من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
(الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ بعد الثلاثمائة)
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
حَتَّى إِذا مَا خرجت من فمّه
على أنّ تَشْدِيد الْمِيم مَعَ ضمّ الْفَاء وَفتحهَا ضَرُورَة وَلَيْسَ بلغَة ابْن جنّي أَقُول: قَالَه ابْن جنّي فِي سرّ الصِّنَاعَة فِي حرف الْمِيم وَهَذِه عِبَارَته: اعْلَم أنّ الْمِيم حرف مجهور يكون أصلا وبدلاً وزائداً.
فَالْأَصْل نَحْو مرس وَسمر ورسم.
وَأما الْبَدَل فقد أبدلت من الْوَاو وَالنُّون وَالْبَاء وَاللَّام. أما إبدالها من الْوَاو فَقَوْلهم فَم وَأَصله فوه بِوَزْن سَوط فحذفت الْهَاء تَخْفِيفًا فَلَمَّا بَقِي على حرفين ثَانِيهمَا حرف لين كَرهُوا حذفه للتنوين فيجحفوا بِهِ فأبدلوا من الْوَاو ميماً للقرب لأنّهما شفهيّان وَفِي الْمِيم هواءفي الْفَم يضارع امتداد الْوَاو.
ويدلّ أنّ فَم مَفْتُوح الْفَاء وجودك إِيَّاهَا مَفْتُوحَة فِي هَذَا اللَّفْظ وَهُوَ مَشْهُور. وأمّا مَا حكى فِيهَا أَبُو زيد وَغَيره من كسر الْفَاء وضمّها فضربٌ من التَّغْيِير لحق الْكَلِمَة لإعلالها بِحَذْف لامها وإبدال عينهَا.
وأمّا قَول الآخر:
يَا ليتها قد خرجت من فمّهحتّى يعود الْملك فِي أسطمّه
يرْوى بضمّ الْفَاء وَفتحهَا فَالْقَوْل فِي تَشْدِيد الْمِيم عِنْدِي أَنه لَيْسَ ذَاك بلغَة. أَلا ترى أنّك لَا تَجِد)
لهَذِهِ المشدّدة الْمِيم تصرّفاً. إِنَّمَا التصرّف كلّه على: ف وه من ذَلِك قَوْله تَعَالَى: يَقُولُونَ بأفواههم.
وَقَالَ الآخر:
فَلَا لغوٌ وَلَا تأثيم فِيهَاوَمَا فاهوا بُد أبدا مُقيم
وَقَالُوا: رجل مفوّه: إِذْ أَجَاد القَوْل لِأَنَّهُ يخرج من فِيهِ. وَقَالُوا: مَا تفوّهت بِهِ وَهُوَ تفعّلت.
وَقَالُوا فِي جمع أفوه وَهُوَ الْكَبِير الْفَم: فوهٌ. وَلم نسمعهم قَالُوا: أفمام وَلَا رجل أفمّ كَمَا قَالُوا أَصمّ. فدلّ اجْتِمَاعهم على تصريف الْكَلِمَة بِالْفَاءِ وَالْوَاو وَالْهَاء على أنّ التشيديد لَا أصل لَهُ وَإِنَّمَا هوعارضٌ لحق الْكَلِمَة.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَإذْ ثَبت بِمَا ذكرته أَن التَّشْدِيد لَيْسَ من أصل الْكَلِمَة فَمن أَيْن أَتَاهَا وَمَا وَجه دُخُوله إِيَّاهَا فَالْجَوَاب: أَن أصل ذَلِك أَنهم ثقّلوا الْمِيم فِي الْوَقْف فَقَالُوا: هَذَا فَم كَمَا يَقُولُونَ هَذَا خَالِد وَهُوَ يَجْعَل ثمَّ إنّهم أجروا الْوَصْل مجْرى الْوَقْف فِيمَا حَكَاهُ سِيبَوَيْهٍ عَنْهُم من قَوْلهم ثلاثهر بعة وَكَقَوْلِه: ببازلٍ وجناء أَو عيهلّ فَهَذَا وَجه تَشْدِيد الْمِيم عِنْدِي
فَإِن قلت: إِذا كَانَ أصل فَم عنْدك فوه فَمَا تَقول فِي قَول الفرزدق: هما نفثا فِي فيّ من فمويهما وَإِذا كَانَت الْمِيم بَدَلا من الْوَاو فَكيف جَازَ لَهُ الْجمع بَينهمَا فَالْجَوَاب: أَن أيا عليّ حكى لنا عَن أبي بكر وَأبي إِسْحَاق أَنَّهُمَا ذَهَبا إِلَى أنّ الشَّاعِر جمع بَين الْعِوَض والمعوّ مِنْهُ لأنّالكلمة مجهورة منقوصة.
وَأَجَازَ أَبُو عليّ أَيْضا فِيهِ وَجها آخر وَهُوَ أَن تكون الْوَاو فِي فمويهما لَا مَا فِي مَوضِع الْهَاء من الإفواه وَتَكون الْكَلِمَة يعتقب عَلَيْهَا لامان: هَاء مرّة وواو أُخْرَى فيجرى هَذَا مجْرى سنة وعضة.
أَلا نراهما فِي قَول من قَالَ سنوات وأسنتوا ومساناة وعضوات واويّين وتجدهما فِي قَول من قَالَ سنة سنهاء وبعير عاضه عائيّين. وَإِذا ثَبت بِمَا قدّمناه أَن عين فَم فِي الأَصْل وَاو فَيَنْبَغِي أَن يقْضى بسكونها لأنّ السّكُون هُوَ الأَصْل.)
فَإِن قلت: فهلاّ قضيت بحركة الْعين بجمعك إيّاه على أَفْوَاه نَحْو بَطل وابطال وَقدم وأقدام ورسن وأرسان فَالْجَوَاب: أَن فعلا مِمَّا عينه واوٌ بَابه أَيْضا أَفعَال كسوط وحوض وأحواض ففوهٌ لأنّ عينه واوٌ بِسَوْط أشبه مِنْهُ بقدم ورسن. فاعرف ذَلِك. انْتهى كَلَام ابْن جنّي بِاخْتِصَار قدر النّصْف.
وَقَول الشَّارِح: وَالْجمع أفمام. يُوهم أَنه مسموع وَقد نصّ ابْن جنّي وَصَاحب الصِّحَاح على أَنه لَا يُقَال ذَلِك.
وَالْبَيْت من أجوزة للعجّاج وَقد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالْعِشْرين من أَوَائِل الْكتاب.
وَرِوَايَة الشَّارِح للبيت غير جَيِّدَة وَالصَّوَاب: يَا ليتها قد خرجت من فمّه
كَمَا هُوَ فِي ديوانه. وَكَذَا رَوَاهُ ابْن السّكيت فِي إصْلَاح الْمنطق ز يَقُول: يَا ليتها قد خرجت من فمّه حتّى يعود الْملك إِلَى أَهله. وَيجوز أَن يكون أَرَادَ كلمة يتكلّم بهَا. وأسطمّ الشَّيْء: وَسطه وَقَالَ صَاحب الصِّحَاح: يُقَال فلانٌ فِي أسطمّة قومه أَي: فِي وَسطهمْ وأشرافهم. وأسطمّه الْحسب: وَسطه ومجتمعه والأطسمّة مثله على الْقلب. وَأنْشد بَيت العجّاج وَقَالَ: أَي فِي أَهله وحقّه وَالْجمع الأساطم. وَتَمِيم تَقول: اساتم تعاقب بَين الطَّاء وَالتَّاء فِيهِ وَأورد الْبَيْت فِي مَادَّة الْفَاء وَالْمِيم أَيْضا
في هذا الباب
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع