من «عقلاء المجانين» لابن حبيب النيسابوري (ت ٤٠٦هـ)
واسمه محمد بن القاسم
قال بكار بن علي: عزم صاحب الشرطة علي فالتمس مني من يناديه فأشرت إليه بمان الموسوس فأُحضر، فأمر به فأُدخل الحمام، وأُلبس ثياباً ثم أُدخل عليه. فقال السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله. فقال وعليك السلام يا مان! قد آن لك أن تزورنا على شوقنا إليك. فقال أصلح الله الأمير الشوق شديد والمزار بعيد والود عنيد، والحجاب صعب والبواب فظ، ولو سهل لنا لأذن لسهلت علينا الزيارة. فقال محمد بن عبد الله بن طاهر صاحب الشرطة للحسن بن طالوت: ما أحسن ما يلفظ في تسهيل الاذن! فأمره بالجلوس فجلس. ودعا محمد بجارية تسمي بنوسة جارية ابن المقري وكان يحب سماعها، وكان أول ما غنت به:
ولست بناس إذ غدوا فتحملوادموعي على الخدين من شدة الوجد
وقولي وقد زالت بعيني حمولهمبواكر تحدي لا تكن آخر العهد
فقال مان: أتأذن لي يا سيدي؟ قال في أي شيء يا مان؟ قال في استحسان ما
أسمع، فقال أذنت لك فقل ما أحببت، فقال أحسنت! بحق الأمير إلا زدت هذين البيتين:
وكيف أُناجي الفكر والدمع حائربمقلة موقوف على الصبر والجهد
ولم يعدني هذا الأمير بعدلهعلى ظالم قد لج في الهجر والصدّ
فقال له محمد: ومن أي شيء استعديت يا مان؟ فاستحيا وقال: لا من ظلم أيها الأمير ولكن الطرب حرك شوقاً كامناً فظهر. وهل بعد الشيب من صبوة؟ ثم غنت بنوسة بشعر أبي العتاهية:
حجبوها عن الرياح لأنيقلت للريح بلغيها السلاما
لو رضو بالحجاب هان ولكنمنعوها يوم الرحيل الكلاما
فقال مان ما كان على قائل هذا الشعر لو زاد فيه هذين البيتين:
فتنفست ثم قلت لطيفيويك لو زرت طيفها إلماما
حبها بالسلام سرّاً وإلامنعوها لشقوتي أن تناما
قال محمد: أحسنت يا مان! ثم غنت بنوسة بشعر أبي نواس:
يا خليلي ساعة لا تريماوعلى ذي صبابة فأقيما
ما مررنا بقصر زينب إلافضح الدمع سرّي المكتوما
فقال مان: والله لولا رهبة الأمير، لأضفت إلى هذين البيتين بيتين، لا يردان على سمع ذي لب فيصدرا إلا عن استحسان منه لهما. فقال الأمير محمد: الرغبة في حسن ما تأتي به حائلة عن كل رهبة فقال ما بدا لك. فقال:
ظبية كالهلال لو تلحظ الصخر بطرفٍ لغادرته هشيماً
وإذا ما تبسمت خلت ما يبدو من الثغر لؤلؤاً منظوما
قال محمد: أحسنت يا مان! فأجز هذين البيتين:
لم تطب اللذات إلا بمادارت به ألفاظ بنّوسة
غنت غناءً عبرةكانت بحسن الصبر محبوسة
وكيف صبر النفس عن غادةتظلمها إن قلت: طاووسة
وجرت ان شبهتها بائةًفي جنة الفردوس مغروسة
وغير عدل ان عدلنا بهالؤلؤةً في البحر مغموسة
جلّت عن الوصف فما فكرةتدركها بالنعت محسوسة
فقالت بنوسة: قد وجب شكري يا مان! فاعدك دهرك، وعطف عليك إلفك، وقارنك سرورك، وفارقك محذورك، والله يديم لنا ولك من ببقائه اجتمع شملنا، وطاب يومنا. ثم قال مان:
مدمن الإغضاء موصولومديم المتب مملول
ليس لي خلّ فيقطعنيفارقت نفسي الأباطيل
أنا موسول بنعمة منحبله بالحمد موسول
أنا مشمول بمنة منمنّه في الخلق مبذول
أنا مغبوط بزورة منربعه بالجود مأهول
ثم أومأ إليه الحسن ان قم، فنهض وهو يقول:
ملك عز النظير لهزانه الغرّ البهاليل
طاهري في مواكيهعرفة في الناس مبذول
دم من يشقى بصارمهمع هبوب الريح مطلول
فلما خرج قال محمد: ليست خساسة المرء باتضاع حاله، ولا ينبو العين عن ناظره، بل يهذبه جوهره الذي الأدب مركب فيه. وما أخطأ صالح ابن عبد
القدوس حيث يقول:
لا يعجبنك من يصون ثيابهحذر الغبار وعرضه مبذول
ولربما افتقر الفتى فرأيتهدنس الثياب وعرضه مغسول
وأنشد أبو محمد بن الحسين الوضاحي لمان:
لما رأيت البدر فيأُفق السماء قد استقلا
ورأيت قرن الشمس فيأُفق الغروب وقد تدلى
شبهت ذاك وهذهفأرى شبيههما أجلا
وجه الحبيب إذا بداوقفا الحبيب إذا تولى
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٠٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع