المقامة التاسعة عشرة من «مقامات بديع الزمان الهمذاني»
المقامة الساسانية
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
حَدَّثَنَا عِيسى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَحَلَّتْنِي دِمَشْقَ بَعْضُ أَسْفارِي، فَبَيْنَا أَنَا يَوْماً عَلى بَابِ دارِي، إِذْ طَلعَ عَلَيَّ مِنْ بَنِي سَاسانَ كَتِيبَةٌ قَدْ لَفُّوا رُؤُوَسُهمْ، وَصَلَوْا بالْمَغْرَةِ لَبُوسَهُمْ، وَتَأَبَّطَ كلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَجَراً يَدُقُّ بِهِ صدْرَهُ، وَفِيهِمْ زَعِيمٌ لَهُمْ يَقُولُ وَهُمْ يُرَاسِلونَهُ، وَيْدعُو وَيُجَاوبُونَهُ، فَلَمَّا رآني قَالَ:
أُرِيدُ مِنْكَ رَغِيفاًيَعْلُو خُواناً نَظِيفاً
أُرِيدً مِلُحاً جَرِيشاًأُرِيدُ بَقْلاً قَطِيفاً
أُرِيدُ لَحْماً غَريضاًأُرِيدُ خَلاً ثَقِيفَاً
أُرِيدُ جَدْياً رَضِيعاًأُرِيدُ سَخْلاً خَرُوفَا
أُريدُ مَاءً بِثَلجيَغْشَى إِناءً طَرِيفاَ
أُرِيدُ دَنَّ مُدَامٍأَقُومُ عَنْهُ نَزِيفَا
وَسَاقِياً مُسْتَهَشّاًعلَى القُلُوبِ خَفِيفَا
أُرِيدُ مِنْكَ قَمِيصاًوَجُّبةً وَنَصِيَفا
أُرِيدُ نَعْلاً كَثِيفاًبِها أَزُورُ الكَنِيفَا
أُرِيدُ مُشْطاً وَمُوسَىأُرِيدُ سَطْلاً وَلِيفَا
يَا حَبَّذَا أَنا ضَيْفاًلَكُمْ وَأَنْتَ مُضِيفا
رَضِيتُ مِنُكَ بِهَذاوَلَمْ أَرِدْ أَنْ أَحِيفاً
قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَنُلْتُهُ دِرْهَماً، وَقُلْتُ لَهُ: قَدْ آذَنْتُ بِالدَّعْوَةِ وَسَنُعِدُّ وَنَسْتَعِدُّ، وَنَجْتَهِدُ وَنَجِدُّ، وَلَكَ عَلَيْنَا الوَعْدُ مِنْ بَعْدُ، وَهَذا الدِّرْهَمُ تَذْكِرةٌ مَعَكَ، فَخُذِ المَنْقُودَ، وانْتَظِرِ المَوْعُودَ، فَأَخَذَهُ وَصَارَ إِلى رَجُلٍ آخَرَ ظَنَنْتُ أََّنهُ يَلْقَاهُ بِمِثْلِ مَا لَقِيَنِي، فَقَالَ:
يا فَاضِلاً قَدْ تَبَدَّىكَأَنَّهُ الغُصْنُ قَدّاً
قَدِ اشْتَهى اللَّحْمض ضِرْسِيفَاجْلِدْهُ بِالخُبْزِ جَلْداً
وامنُنُ علَّي بِشَيءٍواجْعَلْهُ لِلْوَقْتِ نَقْداً
أَطْلِقْ مِنَ اليِدِ خَصْراًواحْلُلُ مِنَ الكِيسِ عَقْدا
واضْمُمُ يَدَيْكَ لأَجْليإِلَى جَنَاحِكَ عَمْداً
قَالَ عَيِسَى بْنُ هِشَامٍ: فَلَمَّا فَتَقَ سَمْعي مِنْهُ هَذا الكَلامُ، عَلِمْتُ أَنَّ وراءَهُ فَضْلاً، فَتَبِعْتُهُ َحَتَّى صَارَ إِلى أُمِّ مَثْواهُ، وَوَقَفْتُ مِنْهُ بِحَيْثُ لاَ يَراني وأَرَاهُ، وَأَمَاطَ السَّادَةُ لُثُمَهُمْ، فإِذَا زَعِيمُهُمْ أَبُو الفَتْحِ الإِسْكَنْدَرِيُّ، فَنَظَرْتُ إِليهِ وَقُلْتُ: مَا هَذهِ الحِيلَةُ وَيْحَكَ؟ فأَنشأَ يَقُولُ:
هَذا الزَّمَانُ مَشُومُكَمَا تَراهُ غَشُومُ
الحُمْقُ فِيهِ مَلِيحٌوالعِقْلُ عَيْبٌ وَلُومُ
والمَالُ طَيْفٌ، ولكِنْحَوْلَ اللئَّامِ يحومُ
النص من «مقامات بديع الزمان الهمذاني» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). المصدر · الرخصة · مصادر الموقع