تجاوز إلى المحتوى

من «عقلاء المجانين» لابن حبيب النيسابوري (ت ٤٠٦هـ)

ضروب المجانين

المجانين على ضروب، فمنهم المعتوه وقد مضى تفسيره ومنهم المرور وهو الذي أخرقته المرة، ومنهم الممسوس وهو الذي يتخبطه الجن والشياطين، ومنهم العاشق الذي تيمه الحب فأجنه.

سمعت أبا الحسن محمد بن محمد بن مسعود النسوي بها، يقول: سمعت أبا محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عيسى السركري؟ ببغداد يقول: سمعت زكريا بن يحيى بن خلاد المنقري يقول: سمعت الأصمعي يقول: لقد أكثر الناس في العشق فما سمعت بأوجز ولا أجمل من قول أنشدنا بعض نساء الأعراب وسألت عن العشق فقالت: داء وجنون.

أنشدنا أبو محمد أحمد بن محمد بن إسحق الخزلحجي؟ بمرو قال: عبد الله بن بهلول بقرميسين.

وما عاقل في الناس يحمد أمرهويذكر إلا وهو في الحب أحمق
وما من فتى قد ذاق بؤس معيشةمن الناس إلا ذاقها حين يعشق

سمعت أبا الحسن مظفر بن غالب الهمداني يقول: سمعت أبا بكر محمد بن يحيى الصولي قال: اعتل عبد الله بن المعتز فأتاه أبوه عائداً، وقال له: ما عراك يا بني؟ فأنشأ يقول:

أيها العاذلون لا تعذلونيوأنظروا حسن وجهها تعذروني
وأنظروا هل ترون أحسن منهاإن رأيتم شبيهها فاعذلوني
في جنون الهوى وما بي جنونوجنون الهوى جنون الجنون

قال: فتتبع أبوه الحال حتى وقع عليها فابتاع الجارية التي شغف بها بسبعة آلاف دينار ووجهها إليه.

أنشدني أبو منصور مهلهل بن علي العنزي.

أبدر بدا أم وجهك القمر السعدأليل دجا أم شعرك الفاحم الجعد
أنرجسة هاتيك أم هي مقلةأتفاحة ذاك المضرج أم خد
أموج إذا وليت أم كفل بداأغض لجين في الغلالة أم قد
كذا لو تأملت الذي بي لقلت ليأهذا جنون ثابت بك أم وجد

سمعت أبا العباس الرازي الصوفي يقول: سمعت الشبلي يقول ذات يوم لأصحابه: ألست عندكم مجنوناً وأنتم أصحاء؟ زاد الله في جنوني وزاد صحتكم! ثم أنشد.

قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهمما لذة العيش إلا للمجانين!
للشاعر أبو مدين التلمساني، من قصيدة «طال اشتياقي ولا خل يؤانسني»

أنشدنا أبو العباس أحمد بن سعيد المغربي قال: أنشدنا أبو عمرو محمد ابن إسماعيل الضرير قال حدثنا وأنشدنا أيوب بن غسان وهو يقول:

ودعتني بعبرة من جفونأضمرت فيضها حذار العيون
ومضت خلفها وقد خلفتنيإلف ضر وفورة وجنون
فشكوت الفراق بالنفس الدائم حتى هتكت سر الظنون

أنشدني أبو سعيد أحمد بن زاوية الفارسي الكاتب:

ألا قل للأحبة يرفقونافإن الحب أورثنا الجنونا

أنشدني أبي ﵀ قال أنشدنا أبو محمد الزنجاني لبعض الأعراب:

أحبك حباً لو علمت ببعضهأصابك من وجد عليك جنون
لطيفاً على الأحشاء أما نهارهفسكت وأما ليله فأنين

وحكى لي عن حبيب بن محمد بن خالد الواسطي قال دخلت يوماً على علي بن هشام فوجدته باكياً حزيناً ذاهب النفس فأنكرته وسألته عما دهاه، فقال أعلم أني مررت الآن بالخريبة فرأيت مجنوناً مصفداً بالحديد يتمرغ في التراب ويقول:

ألا ليت أن الحب يعشق مرةفيعرف ماذا كان بالناس يصنع
يقولون خذ بالصبر إنك هالكوللصبر مني في مصابي أجزع

سمعت أبا علي الحسن بن أحمد القزويني يقول سمعت بعض السياح يقول رأيت مجنوناً في القفار وهو يرقص ويقول:

حبكم في القفار شردنيآه من الحب ثم رآه

وهذا الباب يطول شرحه إلا أنه يذكر في أثناء أخبار المجانين وستراه في موضعه إن شاء الله تعالى.

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٠٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عقلاء المجانين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.