِع
كبلت: جمعت من الكبل وَهُوَ الْقَيْد. والْجَوَامِع: الأغلال جمع جَامِعَة.
أَتَاك بقولٍ لهله النسج كَاذِبًاوَلم يَأْتِ بِالْحَقِّ الَّذِي هُوَ ناصع
يُقَال: ثوب لهله النسج وهلهل النسج: إِذا كَانَ رَقِيقا وَكَذَلِكَ هلهال. وَلِهَذَا سمي الشَّاعِر لعمري وَمَا عمري عَليّ بهين................... الْبَيْت أقارع عوفٍ لَا أحاول غَيرهَا.................... الْبَيْت تقدم شرحهما.
أَتَاك امرؤٌ مستعلن لي بغضةًلَهُ من عَدو مثل ذَلِك شَافِع
فَإِن كنت لَا ذَا الضغن عني منكلاًوَلَا حلفي على الْبَرَاءَة نَافِع
وَلَا أَنا مَأْمُون بشيءٍ أقولهوَأَنت بأمرٍ لَا محَالة وَاقع
حَلَفت فَلم أترك لنَفسك رِيبَةوَهل يأثمن ذُو إمةٍ وَهُوَ طائع
الضغن بِالْكَسْرِ: الحقد. والإمة بِالْكَسْرِ وَالْقَصْد والاستقامة. يَقُول: هَل يَأْثَم من كَانَ على طريقةٍ حسنةٍ وَهُوَ طائع.
بمصطحباتٍ من لصاف وثبرةٍيزرن ألالاً سيرهن تدافع
الْبَاء مُتَعَلقَة بحلفت. وَأَرَادَ بالمصطحبات الْإِبِل الَّتِي يحجّ عَلَيْهَا من لصاف وثبرة. ولصاف بِفَتْح اللَّام وَكسر الْفَاء كحذام وَيجوز أَن يكون كسحابٍ وَهُوَ جبل
فِي بِلَاد بني يَرْبُوع. وثبرة فِي بِلَاد بني مَالك. وألال بِضَم الْهمزَة ولامين: جبل صَغِير عَن يَمِين الإِمَام بِعَرَفَة. وَقَوله: سيرهن تدافع: أَي: من الإعياء: أَي: يتحاملن تحاملاً من الْجهد والتعب.
قَالَ الشَّارِح: سمام بِالْفَتْح طير يشبه السماني سريع الطيران شبه الْإِبِل بهَا. تباري الشَّمْس يَعْنِي فِي ارتفاعها. ويروى: تباري الرّيح أَي: تعارضها لسرعتها. والخوص بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة: جمع خوصاء: أَي: غائرة عيونها ذَاهِبَة فِي الرَّأْس من الْجهد. والرذايا: المعييات أرذاهن السّفر فَلم تنبعث فَتركت وَأخذ عَنْهَا رَحلهَا. وَقد أرذيت الشَّيْء: طرحته يُقَال: جمل رذي وناقة رذية. وَكَذَلِكَ المعيية والطليح والطلح والرجيع. وودائع: قد اسْتوْدعت الطَّرِيق.
عَلَيْهِنَّ شعثٌ عامدون لبرهمفهن كآرام الصريم خواضع
)
ويروى: فهن كأطراف الحني وَهُوَ جمع حنية وَهِي الْقوس الَّتِي حنيت. يَقُول: قد ضمرت الْإِبِل ودقت من السّير. وخواضع: خواشع. والآرام: جمع ريم. والصريم: مَا انْفَرد
إِلَى خير دينٍ نُسكه قد عَلمتهوميزانه فِي سُورَة الْمجد ماتع
إِلَى: مُتَعَلقَة بقوله: عامدون. ومِيزَانه: سنَنه وشرائعه. والسُّورَة بِالضَّمِّ. الْمنزلَة. وماتع: مُرْتَفع يُقَال: متع النَّهَار: إِذا علا.
فَإنَّك كالليل الَّذِي هُوَ مدركيوَإِن خلت أَن المنتأى عَنْك وَاسع
قَالَ أَبُو عَليّ فِي إِيضَاح الشّعْر: يحْتَمل أَن تكون إِن نَافِيَة كَأَنَّك قلت: مَا خلت أَن المنتأى عَنْك وَاسع لِأَنَّك كالليل المدركي أَيْنَمَا كنت. وَيجوز أَن تكون إِن للجزاء كَأَنَّهُ قَالَ: إِن خلت أَن المنتأى عَنْك وَاسع أدركتني وَلم أفتك كَمَا يدركني اللَّيْل. وَالْأول أشبه ا. هـ.
وَقد اعْترض الْأَصْمَعِي على النَّابِغَة فِي هَذَا الْبَيْت فَقَالَ: تشبيهه الْإِدْرَاك بِاللَّيْلِ يُسَاوِيه إِدْرَاك النَّهَار فَلم خصّه دونه وَإِنَّمَا كَانَ سَبيله أَن يَأْتِي بِمَا لَيْسَ لَهُ قسيم حَتَّى يَأْتِي بِمَعْنى ينْفَرد بِهِ أَقُول: إِنَّمَا قَالَ: كالليل وَلم يقل:
كالصبح مثلا لِأَنَّهُ وَصفه فِي حَال سخطه فشبهه بِاللَّيْلِ وهوله. فَهِيَ كلمة جَامِعَة لمعانٍ كَثِيرَة. كَذَا فِي تَهْذِيب الطَّبْع.
وَهَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد تَلْخِيص الْمِفْتَاح أوردهُ شَاهدا لمساواة اللَّفْظ للمعنى. وَمَا أحسن قَول ابْن هَانِئ الأندلسي فِي هَذَا الْمَعْنى:
أَيْن المفر وَلَا مفر لهاربٍوَلَك البسيطان: الثرى وَالْمَاء
خطاطيف حجنٌ فِي حبالٍ متينةٍتمد بهَا إيد إِلَيْك نوازع
الخطاطيف: جمع خطَّاف وَهِي الحديدة الَّتِي تخرج بهَا الدلاء وَغَيرهَا من الْبِئْر. وحجن: معوجة جمع أحجن وحجناء. يَقُول: أَنا فِي قبضتك تقدر عَليّ مَتى شِئْت لَا أَسْتَطِيع الْهَرَب مِنْك وَهُوَ مثل. ونوازع: جواذب يُقَال: نزعت من الْبِئْر دلواً أَو دلوين. وبئر نزوع: إِذا كَانَ
سيبلغ عذرا أَو نجاحاً من امرئٍإِلَى ربه رب الْبَريَّة رَاكِع
رَاكِع: فَاعل سيبلغ وَهُوَ بِمَعْنى الخاضع والذليل يَعْنِي بِهِ نَفسه.
وَأَنت ربيعٌ ينعش النَّاس سيبهوسيفٌ أعيرته الْمنية قَاطع
أَي: أَنْت بِمَنْزِلَة الرّبيع. ينعش: يرفع وَيجْبر. وسيبه: عطاؤه. أَي: أَنْت سيب وَعَطَاء)
لوليك وَسيف لأعدائك.
وتسقي إِذا مَا شِئْت غير مصردٍبزوراء فِي أكنافها الْمسك كارع
غير مصرد: أَي: غير مَمْنُوع وَلَا مَقْطُوع. يُقَال: صرد عَليّ الشَّرَاب:
صَاحب الصِّحَاح هُوَ الْقدح. وكارع: أَي أَن الْمسك على شفَاه ذَلِك الْإِنَاء.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الزَّوْرَاء: دَار بِالْحيرَةِ وحَدثني من رَآهَا وَزعم أَن أَبَا جعفرٍ هدمها.
أَبى الله: إِلَّا عدله ووفاءهفَلَا النكر معروفٌ وَلَا الْعرف ضائع
وَهَذَا آخر القصيدة أَي: مَا يُرِيد الله إِلَّا عدل النُّعْمَان بن الْمُنْذر وَإِلَّا وفاءه فَلَا يَدعه أَن يجور وَلَا أَن يغدر فَلَا النكر يعرفهُ النُّعْمَان وَلَا الْجَمِيل يضيع عِنْده.
تمّ الْجُزْء الثَّانِي
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع