من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الثَّلَاثُونَ بعد الثلاثمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَهُوَ من شَوَاهِد س:
رحت وَفِي رجليك مَا فيهمَاوَقد بدا هنك من المئزر
على ان تسكين هن فِي الْإِضَافَة للضَّرُورَة وَلَيْسَ بلغَة.
وَأوردهُ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب الإشباع فِي الجرّ وَالرَّفْع وَغير الإشباع قَالَ: وَقد يجوز أَن يسكنوا الْحَرْف الْمَجْرُور وَالْمَرْفُوع فِي الشّعْر شبّهوا ذَلِك بِكَسْر فَخذ حَيْثُ حذفوا فَقَالُوا فَخذ وبضمّة عضدٍ حَيْثُ حذفوا فَقَالُوا: عضد لأنّ الرّفْعَة ضمة والجرة كسرة ثمَّ أنْشد هَذَا الْبَيْت.
وَمثله فِي الضَّرُورَة قَول جرير:
سِيرُوا بني العمّ فالأهوار منزلكمونهر تيرى وَلَا تعرفكم الْعَرَب
وَمن أَبْيَات الْكتاب أَيْضا:
فاليوم اشرب غير مستحقبٍإِثْمًا من الله وَلَا واغل
قَالَ ابْن جنّي فِي الْمُحْتَسب: وَأما اعْتِرَاض أبي الْعَبَّاس الْمبرد هُنَا على الْكتاب فإنّما هُوَ على وَقَول أبي الْعَبَّاس: إنّما الرِّوَايَة فاليوم فَاشْرَبْ فَكَأَنَّهُ قَالَ لسيبويه: كذبت على الْعَرَب وَلم تسمع)
مَا حكيته عَنْهُم. وَإِذا بلغ الْأَمر هَذَا الحدّ من السَّرف فقد سَقَطت كلفة القَوْل مَعَه وَكَذَلِكَ إِنْكَاره عَلَيْهِ أَيْضا قَول الشَّاعِر: وَقد بدا هنك من المئزر فَقَالَ: أَنما الرِّوَايَة: وَقد بدا ذَاك من المئزر وَمَا أطيب الْعَرُوس لَوْلَا النّفقة. انْتهى.
وَهَذَا الْبَيْت ثَالِث أبياتٍ للأقيشر الْأَسدي.
وَقَالَ صَاحب الأغاني وَغَيره: سكر الأقيشر يَوْمًا فَسقط فبدت عَوْرَته وَامْرَأَته تنظر إِلَيْهِ فَضَحكت مِنْهُ وَأَقْبَلت عَلَيْهِ تلومه وَتقول لَهُ: أما تَسْتَحي يَا شيخ من أَن تبلغ بِنَفْسِك هَذِه الْحَالة فَرفع رَأسه إِلَيْهَا وَأَنْشَأَ يَقُول:
تَقول: يَا شيخ أما تَسْتَحيمن شربك الْخمر على المكبر
فَقلت: لَو باكرت مشمولةًصبها كلون الْفرس الْأَشْقَر
رحت وف يرجليك عقّالةٌوَقد بدا هنك من المئزر
انْتهى. وَقَالَ بعض من كتب على شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: مرّ سَكرَان بسكّة بني فَزَارَة فَجَلَسَ يريق المَاء ومرّ بِهِ نسوةٌ فَقَالَت امْرَأَة منهنّ: هَذَا نشوان قَلِيل الْحيَاء أما تَسْتَحي يَا شيخ من شربك الْخمر فَقَالَ ذَلِك.
وَقَالَ ابْن الشّجريّ فِي أَمَالِيهِ: مرّ الفرزدق بامرأةٍ وَهُوَ سَكرَان يتواقع فسخرت مِنْهُ فَقَالَ هَذِه الأبيات. انْتهى وَالصَّوَاب الأول.
وَقَوله: أما تَسْتَحي هُوَ شاهدٌ على أنّه يُقَال اسْتَحى أَن يضْرب مثلا بياء وَاحِدَة وَرويت عَن ابْن كثير أَيْضا وَهِي لُغَة تَمِيم.
قَالَ ابْن هِشَام فِي شرح بَانَتْ سعاد: وَالْأَصْل بياءين فنقلت حَرَكَة الْعين إِلَى الْفَاء فَالتقى ساكنان: فَقيل حذفت اللَّام فالوزن يستفع وَقيل حذفت الْعين فالوزن يستفل.
وَرُوِيَ بدل الْخمر الراح وَهِي بمعناها. وَقَوله: على المكبر بِفَتْح الْمِيم وَكسر الموحّدة مصدر كبر يكبر من بَاب علم أَي: أسنّ والمصدر الْكبر بِكَسْر فَفتح والمكبر أَيْضا.
قَالَ صِحَاح الصِّحَاح: يُقَال علاهُ المكبر بِكَسْر الْيَاء وَالِاسْم الكبرة بِفَتْح الْكَاف وَسُكُون الْبَاء)
أَي: السن. وباكرت بِمَعْنى سارعت فِي البكرة. والمشمولة: الْخمر الْبَارِدَة تالطعم وَالْأَصْل فِي المشمولة الَّتِي ضربتها ريح الشمَال حتّى بردت يُقَال: غَدِير مشمول وَنَحْوه.
وَيُقَال للخمر شُمُول أَيْضا لِأَنَّهَا تشْتَمل على عقل صَاحبهَا وَقيل لأنّ لَهَا عصفة كعصفة الرّيح الشمَال. والصّهبة: الشّقرة وَسميت الْخمر الصّبهاء للونها وَهِي ممدودوة وَقد قصرهَا للضَّرُورَة وَفِيه ردّ على الفرّاء إِذْ زعم أَنه لَا يقصر للضَّرُورَة إلاّ مَا مأخذه السماع وَلَا يجوز قصر الْمَمْدُود القياسي.
وَقَوله: وَفِي رجليك مَا فيهمَا يُرِيد أَن فيهمَا اضطراباً واختلافاً. ورويّ: وَفِي رجليك عقالة وَهُوَ بضمّ الْعين وَتَشْديد الْقَاف: ظلع يَأْخُذ فِي القوائم. وبدا بِمَعْنى ظهر. والهن: كِنَايَة عَن كلّ مَا يقبح ذكره وَأَرَادَ بِهِ هُنَا الْفرج. والمئزر هُوَ الْإِزَار كَقَوْلِهِم ملحف ولحاف. والأقشير: مصغر أقشر قَالَ صَاحب الصِّحَاح: رجل أقشر بيّن القشر بِالتَّحْرِيكِ أَي: شَدِيد الْحمرَة.
قَالَ صَاحب الأغاني: الأقشير لقبٌ بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ أَحْمَر الْوَجْه أقشر. واسْمه الْمُغيرَة بن عبد الله بن معرض بن عَمْرو بن أَسد بن خُزَيْمَة ويكنى أَبَا معرض بِضَم الْمِيم وَكسر الرَّاء الْخَفِيفَة.
وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: اسْمه الْمُغيرَة بن الْأسود بن وهب أحد بني أَسد بن خُزَيْمَة.
قَالَ صَاحب الأغاني: وعمّر الأقيشر عمرا طَويلا. ولد فِي الجاهليّة وَكَانَ كوفيّاً خليعاً مَاجِنًا
يَا أيّها المبتغي حشّاً لِحَاجَتِهِوَجه الأقيشر حشّ غير مَمْنُوع
والحشّ بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الشين الْمُعْجَمَة: بَيت الْخَلَاء.
قَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَكَانَ يغْضب إِذا قيل لَهُ أقيشر فمرّ يَوْمًا بِقوم بني عبس فَقَالَ رجل مِنْهُم: يَا أقيشر فَسكت سَاعَة ثمَّ قَالَ:
أتدعوني الأقيشر ذَاك اسْمِيوأدعوك ابْن مطفئة السراج
تنادي خدنها بِاللَّيْلِ سرّاًوربّ النَّاس يعلم مَا تناجي
فسمّي الرّجل ابْن مطفئة السرّاج وَولده ينسبون إِلَى ذَلِك إِلَى الْيَوْم.
قَالَ صَاحب الأغاني: وَله حكاياتٌ فِي شرب الْخمر والافتراء على الخمّارين وَلم يسلم من هجوه أحد.)
وَقد أطنب صَاحب الأغاني فِي قبائحه: مِنْهَا أَنه كَانَ لَهُ ابْن عمّ مُوسر فَكَانَ يسْأَله فيعطيه حتّى كثر ذَلِك عَلَيْهِ فَمَنعه فَقَالَ: إِلَى كم أُعْطِيك وَأَنت تنفقه فِي شرب الْخمر لَا وَالله لَا أُعْطِيك شَيْئا فَتَركه حتّى اجْتمع قومه فِي ناديهم وَهُوَ فيهم ثمَّ جَاءَ فَوقف عَلَيْهِم ثمَّ شكاه إِلَيْهِم وذمّه فَوَثَبَ إِلَيْهِ ابْن عمّه فَلَطَمَهُ فَأَنْشَأَ يَقُول:
سريعٌ إِلَى ابْن العمّ يلطم وَجههوَلَيْسَ إِلَى دَاعِي النّدى بسريع
وَالْبَيْت الأول أوردهُ صَاحب تَلْخِيص الْمِفْتَاح شَاهدا لردّ الْعَجز على الصَّدْر.
وَمِنْهَا أنّه كَانَ عنّيناً لَا يَأْتِي النِّسَاء وَكَانَ يصف ضدّ ذَلِك من نَفسه فَجَلَسَ إِلَيْهِ يَوْمًا رجلٌ من قيس فأنشده الأقيشر:
وَلَقَد أروح بمشرفٍ ذِي ميعةٍعسر المكرّة مَاؤُهُ يتفصّد
مرحٍ يطير من المرح لعابهويكاد جلد إهابه يتقدّد
ثمَّ قَالَ للرجل: أتعرف الشّعْر قَالَ: نعم. قَالَ: مَا وصفت قَالَ: فرسا.
قَالَ: أفكنت لَو رَأَيْته ركبته قَالَ: إِي وَالله وأمال عطفه فكشف الأقيشر عَن أيره وَقَالَ: هَذَا وصفت فَقُمْ واركبه. فَوَثَبَ الرجل عَن مَجْلِسه وَهُوَ يَقُول: قبحك الله من جليس وَذكره ابْن حجر فِي قسم المخضرمين من الْإِصَابَة وَأورد لَهُ هذَيْن الْبَيْتَيْنِ.
وَمِنْهَا: أنّ عمّه الأقيشر قَالَت لَهُ يَوْمًا: اتَّقِ الله وقم فصلّ فَقَالَ: لَا أصلّي فَأَكْثَرت عَلَيْهِ فَقَالَ: قد أبرمتني فاختاري خصْلَة من خَصْلَتَيْنِ. إِمَّا أَن أصليّ وَلَا أتطهّر أَو أتطّهر وَلَا أصلّي قَالَت: قبحك الله فَإِن لم يكن غير هَذَا فصلّ بِلَا وضوء. فصلى بِلَا وضوء.
وَمِنْهَا أَنه أَتَى إِلَى قيس بن مُحَمَّد بن الْأَشْعَث وَكَانَ ضريراً وناسكاً فَسَأَلَهُ فَأعْطَاهُ ثلثمِائة دِرْهَم فَقَالَ: لَا أريدها جملَة وَلَكِن مر القمرهان أَن يعطيني فِي كلّ يومٍ ثَلَاثَة دَرَاهِم حتّى تنفذ. فَأمر بذلكن فَكَانَ يَأْخُذهَا فَجعل درهما لطعامه ودرهماً لشرابه ودرهما لدابّة تحمله إِلَى بيُوت الخمّارين فَلَمَّا نفدت الدّراهم أَتَاهُ الثَّانِيَة فَسَأَلَهُ فَأعْطَاهُ كالأولى وَعمل بهَا مثل ذَلِك.
ثمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَة فَأعْطَاهُ وَفعل مثل ذَلِك. وَأَتَاهُ الرَّابِعَة فَسَأَلَهُ فَقَالَ قيس: لَا أَبَا لَك كأنّك قد جعلته خراجاً علينا.
فَانْصَرف وَهُوَ يَقُول: الطَّوِيل)
ألم تَرَ قيس الأكمة ابْن محمدٍيَقُول وَلَا تَلقاهُ للخير يفعل
رَأَيْتُك أعمى الْعين وَالْقلب ممسكاًوَمَا خير أعمى الْعين وَالْقلب يبخل
فَلَو صمّ تمّت لعنة الله كلّهاعَلَيْهِ وَمَا فِيهِ من الشّرّ أفضل
فَقَالَ قيس لَو نجا من الأقيشر لنجوت مِنْهُ وَمِنْهَا: أنّه تزوج بابنة عَم لَهُ يُقَال لَهَا الرّباب على أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم فَأتى قومه وسألهم فَلم يعطوه شَيْئا فَأتى ابْن رَأس الْبَغْل وَهُوَ دهقان الصّين
وَكَانَ مجوسيّاً فَسَأَلَهُ فَأعْطَاهُ الصَدَاق كَامِلا فَقَالَ:
كفاني المجوسيّ مهر الرّبابفدى للمجوسيّ خَالِي وَعم
وإنّك سيد أهل الْجَحِيمإِذا مَا تردّيت فِيمَن ظلم
تجاور هامان فِي قعرهاوَفرْعَوْن والمكتني بالحكم
فَقَالَ المجوسيّ: وَيحك. سَأَلت قَوْمك فَلم يعطوك شَيْئا وجئتني فأعطيك فجزيتني هَذَا القَوْل فَقَالَ: أوما ترْضى أَن جعلتك مَعَ الْمُلُوك وَفَوق أبي جهل وَمن شعره:
يَا أَيهَا السَّائِل عمّا مضىمن علم هَذَا الزّمن الذّاهب
إِن كنت تبغي الْعلم وَأَهلهأَو شَاهدا يخبر عَن غَائِب
فَاعْتبر الأَرْض بأسمائهاوَاعْتبر الصّاحب بالصّاحب
وَمن قصيدة لَهُ:
لَا تشربن أبدا رَاحا مشارقةًإلاّ مَعَ الغرّ أَبنَاء البطاريق
أفنى تلادي وَمَا جمّعت من نشبٍقرع القواقيز أَفْوَاه الأباريق
وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات مُغنِي اللبيب فِي الْبَاب الْخَامِس.
وَمن هَذِه القصيدة:
عَلَيْك كلّ فَتى سمحٍ خلائقهمَحْض الْعُرُوق كريم غير ممذوق
وَكَانَ اللأقيشر مُولَعا بِهِجَاء عبد الله بن إِسْحَاق ومدح أَخِيه زكريّا فَقَالَ عبد الله لِغِلْمَانِهِ: أَلا تريجونا مِنْهُ فَانْطَلقُوا فَجمعُوا بعراً وقصباً بِظهْر الْكُوفَة وجعلوه فِي حقرة وَأَقْبل الأقيشر وَهُوَ سَكرَان من الْحيرَة على بغل رجلٍ مكار فأنزله عَن الْبَغْل وَعَاد فَأخذُوا الأقيشر فشدّوه ثمَّ)
وضعوه فيتلك الحفرة وألهبوا النّار فِي الْقصب والبعر وَجعلت الرّيح تلفح وَجهه وجسمه بِتِلْكَ النَّار فَأصْبح ميّتاً وَلم يدر من قَتله. وَكَانَ ذَلِك فِي حُدُود الثَّمَانِينَ من الْهِجْرَة. تَتِمَّة ذكر الى مدي فِي المؤتلف والمختلف من اسْمه الأقيشر وَمِنْه اسْمه الأقيسر من الشُّعَرَاء.
فالأقيشر هُوَ الْمُغيرَة بن عبد الله الأسديّ الشَّاعِر الْمَشْهُور وَصَاحب الشَّرَاب.
والأقيسر هُوَ صَاحب لِوَاء بني أَسد حاهليّ. قَالَ ابْن حبيب: اسْمه عَامر بن طريف بن مَالك بن نصر وأنهى نسبه إِلَى دودان ابم اسد بنم خُزَيْمَة.
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع