خَلا القصْرُ مِمنْ كان يَمْلأُهُ بِشْرا

الشاعر: خليل مطران · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة رثاء

هذه القصيدة من شعر خليل مطران، من العصر الحديث، وتقع في 55 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الراء، وغرضها قصيدة رثاء.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

خَلا القصْرُ مِمنْ كان يَمْلأُهُ بِشْرا ... وَجَلَّلَ حُزْنُ رَوْضَةَ القَصْرِ والقَصْرَا

فَتى الخلُقِ العَالِي وَمَا طَالَ عَهْدُهُ ... أَعَافَ اصْطِحَابَ النّاسِ فاصْطحَبَ الزُّهْرا

مَشَتْ مِصْرُ فِي تَشِييعِهِ وَتدَفَّقَتْ ... وَفُودٌ إِلى الفُسطَاطِ زَاخِرَةٌ زَخْرَا

أَعَاظِمُهَا خلْفَ الجِنازةِ خُشَّعُ ... يُوَاكِبُهُمْ شعْبٌ مَحَاجِرُهُ شَكْرَى

كَإِكْرَامِهِمْ خَيْرَ الأُبُوَّةِ قَبْلَهُ ... لَقَدْ أَكْرَمُوا خَيْرَ البَنِينَ ومَن أَحْرَى

يُعِيدُونَ ذِكْرَ الأَصْلِ فِي ذِكْرِ فَرعِهِ ... وَتِلْكَ لَعُمْرِي سِيرَةٌ تَبْعَثُ الفَخْرَا

أَحَادِيثُهَا تُذْكِي عَزائِمَ مَن وَعَى ... وَتَتْرُكُ فِي الأَلْبَابِ مِنْ بَعْدِهَا أَثْرَا

إِذَا مَا اسْتَعَرْنا ضَوْءَهَا فَكأَنَّنّا ... فَتَحْنَا بِهِا لِلْقَابِسِ المُهْتَدِي سِفْرَا

حَبِيبُ نَحَا نَحْوَ العُلى وَهْوَ يَافِعٌ ... وَلَمْ يَثْنِهِ أَنْ كَان مَسْلَكُهَا وَعْرَا

فَــــأقْدَمَ إِقْدَامَ الَّذِي رَاضَ نَفْسَه ... عَلى الصَّعْبِ وَاعْتَدَّ الشَّجَاعَةَ وَالصَّبْرَا

يُؤَثِّلُ بِالرُّوحِ العِصَامِيِّ جَاهُهُ ... فَإِمَّاــ تَجَنَّى دَهرُهُ كَافَح َالدَّهْرَا

عَليِماً بِأَنَّ الحَيَّ لاَ يُدْرِكُ المُنَى ... إِذا هُوَ لَمْ يَقْتُلْ نَصَاريفَه خُبْرَا

فَآبَ امرَأً فِي جِيلِهِ نسْجَ وَحْدِهِ ... يُخَافُ وَيُرْجَى مِنْهُ مَا سَاءَ أَو سَرَّا

وبَـــــلَّغَهُ أَقْـــــصَــــى الأَمــــانِــــيِّ أَنَّهُ ... بِــــأَخْلاقِهِ أَثْرَى وَأَمْوَالِهِ أَثْرَى

أَتاحَتْ لَهُ عُقْبَى الجِّهَادِ إِمَارَةً ... وَفِي بِيعَةِ اللّهِ الَّتي شَادَهَا قَرَّا

وَحَالفَهُ التَّوْفِيقُ فِي الْعَيْشِ وَالرَّدَى ... فَطابَت لَهُ الدُّنْيَا وَطَابَتْ لهُ الأُخْرَى

فَــــلَمَّاــــ تَولَّى وَطَّدَ اللّهُ بَيْتهُ ... بِأَعْقابِ خيْرٍ شرفوا البَيْتَ وَالنجْرا

ثَلاثَةُ أَقْيَالٍ تَمَثَّلَ فِيهِم ... أَبُوهُمْ وَلَمْ يَأْلُوهُ حُبّاً وَلا بِرّاً

ترَاهُمْ فَفِي كُلٍّ تَرَى مِنْ أَبِيهِمُ ... مَلامِحَهُ الغَرَّاءَ وَالشِّيَمَ الزُّهْرَا

وَكَانُوا مِثَالاً لِلأُخُوَّةِ يُحْتَذى ... وقُدْوَةَ مَنْ يَرْعَى القَرَابَةَ وَالأَصْرَا

فَيَا لِلأَسَى أَنْ فَرّقَ اليَوْمَ بَيْنهُمْ ... زَمَانٌ إِذا أَلْفَى وَفاءً رَمَى غَدْرا

دوَى أَنْضَرُ الإِخْوَانِ قَبْلَ أَوانِهِ ... فَأَيَّةُ رِيحٍ صَوَّحَتْ عُودَهُ النضْرَا

وَأَوْدَت بِمِلءِ العَينِ أَرْوَعَ بَاذِخٍ ... سَمَا كلَّ نِدٍّ هَامَةً وَسمَا قدْرَا

سَرِيٍ مِنَ الغُرّ المَيَامِينِ نَابِهٍ ... بِهِ كِبَرٌ حَقٌّ وَمَا يعْرِفُ الكِبْرا

هُمامٍ رَمَى أَسْمَى المَرَامِي وَلَمْ يَكَدْ ... طَمُوحٌ إِلى مَجْدٍ يُجَارِيهِ فِي مَجْرَى

لَهُ مَرْجِعٌ فِي أَمرِهِ حُكْمُ نَفْسِهِ ... وَمَنْ لمْ يُحرِّرْ نَفْسَهُ لَمْ يَكنْ حُرَّا

صَبِيحِ المُيحَّاــ أَرِيَحِيٍ مُحَبَّبٍّ ... إِلى الخَلْقِ لاَ كَيْداً يُكِنُّ وَلا مَكْرَا

يَـــــلُوحُ لَهُ سِـــــرُّ النَّجــــِي فِــــرَاسَــــة ... وَيأْبَى عَلَيْهِ النُّبْلُ أَنْ يَكْشِفَ السِّرَّا

جَهِيرٍ بإِلقاءِ الكَلامِ مُصَارِحٍ ... وَفِيمَا عَدا إِحْسانَهُ يُؤْثِرُ الجَهْرَا

وَليْسَ كَظِيمَ الغَيْظِ لَكِنَّهُ إِذَا ... شَفَاهُ بعَتْبٍ لَمْ يَضِقْ بِأَخٍ صَدْرَا

وَلَيــــــسَ بِهَـــــيَّاـــــبٍ وَلا مُـــــتَـــــرَدِّدٍ ... إِذَا حَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ فَنوَى أَمْرَا

وَفِي كلِّ حَالٍ يَفْعَلُ الفِعْلَ كَاملاً ... وَلا يَسْتَشيرُ الحِرْصَ أَوْ يَنْتَهِي حِذْرَا

يُرَى تَارَةً كاللَّيْثِ إِنْ هِيجَ بَأْسُهُ ... وَآناً يُرَى كالغَيْثٍ مِنْ رَحْمَةٍ ثَرا

فَمَا هُوَ بِالسَّاعِي إِلى الشَّرِّ بَادِئاً ... وَمَا هُوَ بِالوَاهِي إِذَا دَفَعَ الشَّرَّا

وَأَمَّاــــ أَيــــاِيــــهِ فَليْسَ أَقلُّها ... وَقَدْ ذاعَ مِمَّاــ نَسْتَطِيعُ لَهُ حَصْرَا

أَفِي معْهَدٍ لِلْبِرِّ لَمْ يَكُ جُهْدُهُ ... عَلى قَدْرِ مَا يُرجَى وَآلاؤُهُ تَتْرى

أَلَمْ يَمْنحِ الآدَابَ وَالعِلْمَ عَوْنَهُ ... وَمَا يَبْتِغي مِنْ غَيْرِ خالِقِهِ أَجْرَا

أَلَمْ يَرْعَ شَأْنَ المُسْتَمِدِّينَ رِزْقَهُم ... مِنَ الكَدِّ زُرَّاعاً يَكُونُونَ أَوْ تَجْرَا

أَلَمْ يُعْطِ بِالبَذْلِ الْوَجَاهَةَ حَقَّهَا ... وَكمْ يَتَناسَى الحَقَّ مَنْ أَعْطِيَ الوَفْرا

تَظل وُفُودُ النَّاسِ تَغْشَى رِحَابَهُ ... وَيُسْرِفُ فِي الأَنْعَامِ غِلْمَانُهُ نَحْرَا

فرَبُّ الحِمَى يَسْتَقْبِلُ الضَّيْفَ مبشِراً ... وَرَوْضُ الحِمَى يَسْتَقْبِلُ الضَّيْفَ مُغْتَرا

فَــــضــــائِلُ زَادَتْهَا سَناءً وَرَوْعَةً ... جَلائِلُ مَا يَأْتِيهِ فِي حُبِّهِ مِصْرَا

إِذَا مَا دَعَا داعِي الحِفاظِ أَجَابَهُ ... مُجِيبٌ يَرَى التَّفرِيطَ فِي حَقِّهِ كُفْرَا

سَلِ العُرْبَ عَنْهُ مِن مُلوكٍ وَفى لَهُمْ ... وَفَى دَينَ لِلأَوْطَانِ لَمْ يَأْلُهُمْ نَصْرَا

بِنَفسِ هَمَامٍ لا تَرَى عِنْدَ نفْسِهَا ... لإِخَفاقِهِ عُذْراً وَإِنْ أَبْلَتِ العُذْرَا

عَزَاءَ الشَّقِيقَيْنِ الحَزِينينِ هكَذا ... جَرَى الأَمْرُ وَالأَحْجَى مَنْ امْتَثلَ الأَمْرا

وَغيْرُ كَثِيرٍ أَن نُرَجِّيَ مِنْهُمَا ... مَآثِرَ تُبْقِيهِ بِإِبْقَائِها الذِّكرَى

عزَاءَكِ يَا أَوْفى الشَّقِيقَاتِ وَارْفُقِي ... بِقَلْبٍ رَفِيقٍ فِيهِ أَذْكَى الأَسَى جَمْرا

أَمَا كانَ ذاكَ القَلْبُ وَالعَقْلُ نُورُهُ ... لِقَلْبِ أَخِيكِ المُوئِلَ الهادي الطَّهْرَا

فَقِيدَ الَمعالي وَالمُرُوءَاتِ وَالنَّدَى ... وَحُلْوَ السجَايَا إِن حَلا العَيْشُ أَو مَرَّا

أَتيْتَ أَمُوراً فِي الحَيَاةِ كَبِيرَةً ... وَكَان سُمُوُّ النَّفْسِ آيَتَهَا الكُبْرَى

أَتَشْهَدُ هَذَا الجَّمْعَ مِنْ صَفْوَةِ الحِمَى ... وَأَجْفَانُهُمْ تَهْمِي وَأَنْفَاسُهُمْ حَرَّى

لَكَ الصَّدْرُ قَبْلَ اليَوْمِ وَالقَوْلُ بَيْنَهُمْ ... فَقَدْ حَلَّ رَسْمٌ صَامِتٌ دُونَكَ الصَّدْرَا

فَدَيْتُ صَفِيّاً أَصْحَبُ العُمْرَ بَعْدَهُ ... وَمَا حَالُ مَفْقُودِ المُنَى يَصْحَبُ العُمْرَا

سَتَحْيَا بِقَلْبِي مَا حَيَيْتُ فإِنْ أَمُتْ ... سَتَحْيَا بِشِعْرِي مَا رَوَى النَّاسُ لي شِعْرا

البحر والقافية

القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.

تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.

القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:

  • البنين: ألبن: قَالَ ابْنُ الأَثير: أَلْبُونُ، بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، مَدِينَةٌ بِالْيَمَنِ زَعَمُوا أَنها ذاتُ الْبِئْرِ المُعطَّلة وَالْقَصْرِ المَشيد، قَالَ: وَقَدْ تُفْتَحُ الْبَاءُ. (لسان العرب)
  • الفخرا: خرأ: الخُرْءُ، بِالضَّمِّ: العَذِرةُ. خَرِئَ خِرَاءَةً وخُرُوءَةً وخَرْءاً: سَلَحَ، مِثْلُ كَرِهَ كَرَاهةً وكَرْهاً. وَالِاسْمُ: الخِراءُ، قَالَ الأَعشى: يَا رَخَماً قاظَ عَلَى مَطْلُوبِ، ... يُعْجِلُ كَفَّ الخارئِ المُط … (لسان العرب)
  • الفسطاط: سطط: التَّهْذِيبِ: ابْنُ الأَعرابي السُّطُطُ الظَّلَمةُ، والسُّطُطُ الْجَائِرُونَ. والأَسَطُّ مِنَ الرِّجَالِ: الطَّوِيلُ الرِّجْلَيْن. (لسان العرب)
  • تبعث: بعث: بَعَثَهُ يَبْعَثُه بَعْثاً: أَرْسَلَهُ وَحْدَه، وبَعَثَ بِهِ: أَرسله مَعَ غَيْرِهِ. وابْتَعَثَه أَيضاً أَي أَرسله فانْبعَثَ. وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ يَصِفُ النبي، ﷺ، شَهِيدُك يومَ الدِّينِ، وبَعِيثُك نعْمة؛ أَي مَبْعُ … (لسان العرب)
  • تشييعه: شيع: الشَّيْعُ: مِقدارٌ مِنَ العَدَد كَقَوْلِهِمْ: أَقمت عِنْدَهُ شَهْرًا أَو شَيْعَ شَهْرٍ. وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: بَعْدَ بَدْرٍ بِشهر أَو شَيْعِه أَي أَو نَحْوٍ مِنْ شهرٍ. يُقَالُ: أَقمت بِهِ … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • يَا فَتَاةٌ يَجْلُو النُّبُوغُ حُلاَهَا
  • تركت الدار حين طغى أذاها
  • مريم يا غرس خير كرم
  • لينتشر بعد طي ذلك العلم
  • يا صورة شبهت صخراً بإنسان
  • ذلك الرزء في الصديق الكريم
  • ألتاج تاج مملكين عظام
  • داء ألم فخلت فيه شفائي