تجاوز إلى المحتوى

المقامة الثامنة عشرة من «مقامات بديع الزمان الهمذاني»

المقامة القزوينية

لبديع الزمان الهمذاني (ت ٣٩٨هـ) · يرويها عيسى بن هشام عن أبي الفتح الإسكندري · فيها ١٧ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

حَدَّثَّنَا عِيسَى بْنُ هِشَامِ قَالَ:

غَزَوْتُ الثَّغْرَ بِقَزْوِينَ، سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، فِيَمْن غَزَاهُ، فَما أَجَزْنَا حَزْناً، إِلاَّ هَبَطْنَا بَطْناً، حَتَّى وَقَفَ المَسِيُر بِنَا عَلَى بَعْضِ قُرَاهَا، فَمَالتِ الهَاجِرَةُ بِنَا إِلى ظِلَّ أَثَلاثٍ، في حُجْرتَهِا عَيْنٌ كَلِسَانِ الشَّمْعَةِ، أَصْفَى مِنَ الدَّمْعَةِ، تَسِيحُ فِي الرَّضْرَاضِ سَيْحَ النَّضْنَاضِ، فَنِلْنَا مِنَ الطَّعَامِ مَا نِلْنَا، ثُمَّ مِلْنَا إِلى الظِّلِّ فَقِلْنَا، فَمَا مَلَكَنَا النَّوْمُ حَتَّى سَمِعْنَا صَوْتاً أَنْكَرَمِنْ صَوْتِ حِمَارٍ، وَرَجْعاً أَضْعَفَ مِنْ رَجْعِ الحُوَارِ، يَشْفَعُهُمَا صَوْتُ طَبْلٍ كَأَنَّهُ خَاِرٌج مِنْ ما ضِغَيْ أَسَدٍ، فَذَادَ عَنِ القَومِ، رَائِدَ النَّوْمِ، وَفَتَحْتُ التَّوْأَمَتَيْنِ إِلَيْهِ وَقَدْ حَالَتِ الأَشْجَارُ دُونَهُ، وَأَصْغَيْتُ فَإِذَا هُوَ يَقُولُ، عَلى إِيَقاعِ الطُّبُولِ:

أَدْعُو إِلَى اللهِ فَهَلْ مِنْ مُجِيبْإِلي ذَراً رَحْبٍ وَمَرْعىً خَصِيبْ
وَجَنَّةٍ عَالِيَةٍ مَا تَنِىقُطُوُفها دَانِيَةً مَا تَغِيبْ
يَاقَومُ إِنِّي رَجُلٌ تَائِبٌمِنْ بَلَدِ الكُفْرِ وأَمْرِي عَجِيبْ
إِنْ أَكُ آَمَنْتُ فَكَمْ لَيْلَةٍجحَدْتُ رَبِّي وَأَتَيْتُ المُريبْ
يَا رَبَّ خِنْزيرٍ تَمَشَّشْتُهُوَمُسْكِرٍ أَحْرَزْتُ مِنْهُ النَّصِيبْ
ثُمَّ هَدَاني اللهُ وَانْتَاشَنِيمِنْ ذِلَّةِ الكُفْرِ اجْتِهَادُ المُصِيبْ
فَظَلْتُ أَخْفِي الدِّينَ في أُسْرَتِيوأَعْبِدُ اللهَ بِقَلْبٍ مُنِيبْ
أَسْجِدُ للاَّتِ حِذَارَ العِدَىوَلا أَرَى الكَعْبَةَ خَوْفَ الرَّقِيبْ
وَأَسْأَلُ اللهَ إِذا جَنَّنِيلَيْلٌ وأَضْنَانِيَ يَوْمٌ عَصِيبْ
رَبِّ كَمَا أَنَّكَ أَنْقَذْتَنِيفَنَجِّنِي إِنِّيَ فيِهِمْ غَرِيبْ
ثُمَّ اتَّخَذْتُ اللَّيْلَ لَي مَرْكباًوَمَا سِوَى العَزْمِ أَمَامَي جَنِيبْ
فَقَدْكَ مِنْ سَيْرِيَ فشي لَيْلةٍيِكِادُ رأَسُ الطِّفْلِ فيهَا يَشِيبْ
حَتَّى إِذَا جُزْتُ بِلادَ العِدَىإِلَى حِمَى الدِّين نَفَضْتُ الوَجِيبْ
فَقُلْتُ: إِذْ لاَحَ شِعَارُ الهُدَىنَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبْ

فَمَا بَلَغَ هَذا البَيْتَ قَالَ: يا قَوْمُ وَطِئْتُ دَارَكُمْ بِعَزْمٍ لا العِشْقُ شاقَهُ، وَلاَ الفْقَرْ سَاقَهُ، وَقَدْ تَرَكْتُ وَرَاءَ ظَهْري حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً، وَكَواعِبَ أَتْرَاباً، وَخَيْلاً مُسَوَّمَةً، وَقَنَاطِيرَ مُقَنْطَرةً، وَعُدَّةً وَعَدِيداً، وَمَراكِبَ وعَبِيداً، وَخَرَجْتُ خُرُوجَ الحَّيةِ مِنْ جُحْرِهِ، وَبَرَزْتُ بُرُوزَ الطَّائِرِ مِنْ وَكْرِهِ، مُؤْثِراً دِيني عَلى دُنْيَايَ، جَامِعاً يُمْنَايَ إِلى يُسْرَايَ، وَاصِلاً سَيْري ِبُسَرايَ، فَلَوْ دَفَعْتُمُ النَّارَ بِشَرَارهَا، وَرَمَيْتُمُ الرُّومَ بِحِجَارِها، وأَعَنْتُمُونِي عَلى غَزْوِها، مُسَاعَدَةً وإِسْعَاداً، ومُرافَدَةً وإِرْفَاداً وَلا شَطَطَ فكُلٌّ عَلى قَدْرِ قُدْرَتِهِ، وَحَسَبِ ثَرْوَتِهِ، وَلا أَسْتَكْثِرُ البَدْرَةَ، وأَقْبَلُ الذَّرَّةَ، وَلاَ أَرُدُّ التَّمْرَةَ، وَلِكُلٍّ مِنِّي سَهْمَانِ: سَهْمٌ أُذَلِّقُهُ لِلِّقَاءِ وآخَرُ أُفَوِّقَهُ بِالدُّعَاءِ، وَأَرْشُقُ بِهِ أَبْوابَ السَّمَاءِ، عَنْ قَوْسِ الظَّلْمَاءِ.

قَالَ عِيَسى بْنُ هِشَامٍ: فَاسْتَفَزَّنِي رَائعُ أَلْفاظِهِ، وَسَرَوْتُ جِلْبَابَ النَّوْمِ، وَعَدَوْتُ إِلى القَوْمِ، فَإِذَا واللهِ شَيْخُنا أَبُو الفَتْحِ الإِسْكَنْدَرِيُّ بِسَيْفٍ قَدْ شَهَرَهُ، وَزِيّ قّدْ نَكَّرَهُ، فَلَمَّا رآنِي غَمَزَنِي بِعَيْنِهِ، وَقَالَ: رَحِمَ اللهُ مَنْ أَعَانَنَا بِفَاضِلَ ذَيْلَهِ، وَقَسَمَ لنَا مِنْ نَيْلهِ، ثُمَّ أَخَذَ مَا أَخَذَ، وَخَلْوتُ بِهِ فَقُلْتُ: أَأَنْتَ مِنْ أَوْلادِ النَّبِيطِ؟ فَقَالَ:

أَنَا حَالِي مِن الزَّمَانِ كَحَالِي مَعَ النَّسبْ
نَسَبِي فَي يَدِ الزَّمَانَ إِذَا سَامَهُ انْقَلَبْ
أَنَا أَمْسِي مِنَ النَّبِيطِ وأُضْحِي مِنَ العَرَبْ

النص من «مقامات بديع الزمان الهمذاني» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). المصدر · الرخصة · مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

كل مقامات بديع الزمان الهمذاني