تجاوز إلى المحتوى

من «الأزمنة والأمكنة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

فصل [في ذكر ما عدّد من نعمه على خلقه فيما نصبه من الأدلة على وحدانيته في خلق السّماوات والأرض]

قال الله تعالى في ذكر ما عدّد من نعمه على خلقه فيما نصبه من الأدلة على وحدانيته في خلق السّماوات والأرض، واختلاف الليل والنّهار فقال تعالى: وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ

والمراد أنّ في تعاقب الظلم والأنوار وما ينشئه تعالى جدّه من أنواع السّحاب بين السّماء والأرض وينزّله من الأمطار ويخرجه من النّبات أعظم الأدلة على حدوثها لما فيها من إحكام الصّنعة وثباتها على ما ثبت عليه من العبرة، إذ لا تفاوت فيها ولا اضطراب، ولا تناقض، ولا فساد فمن تدبّرها وتأمّل الأحوال التي تعتورها من الحركة والسّكون، والزّيادة والنّقصان، والانكشاف والتروية والإقلاع، أدّاه الاعتبار إلى أنّه واحد ليس كمثله شيء، تعالى الله عما يقول الظّالمون علوا كبيرا.

وروي في الحديث: «السّحاب غربال المطر، لولا ذلك لتهدّم البنيان» ويقال:

سحاب، واحده سحابة ومثله الغيم والغيوم. ويقال ذلك في القليل والكثير والغمام والواحدة غمامة وهي الغراء البيضاء والجمع غر وبيض.

ويقال: المزن والواحدة مزنة. ومنها الغماء وهي السّحابة السّوداء.

ومن دلائل الغيث أن يتقدّمه هبوب المبشّرات ثم يكون النّشأ من قبل العين فيحسن خروجه والتئامه. ثم استكشافه حتى لا ترى فتقا، وذلك التطخطخ ويسد الآفاق. ثم يكفهّر ويرجح فيتدانى ويستأرض أركانه ويتمكّن رجاءه وتنوس هيادبه، وتهمى أكفته، ويتعلق ريانه، ويتدحى عفا يده ويحمومي. ثم يصحار ويرج الرّعد رجا. ويتمّ البرق أتاما، وهو الوكيف من البرق. ثم ينفل ولا يزدهيه الرّيح حتى يتحيّر ويلين رعده، وبرقه يتعاون عليه

الجنوب والصّبا بالإلقاح والإبساس. ثم ينتجفه الشّمال حتى يستقصى ما فيه، وهذا نهاية ما جاءت أوصافهم وأخبارهم وأشعارهم.

ومنها السّيق وهي كل ما طردته الرّيح وافترزته من السّحاب كان فيه ماء أو لم يكن.

والخلق ما يرجى أن يكون فيه مطر والواحدة خلقة. والصّبير من السّحاب الذي تراه متراكبا في بياض والجمع الصّبر. والسّد النّشأ الأسود ينشأ من أي أقطار السّماء شاء. قال:

تبصّر هل ترى ألواح برقأوائله على الأفعاة قود
قعدت له وشيّعني رجالوقد كثر المخايل والسّدود

المخايل: واحدتها مخيلة، ويقال سحابة مخيلة وسحابة ذات مخيلة: إذا كانت خليقة بالمطر. وفي الحديث أن النّبي ﷺ كان إذا رأى مخيلة أقبل وأدبر وتغيّر، قالت عائشة:

فذكرت ذلك له، فقال: «ما يدرينا لعلّه كقوم ذكرهم الله ﵎» فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ

ويقال للسّحاب أيضا: الخال، فإذا أرادوا أنّ السّماء قد تغيّمت، قالوا وقد أخالت فهي مخيلة بضم الميم.

ومنها الحماء وهي السواد. والعارض: السّحابة تراها في ناحية السّماء وهو مثل الجلب، إلّا أنّ الجلب أبعد وأضيق من العارض. والعارض الأبيض والجلب أكثر ما يكون إلى السّواد. وفي السّحاب النّضد وهي مثل الصّبير وجمعه الأنضاد. والرّكام: ما تراكم بعضه على بعض، وهو مثل النّضد. ومنه الرّباب: ولا يقال لها ربابة واحدتها ربابة: وهي السّحابة الدّقيقة السّوداء يكون دون الغيم في المطر، ولا يقال لها ربابة إلا في مطر.

ومنها الرّيف: وهو أوّل السّحاب الممطر. والكنهور: السّحاب الضّخام البيض، ويقال: غمامة كنهورة وغيم كنهور. ومنه الطّخاء: وهو السّحاب الرّقاق والواحدة طخاة.

ومنه القزع: وهو السّحاب الصّغار والمتفرّق منه واحده قزعة. ومنه: نمرة: وهي الغيم الذي يرى في خلله نقاط، الواحدة نقطة والجمع نمر، ومن أمثالهم: أريتها نمرة أريكها مطرة.

ومنه الجفل: وهو كلّ سحاب ساقته الرّيح قد صبّ ماءه. والجهام: مثل الجفل واحدته جهامة. ويقال للسّحاب الذي هراق ماءه السّيقة لأنّ الرّيح تسوقه لخفته، وهذا كما يقال لما تستلينه وتستهينه: ليّن وهيّن.

والصّراد واحدتها صرادة، وهو مثل الجفل. ومثله الرهّج: من الغيم.

ومنه السّيق والجيء: وهو الغيم في عرض السماء الغريب الحسن. ومنه الحير وهو الغيم ينشأ مع المطر فتحير في السّماء.

ومنه بنات نحر ونجر وهي سحائب يخرجن في السّحر، بين الخريف والرّبيع وهنّ سحائب غرّ طوال مشمخرّات.

ومنه الزّبرج: وهو مثل الرّهج والسّيق.

ومنه الغماء: وهو شبه الدّكان يركب رؤوس الجبال. قال:

ليلة غمّاء طامس هلالها

ومنه الضّباب، وهو شبه الدّخان والنّدى يظلّل السّماء، واحدته ضبابة، ويقال: أضبت السّماء فهي مضبّة.

ومنه الظلّة وهي أوّل سحابة تظلّل.

ومنه الطّخارير، واحدها طخرور وهو السّحاب الصّغار. والغياية: ظلّ السّحابة وقال بعضهم غياءة. قال الشّاعر:

كساع إلى ظلّ الغياية يبتغيمقيلا فلّما أن أتاها اضمحلّت

وقال: ولغة الكلابيين امضحلّت والمكفهر: السّحاب الضّخام الرّكام ويقال: عجاجة مكفهّرة، وطرّة الغيم: أبعد ما يرى من الغيم، ويقال: طرة الكلأ وطرة القف وهي ناحيتها.

ومنها: النّشاص: وهي الطّوال والواحدة نشاصة وهي الطّويلة البيضاء، وأكثر ما ينشأ من قبل العين. قال:

بل البرق يبدو في ذرى من دفائهيضيء نشاصا مكفهّر الغوارب

وفي الحديث: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إذا نشأت السّحابة بحريّة ثم تشامت فتلك عين غديقة» يريد إذا ابتدأت من ناحية البحر، ثم أخذت نحو الشّام فتلك عين غديقة أي: مطر جود. والغديق: الكثير الماء من قول الله تعالى: لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً

وكذلك إذا كانت السّحابة سوداء فتلك من علامات الغيث، وفي الحديث الذي سأل فيه النّبي ﷺ: «أجون هو أم غبره؟ فقالوا: جون، فقال: جاءكم الحياء» وكذلك إذا رأى الرّباب دوين السّحاب قال:

كان الرّباب دوين السّحابنعام تعلّق بالأرجل
للشاعر زهير بن جلهمة السكب، من قصيدة «إذا لله لم يسق إلا الكرام»

وأنشد:

ومالي لا أغزو للدّهر كرةوقد نبحت نحو السّحاب كلابيا

يقول: كنت لا أغزو مخافة العطش على الخيل والأنفس، فما عذري اليوم، وقد كثر المطر، واتّصل العشب وامتلأت الغدران. ولبعضهم:

أغر سماكي كأنّ نشاصهقطار يخات أو جبال تقلّع
تلألؤ غوريا كأنّ وميضهحريق بجزل في ضرام تشيّع
رأته عيون ممحلات تتابعتله سنوات فهو للغيث جوع
ملثّ دنا دون السّحاب سحابةمن الأرض حتّى كاد بالرّاح يدفع

ويقولون: إذا رأيت السّماء كأنّها بطن أتان قمراء فذلك الجود. قال الهذلي:

يمدّ له جوالب مشعلاتتخللهن أقمر ذو انغطاط

ويقال: إنّ معقر بن حماد البارقي قال لابنته، وقد سمع صوت رعد: أيّ شيء ترين؟

قالت: أرى سحابة عقاقة كأنّها حولاء، ناقة ذات هيدب دان وسيروان. قال:

وابلي بي إلى جنب قفله فإنّهالا تنبت إلّا بمنجاة من السّيل

وإذا كانت السّحاب نمرة فهي كذلك. وقال آخر في المخيلة:

دان مسف فويق الأرض هيدبهيكاد يدفعه من قام بالرّاح
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «ودع لميس وداع الصارم اللاحي»
فمن بنجوته كمن بعقوتهوالمستكنّ كمن يمشي بقرواح

أي طبق الأرض، فمن كان في الارتفاع كمن هو في الاستواء، ومن كان في ظهر الصّحراء كمن في بطنها، وإذا كان السّحاب أصهب إلى البياض فذاك إمارة الجدب، ويقولون: هو هف أو جلب إذا حمر الأفق. قال:

وسوّدت شمسهم إذا طلعتبالجلب هفا كأنه الكثم

وقال الكميت:

إذا أمست الآفاق حمرا جنوبهالشيبان أو ملحان واليوم أشهب
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «إذا أمست الآفاق حمرا جنوبها»

وقال الفرزدق يذكر قوما مسافرين:

يغضّون أطراف العصيّ تلفّهممن الشّام حمراء الضّحى والأصائل

ومن أمثالهم: ما يضرّ السّحاب نباح الكلاب، وزعموا أنّ الكلاب تنبح السّحاب من كثرة المطر والحاجة. وفي صفة غيم المحل:

وهاج غمام مقشعر كأنّهبنيله نعل بان منها شريحها

الفضل بن عبّاس:

كأنّ سيوف فارس في ذراهوغرفا من قيان مسمعات
أقام على معاهدهنّ شهرافأقلع وهو مهتزّ النّبات

وقال حسين بن مطير يصف المطر والسّحاب، ورواه الأصمعيّ شعرا:

كثرت لكثرة قطره أطباؤهفإذا تحلّب فاضت الأطباء
للشاعر الحسين بن مطير الأسدي، اقرأ القصيدة
وكجوف ضرّته التي في جوفهجوف السّماء سجلّة جوفاء
للشاعر الحسين بن مطير الأسدي، اقرأ القصيدة
وله رباب هيدب لرفيقهقبل التعنّق ديمة وطفاء
وكأنّ ريعه ولمّا يحقلودق السّحاب عجاجة كدراء
وكأنّ بارقه حريق يلتقيوهج عليه عرفج وألاء
مستضحك بلوامع مستعبربمدامع لم يمرها الأنداء
فله بلا حزن ودون مسرّةضحك يؤلف بينه وبكاء
حيران منبعق صباه يقودهوجنوبه كنف له وكفاء
ودنت له نكباؤه حتّى إذامن طول ما لعبت به النّكباء
للشاعر الحسين بن مطير الأسدي، اقرأ القصيدة
غاب السّحاب فصار بحرا كلّهوعلى البحور من السّحاب سجاء
ثقلت كلاه فبهرت أصلابهوتعجبت من مائه الأحشاء
غدق يسبّح بالأباطح قد غدتبلد السّيول وما له أفلاء
غرّ محجلة دوالح ضمّنتحمل اللّقاح وكلّها غدراء
للشاعر الحسين بن مطير الأسدي، اقرأ القصيدة
سجم فهنّ إذا كظمن أواجموإذا ضحكن فإنّهنّ وضاء
لو كان من لجج السّواحل ماؤهلم يبق في لجج السّواحل ماء
للشاعر الحسين بن مطير الأسدي، اقرأ القصيدة

وحكى أحمد بن يحيى قال: أخبرني ابن الأعرابي، قال: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم جالس مع أصحابه إذ نشأت سحابة فقيل: يا رسول الله هذه سحابة فقال ﵇: «كيف ترون قواعدها» قالوا: ما أحسنها وأشدّ تمكّنها. قال: «وكيف ترون رحاها» ؟ قالوا: ما أحسنها وأشدّ استدارتها. قال: «فكيف ترون بواسقها» ؟ قالوا: ما أحسنها وأشدّ استقامتها.

قال: «فكيف ترون برقها أوميضا أم خفيا أم يشق شقا» ؟! فقال ﵇: «الحياء الحياء»

قال: فقالوا: يا رسول الله ما رأينا أفصح منك، فقال: «وما يمنعني وإنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين» قواعدها أسافلها، ورحاها وسطها، ومعظمها، وبواسقها: أعاليها. وإذا استدار فيها البرق من طرفها إلى طرفها فهي أعاليها وهو الذي لا يشك في مطره وجوده، وإذا كان البرق في أسافلها لم يكد يصدق. قال ابن الأعرابي: وقال رجل من العرب وقد كبر وكان في داخل بيته، وكان بيته تحت السّماء: كيف تراها يا بني؟ قال: أراها وقد نكبت وتبهّرت، وأرى برقها أسافلها، قال: أحلقت يا بني. معنى نكبت: عدلت عن القصد، وتبهرت:

تقطّعت. والبهر حفر يكون في الأرض، والومض: أن يومض إيماضة ضعيفة ثم يخفي، ثم يومض ثم يخفي ثم يومض، وليس في هذا يأس مطر قد يكون ولا يكون. وأما المسلسل في أعاليها فلا يكاد يخلف.

ويقال: خفي كأقيد الطير واقيد الطير: نظره- ثم إغماضه ينظر نظرة- ثم يغمض- ثم ينظر نظرة- ثم يغمض. قال حميد بن ثور يصف البرق:

خفيّ كأقيد الطّير واللّيل ملبسبجسمانه والصّبح قد كاد يسطع

قال الهذلي شعرا:

فسائل سبره الشّجعيّ عنّاغداة يخالنا نجوا خبيّا

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الحادي والثلاثون في السّحاب وأسمائه وتحلّيه بالمطر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.