من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الثَّالِث وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
الشَّاهِد الثَّالِث وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَة قَول الرَّاعِي. وَهُوَ من شَوَاهِد س:
أزمان قومِي وَالْجَمَاعَة كَالَّذيمنع الرحالة أَن تميل مميلا
على أَنه على تَقْدِير: أزمان كَانَ قومِي وَالْجَمَاعَة. فالجماعة مفعول مَعَه على تَقْدِير إِضْمَار الْفِعْل.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: زَعَمُوا أَنه الرَّاعِي كَانَ ينشد هَذَا الْبَيْت نصبا. وَقَالَ: كَأَنَّهُ قَالَ: أزمان كَانَ قومِي مَعَ الْجَمَاعَة. وَحذف كَانَ لأَنهم يستعملونها كثيرا فِي هَذَا الْموضع وَلَا لبس فِيهِ وَلَا تَغْيِير معنى.
وَمثله قَوْله تَعَالَى: وَاتبعُوا مَا تتلوا الشاطين على ملك سُلَيْمَان أَرَادَ مَا كَانَت تتلو.
قَالَ ابْن عُصْفُور: وَإِنَّمَا حمل على إِضْمَار كَانَ وَلم يحمل على تَقْدِير حذف مُضَاف إِلَى قومِي فَيكون التَّقْدِير: أزمان كَون قومِي وَالْجَمَاعَة لِأَن الْمصدر المقدّر بِأَن وَالْفِعْل من قبيل الموصولات وَحذف الْمَوْصُول وإبقاء شَيْء من صلته لَا يجوز.
فَإِن قلت: مَا الدَّلِيل على أَن قومِي من قَوْله: أزمان قومِي مَحْمُول على فعل مُضْمر قلت: لِأَنَّهُ لَيْسَ من قبيل المصادر وَأَسْمَاء الزَّمَان لَا يُضَاف شَيْء مِنْهَا إِلَّا إِلَى مصدر أَو جملَة تكون فِي مَعْنَاهُ نَحْو: هَذَا يَوْم قدوم زيد وَقَوْلهمْ: يَوْم الْجمل وَيَوْم حليمة فَهُوَ على حذف مُضَاف أَي: يَوْم حَرْب الْجمل وَنَحْوه.
قَالَ الأعلم: وصف مَا كَانَ من اسْتِوَاء الزَّمَان واستقامة الْأُمُور قبل قتل عُثْمَان وشمول الْفِتْنَة.
وَأَرَادَ الْتِزَام قومه الْجَمَاعَة وتركهم الْخُرُوج على السُّلْطَان. وَالْمعْنَى: أزمان قومِي والتزامهم الْجَمَاعَة وتمسكهم بهَا كَالَّذي تمسك بالرحالة ومنعها من أَن تميل وَتسقط. والرحالة بِالْكَسْرِ: وَهِي أَيْضا السرج. ضربهَا مثلا اه.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة طَوِيلَة عدّتها تِسْعَة وَثَمَانُونَ بَيْتا لِلرَّاعِي. مدح بهَا عبد الْملك بن مَرْوَان وشكا فِيهَا من السعاة وهم الَّذين يَأْخُذُونَ الزَّكَاة من قبل السُّلْطَان. وَهِي قصيدة جَيِّدَة كَانَ يَقُول: من لم يرو لي من أَوْلَادِي هَذِه القصيدة وقصيدتي الَّتِي أَولهَا: بَان الْأَحِبَّة بالعهد الَّذِي عهدوا وَهِي فِي هَذَا الْمَعْنى أَيْضا فقد عقني: وَقبل بَيت الشَّاهِد:)
أوليّ أَمر الله إِنَّا معشرحنفَاء نسجد بكرَة وَأَصِيلا
عرب نرى لله فِي أَمْوَالنَاحق الزَّكَاة منزّلاً تَنْزِيلا
قوم على الْإِسْلَام لمّا يمنعوامَا عونهم ويضّيعوا التهليلا
فادفع مظالم عيّلت أبناءناعَنَّا وأنقذ شلونا المأكولا
فنرى عَطِيَّة ذَاكإِن أَعْطيته من رَبنَا فضلا ومنك جزيلا
أَنْت الْخَلِيفَة حلمه وفعالهوَإِذا أردْت لظَالِم تنكيلا
قتلوا ابْن عَفَّان الْخَلِيفَة محرماودعا فَلم أر مثله مخذولا
فتصدعت من بعد ذَاك عصاهمشققاً وَأصْبح سيفهم مسلولا
حَتَّى إِذا استعرت عجاجة فتْنَةعمياء كَانَ كتابها مَفْعُولا
وزنت أُميَّة أمرهَا فدعَتْ لَهُمن لم يكن غمراً وَلَا مَجْهُولا
مَرْوَان أحزمها إِذا نزلت بِهِحدب الْأُمُور وَخَيرهَا مسؤولا
أزمان رفّع بِالْمَدِينَةِ ذيلهوَلَقَد رأى زرعا بهَا ونخيلا
وديار ملك خرّبتها فتْنَةومشيّدا فِيهِ الْحمام ظليلا
إِنِّي حَلَفت على يَمِين برّةلَا أكذب الْيَوْم الْخَلِيفَة قيلا
مَا زرت آل أبي خبيب وافداًيَوْمًا أُرِيد لبيعتي تبديلا
من نعْمَة الرَّحْمَن لَا من حيلتيإِنِّي أعدّ لَهُ عليّ فضولا
أزمان قومِي وَالْجَمَاعَة كَالَّذيلزم الرحالة أَن تميل مميلا
إِلَى أَن قَالَ:
إِن السعاة عصوك حِين بعثتهموَأتوا دواهي لَو علمت وغولا
إِن الَّذين أَمرتهم أَن يعدلُوالم يَفْعَلُوا مِمَّا أمرت فتيلا
أخذُوا العريف فقطّعوا حيزومهبالأصبحية قَائِما مغلولا
يَدْعُو أَمِير الْمُؤمنِينَ ودونهخرق تجرّ بِهِ الرِّيَاح ذيولا
قَوْله: قوم على الْإِسْلَام لمّا يمنعوا ماعونهم أوردهُ الزَّمَخْشَرِيّ فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَيمْنَعُونَ الماعون على أَن الماعون الزَّكَاة. والتهليل: هُوَ قَول لَا إِلَه إِلَّا الله أَرَادَ كلمة التَّوْحِيد.
وَقَوله: عيّلت أبناءنا التعييل: سوء الْغذَاء وعيّل الرجل فرسه: إِذا سيّبه فِي الْمَفَازَة. والإنقاذ:)
التخليص. والشلو بِالْكَسْرِ: الْعُضْو. والشكول جمع شكل بِفَتْح أَوله وكسره: الشّبَه والمثل أَي: جعلُوا النَّاس متخالفين بعد أَن كَانُوا متحدين. وَقَوله: قتلوا ابْن عَفَّان الخ يُقَال: أحرم الرجل إِذا دخل فِي حُرْمَة لَا تهتك.
قَالَ العسكري فِي بَاب مَا وهم فِيهِ عُلَمَاء الْكُوفِيّين من كتاب التَّصْحِيف:
أخبرنَا أَبُو عَليّ الكوكبيّ حَدثنِي مُحَمَّد بن سُوَيْد حَدثنِي مُحَمَّد بن هُبَيْرَة قَالَ: قَالَ الْأَصْمَعِي للكسائي وهما عِنْد الرشيد: مَا معنى قَول الرَّاعِي: قتلوا ابْن عَفَّان الْخَلِيفَة محرما فَقَالَ الْكسَائي. كَانَ محرما بِالْحَجِّ. قَالَ الْأَصْمَعِي: فَقَوله: قتلوا كسْرَى بلَيْل محرما فَتَوَلّى لم يمتع بكفن هَل كَانَ محرما بِالْحَجِّ قَالَ الرشيد للكسائي: يَا عليّ إِذا جَاءَ الشّعْر فإياك والأصمعي قَالَ الْأَصْمَعِي محرم أَي: لم يَأْتِ مَا تستحل بِهِ عُقُوبَته وَمن ثمّ قيل مُسلم محرم أَي: لم يحلّ من نَفسه شَيْئا يُوجب الْقَتْل. وَقَوله: قتلوا كسْرَى محرما يَعْنِي حُرْمَة الْعَهْد الَّذِي كَانَ لَهُ فِي أَعْنَاق أَصْحَابه اه.
وَقَوله: حدب الْأُمُور جمع أحدب وحدباء أَرَادَ الْأُمُور المشكلة. وَقَوله: مَا زرت آل أبي حبيب الخ. أَبُو خبيب هُوَ عبد الله بن الزبير وَكَانَ
ادّعى الْخلَافَة يَوْمئِذٍ فِي الْحجاز. وَقَوله: إِنِّي أعدّ لَهُ عليّ فضولاً هُوَ جمع فضل بِمَعْنى الْإِحْسَان والإنعام وَهُوَ الْعَامِل النصب على الظَّرْفِيَّة فِي أزمان وَيجوز رَفعه على الِابْتِدَاء وَالْخَبَر مَحْذُوف أَي: من الفضول أزمان قومِي الخ.
قَالَ صَاحب كتاب التَّنْبِيه على مَا أشكل من كتاب سِيبَوَيْهٍ: وَيجوز رفع أزمان على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف دون إِظْهَار كَانَ وَالْوَاو وَاو مَعَ أَيْضا فَتكون إِضَافَة أزمان إِلَى الْجُمْلَة الإسمية على هَذَا. ثمَّ قَالَ: وَالْأول أَي: النصب على الظَّرْفِيَّة احسن وَأكْثر اه. والسعاة: جمع ساع وَهُوَ كل من ولي شَيْئا على قوم وَأكْثر مَا يُقَال ذَلِك فِي وُلَاة الصَّدَقَة أَي: الزَّكَاة. وَقَوله: أخذُوا الْمَخَاض من الفصيل الخ الْمَخَاض: النوق الْحَوَامِل وَاحِدهَا خلفة.
والفصيل: ابْنهَا. والغلبّة بِضَم الْغَيْن وَاللَّام وَتَشْديد الموحّدة هِيَ الْغَلَبَة بِالتَّحْرِيكِ وَالتَّخْفِيف.
وَهُوَ وظلماً مصدران وَقعا حَالين من فَاعل أخذُوا. وَيجوز نصب الثَّانِي بِالْأولِ على أَنه مصدر معنويّ. والأفيل ككريم من أَوْلَاد الْإِبِل: مَا أَتَى عَلَيْهِ سَبْعَة أشهر وَهُوَ مَنْصُوب بيكتب بِالْبِنَاءِ)
للْفَاعِل أَي: يكْتب السَّاعِي. وعَلى رِوَايَة الْبناء للْمَفْعُول وَهِي الْمَشْهُورَة مفعول لفعل مَحْذُوف أَي: وَيكْتب أَخذنَا من فلَان أفيلا.
وَأورد ابْن هِشَام هَذَا الْبَيْت فِي الْمُغنِي على أَن من فِيهِ للبدل أَي: نَأْخُذ الْمَخَاض بدل الفصيل.
قَالَ ابْن يسعون: وَيجوز أَن لَا تكون بدليّة بل مُتَعَلقَة بأخذوا أَي: انتزعوه من أمه. وَرُوِيَ بدله من العشار فَهِيَ بَيَانِيَّة أَي: كائنة من العشار.
وَقَوله: أخذُوا العريف هُوَ رَئِيس الْقَوْم ومتكلمهم. والأصبحية هِيَ السِّيَاط منسوبة إِلَى ذِي أصبح من مُلُوك الْيمن فَإِنَّهُ الَّذِي اخترعها. والْخرق بِالْفَتْح: الفلاة. والرَّاعِي اسْمه عبيد بن حُصَيْن بتصغيرهما ابْن مُعَاوِيَة بن جندل بن
قطن بن ربيعَة بن عبد الله بن الْحَارِث بن نمير بن عَامر بن صعصعة. وكنية الرَّاعِي: أَبُو جندل. ولقّب الرَّاعِي لِكَثْرَة وَصفه الْإِبِل والرعاء فِي شعره. وَقيل: لقب بِهِ بِبَيْت قَالَه.
وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: اسْمه حُصَيْن بن مُعَاوِيَة. وَكَانَ يُقَال لِأَبِيهِ فِي الْجَاهِلِيَّة مُعَاوِيَة الرئيس. وَولده وَأهل بَيته فِي الْبَادِيَة سادة أَشْرَاف.
وَهُوَ شَاعِر فَحل مَشْهُور من شعراء الْإِسْلَام مقدم. ذكره الجُمَحِي فِي الطَّبَقَة الأولى من الشُّعَرَاء الإسلاميين. وَكَانَ يقدم الفرزدق على جرير فاستكفه جرير فَأبى فهجاه بقصيدته البائية الَّتِي مطْلعهَا: أقلي اللوم عاذل والعتابا ففضحه بهَا. وَتقدم بَيَانه فِي تَرْجَمَة جرير فِي أَوَائِل الْكتاب.
وَفِي المؤتلف والمختلف للآمدي: من لقبه الرَّاعِي من الشُّعَرَاء اثْنَان: أَحدهمَا: هَذَا وَالثَّانِي: اسْمه خَليفَة بن بشير بن عُمَيْر بن الْأَحْوَص من بني عدي بن جناب. وَقيل غير ذَلِك.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع