تجاوز إلى المحتوى

من «عقلاء المجانين» لابن حبيب النيسابوري (ت ٤٠٦هـ)

أصل الجنون

في اللغة: الجنون في اللغة الاستتار. تقول العرب: جن الشيء يجن جنوناً إذا استتر وأجنه غيره إجناناً إذا ستره قال لبيد:

حتى إذا ألقت يداً في كافروأجن عورات الثغور ظلامها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»

يعني الشمس ألقت يداً في ليل مظلم. وستر الظلام الفجاج والطرق.

وأنشدني أبو عبد الله محمد بن الحسين الوضاحي:

يا غافلاً عما تجن ضلوعيأنسيت ويحك عبرتي ودموعي
للشاعر الوضاحي، اقرأ القصيدة

وجن الليل بجن جنوناً وجناناً إذا دخل. ومنه قوله سبحانه: " فلما جن عليه الليل رأى كوكباً " وأجن الليل الشيء أجناناً إذا غطاه بظلامه. قال العتبي: وأجنه الليل أي جعله في ظلامه في جنة، قال الشاعر يصف مفازة:

وصرماء مذكار كأن دويهايعيد جنان الليل مما يخيل
للشاعر كعب بن زهير، من قصيدة «ألا بكرت عرسي تلوم وتعذل»
حديث أناسيّ فلما سمعتهإذا ليس فيه ما أبين فأعقل
للشاعر كعب بن زهير، من قصيدة «ألا بكرت عرسي تلوم وتعذل»

وقال الشاعر:

ولولا جنون الليل أدرك ركضنابذي الرمث والأرض عياض بن ناشب

الصرماء المفازة التي تصرم الناس عن الماء أي تقطعهم. والمذكار التي لا يدخلها إلا ذكور الرجال لصعوبتها كالمرأة المذكار التي لا تلد إلا الذكران. والجنان القلب سمي بذلك لاستتاره.

أنشدني أبو الحسن محمد بن علي القزاز لديك الجن:

خذ يا غلام عنان طرفك فاحمهعني فقد ملك الشمول عناني
للشاعر ديك الجن، من قصيدة «خذ يا غلام عنان طرفك فاثنه»
سكران سكر هوى وسكر مدامةفمتى يفيق فتى به سكران
للشاعر ديك الجن، من قصيدة «خذ يا غلام عنان طرفك فاثنه»
ما الشأن ويحك في فراق فريقهمالشأن ويحك في جنون جناني
للشاعر ديك الجن، من قصيدة «خذ يا غلام عنان طرفك فاثنه»

قال العتبي: وسميت الجن لاجتنانهم عن أعين الناس. وقيل في قوله تعالى: " إلا إبليس كان من الجن " أي من الملائكة، سموا جناً لاجتنانهم عن الأبصار. قال الأعشى:

وسخر من جن الملائكة تسعةقياماً لديه يعملون بلا أجر

والجنة البستان لالتفاف الشجر. والجنة الدرع والترس لأنهما يستران. والجنة بالكسر الجنون. والجن أيضاً، قال الله جل ذكره: " وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً " يعني حين قالوا: " أن الملائكة بنات الله، وقال في معنى الجنون: " أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة " وأما قوله تعالى: " من الجنة والناس " قال قتادة: إن الشيطان يوسوس الجن كما يوسوس الناس، والمعنى الذي يوسوس في صدور الجن والناس. والجنن القبر، لأنه ساتر، قال الشاعر:

لقد أدرجت ليلى هنالك في جننفصبراً جميلاً حين ما ينفع الحزن

والجنين: الولد في بطن الأم، لأنه مستور، وتقول العرب للنبت إذا طال

وكثر تكاوس والتف واستجلس واعلنكس: تجان. وتجان الرجل إذا تكلف الجنون وليس بمجنون. وكذلك تحامق وتناوم وتكاسل، قال العجاج:

إذا تجازرت وما بي جزرثم كسرت العين من غير عور

وكل هذا يؤول إلى معنى الاستتار، فالمجنون المستور العقل، والفعل منه جن يجن جنوناً وهو مجنون، وأجنه الله فهو مجنون، وهذا الباب نادر في اللغة ونظيره أزكمه الله فهو مزكوم، وأحمه فهو محموم، وأضأده فهو مضؤود أي أزكمه، وأحببت فلاناً فهو محبوب، وهذا هو السائر وقد قالوا محب. قال عنترة العبسي:

ولقد نزلت فلا تظني غيرهمني بمنزلة المحب المكرم
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٠٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عقلاء المجانين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.