تجاوز إلى المحتوى

من «الفلاكة والمفلوكون» للدلجي (ت ٨٣٨هـ)

الفصل الثالث عشر في وصايا يستضاء بها في ظلمات الفلاكة

وبهذا الفصل نختم الكتاب إن شاء الله تعالى

اعلم يا أخي في الوفا وإخوة المصطفى خصوصا المفلوك مثلي إن في الكمالات النفسانية لذة تزيد على اللذات الجسمانية، فلا تستصغرن نعمه الله فيما زويت عنك الدنيا، واستحضر قوله ﷺ: ﴿إن الله يعطي الدنيا لمن يحبه ولمن لا يحبه ولا يعطى الدين إلا لمن يحبه، وإن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ منه فقد أخذ بحظ وافر﴾.

وانظر كيف يكون استجلاء لطائف العلوم شاغلا عن الأكل والوقاع أفتراه يكون دونها لذة وهو شاغل عنها، وعليك من العلوم بالكتاب والسنة والتمتع بما

فيهما من النكات واللطائف واستمد منهما برد اليقين وثلج الصدور، ور تقنع بالعلوم العقلية فإنها ملساء مزلة الأقدام، وأصحابها يضطربون فيها اضطراب الأرشية.

هذا الإمام فخر الدين على جلالته وإمامته يصحح في بعض كتب ما يضعفه في الآخر، وأبلغ من ذلك أن ابن الراوندي سامحه الله صنف رسائل في خلق الأعمال

وفي قدم العالم وغيرها، ثم صنف هو نفسه رسائل في رد ذلك كما ذكره صاحب الفهرست.

ولا تجمع لنفسك بين القبح الظاهر وهو الفقر وقبح الباطن وهو الجهل، وسع الناس بأخلاقهم ومعارفك إن لم تسعهم بمالك ومعروفك، واجتنب الإساءة إليهم إن عجزت عن الإحسان لهم، وخذهم بالرجاء لأنه أيسر ولا تأخذهم بالخوف وان كانوا به أطوع لأنه أخطر، وارض بميسورهم وعظم حقيرهم، فلا يحصل للنفوس مقصودها إلا خالقها فلا تطلب المقصود إلا منه، واجعل باطنك وحده لله، وكن شديد الاستهانة بأمور الدنيا ضرا ونفعا عطاءا ومنعا حصولا وفواتا سلامة وآفاتا، وانظر الأصلح لنفسك من ذلك قبل وقوعه وبعده، فتوخه واجتهد فيه ولا تكن وكلابل متحركا كيسا، ورقع خرق عجزك وفلاكتك بحيلتك ومصابرتك والتعرض لتنفيسات الدهر والوثوب عند الفرصة، ولا تيأس من روح الله. قال ﷺ: ﴿إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾. قال الشاعر:

والعاجزان الغالبان معاقبوينتهي ومعاتب لا يخجل
للشاعر إبراهيم الغزي، اقرأ القصيدة

وقال:

ثب على الفرصة قي موضعهافهي لا تبقى ولا تستكسب

واقطع بأن ذرة من حظ خير من قنطار عقل، وان جزءا واحدا من المال خير من أجزاء كثيرة من الكمالات النفسانية، ولله در من سمى المال كمال الكمالات، وتحقق أن المعاصي كالسموم يضر قليلها وكثيرها مع الاستخفاف بها ومع تعظيم ارتكابها وجليها وخفيها، وفلا تغتر بالتستر والحلية فإن لله عيونا من الملكوت ناظرة إليك، وإن للطاعات عبقا وشذا تفوح على أهلها وان كتموها، وللمعاصي نتنا وذفرا تفوح على أهلها وان أخفوها، وإذا نزعت عن الغواية فليكن لله ذاك النزع لا للناس، وخذ الناس إلى

أغراضك بمصالحهم تحقيقا أو توهيما، فإن

النفوس تنخدع بالباطل كما تنخدع بالحق، ولا تأخذهم بغرضك المحض فقلما يساعفونك به إلا عوضا عما سلفتهم من غرض لهم سابق، وكن توابا رجاعا أوابا إلى الله عظيم الالتجاء الدعاء والالغاط بأسمائه المطلوب العلمي. قال ﷺ: ﴿الظوا بيا ذا الجلال والإكرام﴾ قال تعالى: ﴿قل ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم﴾.

وإياك إياك من التعويل على واحد بخصوصه وإلقاء الشراشر عليه، فإن من ألقى شراشره على غير الله وكله وما اختار لنفسه. وأنهاك أنهاك عن التوقيف على بواطنك وخفاياك، وآمرك آمرك بسد طريق العلم بذاك جهدك وتكثيف حجابه ما أمكن، وكن مع الناس بلسانك وظاهرك من كمالاتهم الدنيوية التي يعتقدونها كمالا، فإن الدنيا قد صارت مخارق للحقائق، وثم أمور لا يمكن التصريح بها ولا تتم بالتلقين، وأنا اسأل الله أن يوفقك لها ويوقفك على حقيقتها.

وهذا آخر ما تيسر لي كتابته في هذا الغرض مما سهل مما حضر وفي النفس من معاودته وبسط القول فيه، فإن هذا الكتاب إنما وضعته مسودة وأنموذجا وبرنامجا في هذا المطلوب وفتحا لباب عسى أن يلج فيه من حركه الله لذلك، ولم ادخر فيه مما حضرني إلا ما خفت على الكتاب من كساده به لغموض وكونه من الحكمة الضرورية أو من مشكلات غيرها من العلوم، فيعسر فهمه أو ينتقده من لا يقف على حقيقة معناه أو لكونه تاريخا محضا فيصبر الكتاب به أدبيا لا علميا، ولم تتسع المادة بمجانس لما أوردته أزيد مما ذكرته، أني زحمت به بالخلخلة ولززت به لزا بين عوائقي النفسانية وشواغلي البدنية مع قلة الكتب وعدمها، وما أحق هذا المقام بقول القائل:

ولست بأول ذي همةدعته لما ليس بالنائل
يشمر للج عن ساقهويغمره الموج في الساحل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

وأنا أستغفر الله تعالى وأتوب إليه مما لعله فيه مما هو من قبيل الشقشقة والطنطنة، أو من قبيل التمويه والسفسطة، أو من حكم لم يصادف الحق أو قول لعله يوافق

مرضاته سبحانه وله الحمد، أو من نية لعلها لم تخلص لله، أو مقصد مزج بغير إرشاد شرعي، أو من تعليل الأمور بالمقاصد الدنية الدنيوية، واستقيله العثرة في ذلك كله واستوهبه المعذرة واستمنحه المغفرة وأبرأ إليه من ذلك كله، لا إله إلا هو ولا غافر سواه.

(اللهم) يا رحمن يا رحيم يا واسع يا عظيم يا ذا الفضل العميم والمن الجسيم يا معطيا قبل السؤال وعالما بالحال أسألك بأسمائك كلها وصفاتك أجمعها وبكل ما إذا ما دعيت به أجبت أن تكشف عناصر الفلاكة والإهمال والحرمان، وان تصرفنا عن مواقع الشر والخذلان، وان تحفظ ألسنتنا وقلوبنا من الشيطان، وان تكلأنا بالتوفيق وتؤيدنا بالتكلان يا رحيم يا رحمن لا حول ولا قوة إلا بك يا علي يا عظيم.

(اللهم) إني أشكو إليك ضعف حلتي وقلة قوتي وهواني على الناس رب المستضعفين وربي إلى من تكلني إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي لكن رحمتك أوسع لي.

(اللهم) اقبل معاذيري وتجاوز عن تقصيري ولا تتركني حقيرا ولا تسلط علي تغييرا واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا.

(اللهم) قد رفعت يدي إليك فلا تردهما صفرا.

(اللهم) ضع فيهما من خيرك وبركتك.

ما أنت بالسبب الضعيف وإنمانجح الأمور بقوة الأسباب
للشاعر الباخرزي، من قصيدة «ما أنت بالسبب الضعيف وإنما»
فاليوم حاجتنا إليك وإنمايدعى الطبيب لساعة الاوصاب
للشاعر الزبير بن بكار، اقرأ القصيدة

(اللهم) انقطع الرجاء إلا منك وحصل اليأس إلا من رحمتك لا تعكس ظنا قد عول

على فضلك ولا تخيب أملا طال تعلقه بك أعتق عنقا مد إليك من رق غيرك فك أسيرا لا يملك فكاكه إلا أنت.

(اللهم) ليس على عطائك عائق ولا يعجزك شيء فلك القدرة الكاملة والرحمة الواسعة والحكمة البالغة وكلتا يديك سخاء ولا ينقص فيضك العطاء وتستحي من تخيب آمليك غاية الحياء وعلمك قد أحاط بما في الأرض والسماء وبما في الظواهر والضمائر من الجلاء والخفاء انظر إلينا منك بنظرة رحيمة ربنا مسنا ضر نفوسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، لا آله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، سمع الله نظر الله سبحان الله آمين وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

النص من طبعة مطبعة الشعب بمصر (١٣٢٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الفلاكة والمفلوكون»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.