تنشق من عرف الصبا ما تنشقا
الشاعر: ابن زيدون · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة غزل
«تنشق من عرف الصبا ما تنشقا» من شعر ابن زيدون، من العصر الأندلسي، وتقع في 50 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، وغرضها قصيدة غزل.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
تَنَشَّقَ مِن عَرفِ الصَبا ما تَنَشَّقا — وَعاوَدَهُ ذِكرُ الصِبا فَتَشَوَّقا
وَما زالَ لَمعُ البَرقِ لَمّا تَأَلَّقا — يُهيبُ بِدَمعِ العَينِ حَتّى تَدَفَّقا
وَهَل يَملِكُ الدَمعُ المَشوقُ المُصَبَّأُ — خَليلَيَّ إِن أَجزَع فَقَد وَضَحَ العُذرُ
وَإِن أَستَطِع صَبراً فَمِن شيمَتي الصَبرُ — وَإِن يَكُ رُزأً ما أَصابَ بِهِ الدَهرُ
فَفي يَومِنا خَمرٌ وَفي غَدِهِ أَمرُ — وَلا عَجَبٌ إِنَّ الكَريمَ مُرَزَّأُ
رَمَتني اللَيالي عَن قَسِيِّ النَوائِبِ — فَما أَخطَأَتني مُرسَلاتُ المَصائِبِ
أَقضي نَهاري بِالأَماني الكَواذِبِ — وَآوي إِلى لَيلٍ بَطيءِ الكَواكِبِ
وَأَبطَأُ سارٍ كَوكَبٌ باتَ يُكلَأُ — أَقُرطُبَةُ الغَرّاءَ هَل فيكِ مَطمَعُ
وَهَل كَبِدٌ حَرّى لِبَينَكِ تُنقَعُ — وَهَل لِلَياليكِ الحَميدَةِ مَرجِعُ
إِذِ الحُسنُ مَرأىً فيكِ وَاللَهوُ مَسمَعُ — وَإِذ كَنَفُ الدُنيا لَدَيكِ مُوَطَّأُ
أَلَيسَ عَجيباً أَن تَشُطَّ النَوى بِكِ — فَأَحيا كَأَن لَم أَنسَ نَفحَ جَنابِكِ
وَلَم يَلتَئِم شَعبي خِلالَ شِعابِكِ — وَلَم يَكُ خَلقي بَدؤُهُ مِن تُرابِكِ
وَلَم يَكتَنِفني مِن نَواحيكِ مَنشَأُ — نَهارُكِ وَضّاحٌ وَلَيلُكِ ضَحيانُ
وَتُربُكِ مَصبوحٌ وَغُصنُكِ نَشوانُ — وَأَرضُكِ تُكسى حينَ جَوُّكِ عُريانُ
وَرَيّاكِ رَوحٌ لِلنُفوسِ وَرَيحانُ — وَحَسبُ الأَماني ظِلُّكِ المُتَفَيَّأُ
أَأَنسى زَماناً بِالعِقابِ مُرَفَّلاً — وَعَيشاً بِأَكنافِ الرُصافَةِ دَغفَلا
وَمَغنىً إِزاءَ الجَعفَرِيَّةِ أَقبَلا — لَنِعمَ مَرادُ النَفسِ رَوضاً وَجَدوَلا
وَنِعمَ مَحَلُّ الصَبوَةِ المُتَبَوَّأُ — وَيا رُبَّ مَلهىً بِالعَقيقِ وَمَجلِسِ
لَدى تُرعَةٍ تَرنو بِأَحداقِ نَرجِسِ — بِطاحُ هَواءٍ مُطمِعِ الحالِ مُؤيِسِ
مَغيمٍ وَلَكِن مِن سَنا الراحِ مُشمِسِ — إِذا ما بَدَت في كَأسِها تَتَلَألَأُ
وَقَد ضَمَّنا مِن عَينِ شُهدَةَ مَشهَدُ — بَدَأنا وَعُدنا فيهِ وَالعودُ أَحمَدُ
يَزُفُّ عَروسَ اللَهوِ أَحوَرُ أَغيَدُ — لَهُ مَبسِمٌ عَذبٌ وَخَدٌّ مُوَرَّدُ
وَكَفٌّ بِحِنّاءِ المُدامِ تُقَنَّأُ — وَكائِن عَدَونا مُصعِدينَ عَلى الجِسرِ
إِلى الجَوسَقِ النَصرِيِّ بَينَ الرُبى العُفرِ — وَرُحنا إِلى الوَعساءِ مِن شاطِئِ النَهرِ
بِحَيثُ هُبوبُ الريحِ عاطِرَةِ النَشرِ — عَلا قُضُبَ النُوّارِ فَهيَ تَكَفَّأُ
وَأَحسِن بِأَيّامٍ خَلَونَ صَوالِحِ — بِمَصنَعَةِ الدولابِ أَو قَصرِ ناصِحِ
تَهُزُّ الصَبا أَثناءَ تِلكَ الأَباطِحِ — صَفيحَةَ سَلسالِ المَوارِدِ سائِحِ
تَرى الشَمسَ تَجلو نَصلَها حينَ يَصدَأُ — وَيا حَبَّذا الزَهراءَ بَهجَةَ مَنظَرِ
وَرِقَّةَ أَنفاسٍ وَصِحَّةَ جَوهَرِ — وَناهيكَ مِن مَبدا جَمالٍ وَمَحضِرِ
وَجَنَّةِ عَدنٍ تَطَّبيكَ وَكَوثَرِ — بِمَرأىً يَزيدُ العُمرَ طيباً وَيَنسَأُ
مَعاهِدُ أَبكيها لِعَهدٍ تَصَرَّما — أَغَضَّ مِنَ الوَردِ الجَنِيِّ وَأَنعَما
لَبِسنا الصِبا فيها حَبيراً مُنَمنَما — وَقُدنا إِلى اللَذاتِ جَيشاً عَرَمرَما
لَهُ الأَمنُ رِدءٌ وَالعَداوَةُ مَربَأُ — كَساها الرَبيعُ الطَلقُ وَشيَ الخَمائِلِ
وَراحَت لَها مَرضى الرِياحِ البَلائِلِ — وَغادى بَنوها العَيشَ حُلوَ الشَمائِلِ
وَلا زالَ مِنّا بِالضُحى وَالأَصائِلِ — سَلامٌ عَلى تِلكَ المَيادينِ يُقرَأُ
إِخوانَنا لِلوارِدينَ مَصادِرُ — وَلا أَوَّلٌ إِلّا سَيَتلوهُ آخِرُ
وَإِنّي لِأَعتابِ الزَمانِ لَناظِرُ — فَقَد يَستَقيلُ الجَدُّ وَالجَدُّ عاثِرُ
وَتُحمَدُ عُقبى الأَمرِ مازالَ يُشنَأُ — ظَعَنتُ فَكانَ الحُرُّ يُجفى فَيَظعَنُ
وَأَصبَحتُ أَسلو بِالأَسى حينَ أَحزَنُ — وَقَرَّ عَلى اليَأسِ الفُؤادُ المُوَطَّنُ
وَإِنَّ بِلاداً هُنتُ فيها لَأَهوَنُ — وَمَن رامَ مِثلي بِالدَنِيَّةِ أَدنَأُ
وَلا يُغبِطُ الأَعداءَ كَونِيَ في السِجنِ — فَإِنّي رَأَيتُ الشَمسَ تُحصَنُ بِالدَجنِ
وَماكُنتُ إِلّا الصارِمَ العَضبَ في جَفنِ — أَوِ اللَيثَ في غابٍ أَوِ الصَقرَ في وَكنِ
أَوِ العِلقَ يُخفى في الصِوارِ وَيُخبَأُ — يَضيقُ بِأَنواعِ الصَبابَةِ مَذهَبي
إِلى كُلِّ رَحبِ الصَدرِ مِنكُم مُهَذَّبِ — مُفَضَّضِ لَألاءِ الأَساريرِ مُذهَبِ
يُنافِسُ مِنهُ البَدرُ غُرَّةَ كَوكَبِ — دَرى أَنَّها أَبهى سَناءً وَأَضوَأُ
أَسِفتُ فَما أَرتاحُ وَالراحُ تُثمِلُ — وَلا أُسعِفُ الأَوتارَ وَهيَ تَرَسَّلُ
وَلا أَرعَوي عَن زَفرَةٍ حينَ أُعذَلُ — وَلا لِيَ مُذ فارَقتُكُم مُتَعَلَّلُ
سِوى خَبَرٍ مِنكُم عَلى النَأيِ يَطرَأُ — حَمِدتُم مِنَ الأَيّامِ لينَ خِلالِها
وَسَرَّتكُمُ الدُنيا بِحُسنِ دَلالِها — مُؤَمَّنَةً مِن عَتبِها وَمَلالِها
وَلا زالَ مِنكُم لابِسٌ مِن ظِلالِها — يُسَوِّغُ أَبكارَ المُنى وَيُهَنَّأُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- تنشق: تَنَشَّقَ يَتَنَشَّقُ تَنَشُّقًا :- الرائحة: شمَّها؛ تنشَّق رائحة أزهار الحديقة.