تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد السَّادِس وَالْعشْرُونَ بعد الثلاثمائة

فيه ٢٦ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

وَهُوَ من شَوَاهِد س:

هما نفثا فِي فيّ من فمويهماعلى النّابح العاوي أشدّ رجام

على أنّه جمع بَين الْبَدَل والمبدل مِنْهُ وهما الْمِيم وَالْوَاو.

وتكلف بَعضهم معتذراً بِأَن قَالَ: الْمِيم بدل من الْهَاء الَّتِي هِيَ اللَّام قدّمت على الْعين.

وَتَقْدِير القَوْل الأول كَمَا فِي البغدادّيات لأبي عَليّ أهـ أضَاف الْفَم مبدلاً من عينهَا الْمِيم للضَّرُورَة كَقَوْل الآخر: وَفِي الْبَحْر فَمه ثمَّ أَتَى بِالْوَاو الَّتِي هِيَ عين وَالْمِيم عوض مِنْهُ فَيكون جمعا بَين الْبَدَل والمبدل مِنْهُ للضَّرُورَة.

وَقد وجدنَا هَذَا الْجمع فِي مذاهبهم قَالَ الشَّاعِر: أَقُول يَا اللهمّ يَا اللهمّا فَجمع بَين حرف التبيه وَبَين الميمين اللَّتَيْنِ هما هوضان مِنْهُ فَيكون قد اجْتمع فِيهِ على هَذَا الْوَجْه ضرورتان: إِحْدَاهمَا إِضَافَة فَم بِالْمِيم وَحكمه أَن لَا يُضَاف بهَا وَثَانِيهمَا جمعه بَين الْبَدَل والمبدل مِنْهُ.

أَقُول: إِضَافَة فَم بِالْمِيم فصيح وَلَيْسَ بضروروة وتقدّم الردّ عَلَيْهِ بِحَدِيث: لخلوف فَم الصّائم.

وَأما القَوْل الثَّانِي فَهُوَ يشبه أَن يكون مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ فإنّه قَالَ فِي بَاب النِّسْبَة واسْمه عِنْد بَاب الْإِضَافَة مَا نصّه: وَأما فَم فقد ذهب من أَصله حرفان لأنّه كَانَ أَصله فوه فأبدلوا الْمِيم مَكَان الْوَاو فَهَذِهِ الْمِيم بِمَنْزِلَة الْعين نَحْو مِيم ذمّ ثبتَتْ فِي الِاسْم فَمن ترك دم على حَاله إِذا أضيف ترك فَم على حَاله وَمن ردّ إِلَى دم اللَّام ردّ إِلَى فَم الْعين فَجَعلهَا مَكَان اللَّام كَمَا جعلُوا الْمِيم مَكَان الْعين فِي فَم.

قَالَ الشَّاعِر:)

هما نفثا فِي فيّ من فمويهما

وَقَالُوا: فموان. قَالَ فمان فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ قَالَ: فمويّ وَإِن شَاءَ قَالَ: فميّ. وَمن قَالَ: فموان قَالَ: فمويّ على كل حَال.

هَذَا كَلَام سِيبَوَيْهٍ وَبِه يظْهر خطأ الأعلم فِي شرح شواهده حَيْثُ قَالَ: الشَّاهِد فِي قَوْله فمويه مَا وَجمعه بَين الْوَاو وَالْمِيم الَّتِي هِيَ بدل مِنْهَا فِي فمّ. وَمثل هَذَا لَا يعرف لأنّ الْمِيم إِذا كَانَت بَدَلا من الْوَاو فَلَا يَنْبَغِي أَن يجمع بَينهمَا.

وَقد غلط الفرزدق فِي هَذَا وَجعل من قَوْله إِذْ أسنّ وَاخْتَلَطَ عقله. وَيحْتَمل أَن يكون لّما رأى فَمَا على حرفين توهّمه مِمَّا حذفت لمه من ذَوَات الاعتلال كيد وَدم فردّ مَا توهّمه محذوفاُ مِنْهُ. انْتهى كَلَامه.

وَقَوله: وَمثل هَذَا لَا يعرف تقدم عَن أبي عليّ أَنه مَعْرُوف فِي قَوْلهم: يَا اللهمّ.

وَقَوله: وَقد غلط الفرزدق فِي هَذَا الخ فِيهِ أنّه لَا يجوز أَن يتوهمّ فِي البدويّ أَنه يغلط ف ينطقه ويلحن فَإِنَّهُ لَا يطاوعه لِسَانه وَإِن تعمّده كَمَا قيل فالعرب معصومون عَن لحن اللِّسَان.

نعم يجوز أَن يغلطوا فِي الْمعَانِي.

وَقَوله: وَيحْتَمل أَن يكون لّما رأى فَمَا على حرفين الخ كَأَنَّهُ حِين كتب هَذَا الْكَلَام لم ينظر إِلَى كَلَام سِيبَوَيْهٍ.

وَقد نقل أَبُو عَليّ فِي البغداديّات وَجها آخر فِي تَوْجِيه فمويهما مَعَ أَنه لم ينْقل فِيهَا مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ قَالَ: وأمّا الفرزدق فمويهما فَإِنَّهُ قيل إنّه أبدل من الْعين الَّذِي هُوَ واوٌ الْمِيم كَمَا تبدل مِنْهُ فِي الْإِفْرَاد ثمَّ أبدل من الْهَاء الَّتِي هِيَ لالمٌ الْوَاو. وَبدل الْوَاو من الْهَاء غير بعيد وَيدل على سوغ ذَلِك أَنَّهُمَا يعتقبان الْكَلِمَة الْوَاحِدَة كَقَوْلِك عضة فإنّ لمه قد يحكم عَلَيْهَا بِأَنَّهَا هَاء لقَولهم عضاه وَقد يحكم عَلَيْهَا أَنَّهَا وَاو لقَولهم عضوات.

وَذهب ابْن جنّي فِي سرّ الصِّنَاعَة إِلَى أنّ فمويهما مثنّى فَمَا بِالْقصرِ قَالَ فِي قَول الشَّاعِر:

يَا حبّذا عينا سليمى والفما يجوز أَن يكون الفما فِي مَوضِع رفع وَهُوَ اسمٌ مَقْصُور بِمَنْزِلَة عَصا وَعَلِيهِ جَاءَ بَيت الفرزدق: هما نفثا فِي فيّ من فمويهما)

فاعرفه. انْتهى.

وَقَوله: هما نفثا ضمير التَّثْنِيَة راجعٌ إِلَى إِبْلِيس وَابْنه كَمَا يَأْتِي. ونفثا: أَي: ألقيا على لساني من نفث الله الشَّيْء فِي الْقلب: ألقاهز وأصل نفث بِمَعْنى بزق وَمِنْهُم من يَقُول: إِذا بزق وَلَا ريق مَعَه. وَنَفث فِي الْعقْدَة عِنْد الرّقية وَهُوَ البزاق الْيَسِير. ونفثه نفثاً أَيْضا: إِذا سحره.

وَرُوِيَ أَيْضا: هما تفلا من تفل تفلاً من بَابي ضرب وَقتل من البزاق يُقَال: بزق ثمَّ تفل. والنابح: أَرَادَ بِهِ من يتعرّض للهجو والسبّ من الشُّعَرَاء وَأَصله فِي الْكَلْب. وَمثله العاوي بِالْعينِ الْمُهْملَة. والرّجام: مصدر راجمه بِالْحِجَارَةِ أَي: راماه. وراجم فلانٌ عَن قومه: إِذا دَافع عَنْهُم جعل الهجاء كالمراجمة لجعله الهاجي كَالْكَلْبِ النابح. وكأنّ الأعلم لم يقف على مَا قبل هَذَا الْبَيْت وَلِهَذَا ظنّ أنّ ضمير التَّثْنِيَة لشاعرين من قومه نزع فِي الشّعْر إِلَيْهِمَا.

وَهَذَا الْبَيْت آخر قصيدةٍ للفرزدق قَالَهَا آخر عمره تَائِبًا إِلَى الله ﷿ ّ ممّا فرط مِنْهُ من مهاجاته النَّاس وَقذف الْمُحْصنَات وذمّ فِيهَا إِبْلِيس لَا غوائه إيّاه فِي شبابه. وَهَذِه أَبْيَات مِنْهَا:

أم ترني عَاهَدت ربّي وإنّنيلبين رتاجٍ قَائِما ومقام
على حلفةٍ لَا أشتم الدّهر مُسلماوَلَا خَارِجا من فيّ زور كَلَام
وأصبحت أسعى فِي فكاك قلادةٍرهينة أوزارٍ عليّ عِظَام
وَلم انتبه حتّى أحاطت خطيئتيورائي ودقّت للأمور عِظَامِي
أطعتك يَا إِبْلِيس سبعين حجّةًفلمّا انْتهى شيبي وتمّ تمامي
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إذا شئت هاجتني ديار محيلة»
فزعت إِلَى ربّي وأيقنت أنّنيملاقٍ لأيّام الْمنون حمامي
أَلا طالما قد بتّ يوضع نَاقَتيأَبُو الجنّ إبليسٌ بِغَيْر خطام
يظلّ يمنّيني على الرّحل واركاًيكون ورائي مرّةً وأمامي
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ولما دنا رأس التي كنت خائفا»
يبشّرني أَن لَا أَمُوت وأنّهسيخلدني فِي جنّةٍ وَسَلام
فلمّا تلاقى فَوْقه الموج طامياًنكصت وَلم تحتل لَهُ بمرام
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ولما دنا رأس التي كنت خائفا»
ألم تأت أهل الْحجر وَالْحجر أَهلهبأنعم عيشٍ فِي بيُوت رُخَام
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ولما دنا رأس التي كنت خائفا»
وآدَم قد أخرجته وَهُوَ ساكنٌوَزَوجته من خير دَار مقَام
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ولما دنا رأس التي كنت خائفا»
وَأَقْسَمت يَا إِبْلِيس أنّك ناصحٌلَهُ وَلها إقسام غير أثام
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ولما دنا رأس التي كنت خائفا»

)

وَكم من قُرُون قد أطاعوك أَصْبحُواأَحَادِيث كَانُوا فِي ظلال غمام
وَمَا أَنْت يَا إِبْلِيس بِالْمَرْءِ ابْتغِيرِضَاهُ وَلَا يقتادني بزمام
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ولما دنا رأس التي كنت خائفا»
سأجريك من سوءات مَا كنت سقتنيإِلَيْهِ جروحاً فِيك ذَات كَلَام
تعيّرها فِي النّار والنّار تلتقيعَلَيْك بزقّومٍ لَهَا وضرام
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إذا شئت هاجتني ديار محيلة»
وإنّ ابْن إِبْلِيس وإبليس ألبنالَهُم بِعَذَاب النَّاس كلّ غُلَام
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «سأجزيك من سوآت ما كنت سقتني»

هما نفثا فِي فيّ من فمويهما............... الْبَيْت وَقَوله: ألم ترني عَاهَدت رَبِّي الْبَيْتَيْنِ هما من شَوَاهِد الْكَشَّاف وَمُغْنِي اللبيب وَيَأْتِي إِن شَاءَ الله شرحهما فِي محلّه.

وَقَوله: وَإِن ابْن إِبْلِيس الخ ألبنا: سقيا اللَّبن يُرِيد أَن إِبْلِيس وَابْنه سقيا كلّ غُلَام من الشُّعَرَاء هجاء وكلاماً خبيثاً. ثمَّ إنّ الفرزدق سامحه الله وَغفر ذَنبه بعد هَذَا نقض تَوْبَته وَرجع إِلَى وَكَانَ السَّبَب فِي نقض التَّوْبَة هُوَ مَا حَكَاهُ شَارِح النقائض: أَن الفرزدق لما حجّ عَاهَدَ الله بَين الْبَاب وَالْمقَام أَن لَا يهجو أحداًِ أبدا. وَأَن يقيّد نَفسه حَتَّى يحفظ الْقُرْآن فَلَمَّا قدم الْبَصْرَة قيّد نَفسه وَقَالَ:

ألم ترني عَاهَدت ربّي وإنّنيلبين رتاجٍ قَائِما ومقام
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إذا شئت هاجتني ديار محيلة»

الأبيات. ثمَّ إِن جَرِيرًا والبعيث هجواه وَبلغ نسَاء بني مجاشع فحش جرير بهنّ فأيتن الفرزدق وَهُوَ مُقَيّد فَقُلْنَ: قبح الله قيدك وَقد هتك جريرٌ عورات نِسَائِك فلحيت شَاعِر قوم فأغضبه ففك قَيده وَقَالَ وَهُوَ من قصيدة:

لعمري لَئِن قيّدت نَفسِي لطالماسعيت وأوضعت المطيّة فِي الْجَهْل
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ألا استهزأت مني هنيدة أن رأت»
ثَلَاثِينَ عَاما مَا أرى من عمايةٍإِذا برقتْ أَن لَا أشدّ لَهَا رحلي
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ألا استهزأت مني هنيدة أن رأت»
أَتَتْنِي أَحَادِيث البعيث ودونهزرود فشامات الشّقيق من الرّمل
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ألا استهزأت مني هنيدة أن رأت»
فَقلت أظنّ ابْن الخبيثة أننيشغلت عَن الرّامي الكنانة بالنّبل
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ألا استهزأت مني هنيدة أن رأت»
فَإِن يَك قيدي كَانَ نذرا نذرتهفَمَا بِي عَن أَحْسَاب قومِي من شغل
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ألا استهزأت مني هنيدة أن رأت»
أَنا الضّامن الرّأعي عَلَيْهِم وإنّمايدافع عَن أحسابهم أَنا أَو مثلي
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ألا استهزأت مني هنيدة أن رأت»

قَوْله: أَوضعت المطيّة أَي: دفعتها فِي السّير. والعماية بِالْفَتْح: الْجَهْل وَالصبَا.

يَقُول: إِنَّمَا أَرَادَ جريرٌ بِهِجَاء البعيث غَيره كَمَا صنع رامي الكنانة بصاحبها: وَذَلِكَ أَن رجلا)

من بني فَزَارَة ورجلاً من بني أَسد كَانَا راميين فَالْتَقَيَا وَمَعَ الفزاريّ كنانةٌ وَمَعَ الأسديّ كنَانَة رثّةٌ فَقَالَ الأسديّ للفزاريّ: أَنا أرمى أَو أَنْت فَقَالَ الفزاريّ: أَنا أرمى مِنْك فَقَالَ لَهُ الأسديّ: فإنّي أنصبت كِنَانَتِي وتنصب كنانتك حتّى نرمي فيهمَا فنصب الأسديّ كِنَانَته فَجعل الفزاريّ يرميها فيقرطس حتّى أنفذ سهامه كلّها كلّ ذَلِك يُصِيبهَا وَلَا يخطئها فَلَمَّا رأى الأسديّ أنّ سِهَام الفزاريّ نفذت قَالَ: انصب لي كنانتك حتّى أرميها. فَرمى فسدّد السهْم نَحوه حتّى قَتله فَضَربهُ الفرزدق مثلا يَعْنِي أنّ جَرِيرًا يهجو البعيث وَهُوَ يعرّض بالفرزدق.

وَقَوله: أَنا الضَّامِن الرَّاعِي عَلَيْهِم عَلَيْهِم الخ هَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد النُّحَاة والبيانيّين وَرُوِيَ صَدره بِغَيْر هَذَا أَيْضا.

وترجمة الفرزدق قد تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّلَاثِينَ.

وَأنْشد بعده وَهُوَ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»